الفصل 95: التاج الملطخ (1)

الفصل 95: التاج الملطخ (1)

"هووه. هل أفرطتُ في احتساء الشراب حقاً؟ أم أن ثقل التاج بات يرهق كاهلي أكثر من المعتاد؟"

طَق، طَق، طَق.

كان صدى وقع خطوات حذائها الملكي يتردد في أرجاء الممر الرخامي الطويل، محطماً سكون الليل الذي خيّم على أروقة القصر بعيداً عن صخب قاعة الاحتفال. وفي وسط ذلك الصدى الرتيب، ارتسمت على شفتي الملكة أليسيا ابتسامة مريرة، امتزجت فيها السخرية بالوقار.

'لقد شربتُ القدر المعتاد فحسب، ولم يكن يوماً كافياً لزعزعة اتزاني.'

إلا أن جوفها بدا مضطرباً على نحو غير مألوف، وكأن هناك إعصاراً صغيراً يتشكل في أحشائها. حتى دقات قلبها، التي كانت دوماً منتظمة كالساعة، بدأت تتسارع بوتيرة تنذر بالخطر، وكأنها طبول حرب تقرع في صدرها.

'لعل السبب هو تراكم الإرهاق في الآونة الأخيرة. فالعرش ليس مقعداً للراحة، بل هو منصة للمواجهة المستمرة.'

وهي تجوب الممر الذي تراقصت على جدرانه ظلال المشاعل المهتزة، استرجعت في ذهنها جدول أعمالها المزدحم في الأيام الفارطة. كانت أياماً حبلى بالمهام الجسام التي لا تحتمل التأجيل أو الخطأ.

'أضرار فيضانات أمطار الربيع في المقاطعات الجنوبية فاقت كل التوقعات، والميزانية تئن تحت وطأة الإصلاحات. ناهيك عن تلك التحركات المريبة التي رصدتها العيون خلف الصحراء الشرقية.'

كانت تدرك جيداً أن أعداء المملكة يحيطون بها إحاطة السوار بالمعصم، يتربصون بها الدوائر وينتظرون أدنى هفوة لتقويض أركان هذا العرش العريق. وعلى رأس هؤلاء المتربصين تبرز سلطنة «إسباهان» القابعة خلف الجبال الشرقية الشاهقة ووراء مساحات شاسعة من الصحراء القاحلة؛ تلك السلطنة التي مثلت خصماً تقليدياً لدوداً، وخاضت المملكة ضدها في الماضي حربين طاحنتين لم تتركا سوى الندوب والدمار.

'الأجواء توحي بريبة شديدة، ورائحة المؤامرة تزكم الأنوف.'

تناهت إلى مخيلتها التقارير السرية التي نقلها جواسيسها المخلصون المزروعون في قلب إسباهان. أشارت تلك الأنباء بوضوح إلى تعزيز السلطنة لقدراتها العسكرية بحدة غير مسبوقة في الآونة الأخيرة، ولا سيما حشدهم للقوات النخبوية نحو مقاطعتهم الغربية المتاخمة لحدود المملكة. كان حجم تلك التحركات وتوقيتها بعيداً كل البعد عن كونه مجرد مناورات روتينية أو استعراض للقوة.

'غزو شامل؟ كلا، المنطق العسكري ينفي ذلك؛ فبيننا وبينهم مساحات شاسعة من الأراضي الجرداء التي تنهك أي جيش غازٍ قبل وصوله. ولو أرادوا حقاً غزو الأرض، لكانوا حشدوا قواتهم في الشمال حيث تلتقي الحدود مباشرة وتسهل الإمدادات. فإذن، لأي غرض شيطاني يُحاشد كل هذا الزخم العسكري؟'

ظل هذا اللغز الوجودي ينهش عقلها ويؤرق مضجعها طوال الأشهر الماضية، لكن الإجابة ظلت غامضة، متوارية خلف حجاب من الأسرار السياسية. وتفاقم هذا الغموض الآن مع تصاعد تأثير الخمر الذي بدا وكأنه يغلي في عروقها، مشوشاً بصيرتها.

'تباً لهذا الضعف. لينسَ المرء هذا الضجيج مؤقتاً.'

اتسعت ابتسامتها المرة وهي تهز رأسها محاولة طرد الأفكار السوداوية. فالتفكير في معضلات الدولة الآن، وهي في هذه الحالة من عدم الاتزان، لن يحل معضلة ولن يدرأ خطراً، بل سيزيدها إرهاقاً فوق إرهاقها المستنزف أصلاً. لذا، قررت أن الأجدر بها هو التركيز على اللحظة الحاضرة، لتخفف وطأة هذا الدوار الغريب ثم تعود إلى قاعة الاحتفال بكامل هيبتها المعهودة.

بهذا الهاجس، دلفت الملكة إلى استراحتها الخاصة، ذلك الملاذ الذي صُمم ليكون واحة من الهدوء وسط عواصف البلاط. ألقت بجسدها المنهك على الأريكة الوثيرة المكسوة بالمخمل الملكي، وارتشفت جرعة من ماء بارد علّها تطفئ النيران المستعرة في جوفها. استجمعت أنفاسها وحاولت تهدئة روعها، لكن سورة الخمر -أو ما ظنته خمراً- لم تهدأ البتة.

لا زال جوفها يعتل بتقلصات مؤلمة، وخفقات قلبها تأبى السكون، بل زادت حدتها حتى شعرت بها في حنجرتها. بات تنفسها أسرع وأقصر، وكأن الهواء يهرب من رئتيها.

'الأمر يتجاوز حدود السكر المعتاد. هناك خطب ما، وجسدي يصرخ محذراً.'

عقدت الملكة أليسيا حاجبيها بقلق متزايد. فالمرء، مهما بلغت درجته، هو أدرى الناس بخبايا جسده وتفاعلاته. ناهيك عن كونها ليست مجرد ملكة تجلس على العرش، بل هي مبارزة فذة بلغت مرتبة «سيد سيف»، وهي رتبة لا ينالها إلا من أحكم السيطرة على طاقته الكامنة. كان يفترض، نظرياً وعملياً، أن يسعها تبديد أثر أقوى أنواع الخمور بمجرد السيطرة على تدفق المانا داخل جسدها وتوجيهها لتطهير الدم.

بيد أن ذلك تعذر عليها هذه المرة بشكل يبعث على الرعب. بل على العكس تماماً، فكلما حاولت استجماع قواها الذهنية، غاشيها دوار مطبق كأنه سحابة سوداء تبتلع وعيها.

'هناك خيانة في الكأس، أو غدر في الطبق.'

دُقّ، دُقّ، دُقّ.

نبضات قلبها تتسارع بإطراد جنوني، وتصبب عرق بارد غزير من جبينها ليبلل خصلات شعرها الذهبي. استبد بها شعور باللؤم والخطر المحدق، فنهضت عن الأريكة بحركة متثاقلة. خلعت حذاءها وجلست متربعة على الأرض الرخامية الباردة، محاولة استمداد بعض الثبات من صلابة الأرض. استوت في جلستها وأصلحت ظهرها، متخذة وضعية التأمل القتالي العميقة.

ثم باشرت تقنية التمشيط العميق للمانا، وهي تقنية متقدمة لا يتقنها إلا الصفوة. أيقظت «قلب المانا» النابض في صدرها، ذلك المحرك الجبار الذي يمدها بالقوة. استجابت قلعة المانا الجبارة لندائها، وبدأت الطاقة تتدفق ببطء في البداية.

'سأبدأ بفحص جسدي ركناً وركناً، ولن أفلت أي شائبة.'

دفعت بالمنا الكثيفة المحبوسة في قلب المانا نحو عروقها كافة، موجهة إياها لتكون كالمجهر الذي يكشف العيوب. وما هي إلا لحظة حتى انطلقت تلك الطاقة الجارفة تعصف في مساراتها كريح عاتية تطهر ما تمر به. وفي تلك اللحظة بالذات، اضطرت مرغمة إلى قبض كفيها على صدرها بقوة كادت تخترق ثيابها.

كُوُوُنغ!

"......!"

صدمة عنيفة اجتاحت كيانها، كادت تقوس ظهرها جزعاً وألماً. كان ألماً لا يوصف، وكأن آلاف الإبر المحماة تغرس في نسيج قلبها دفعة واحدة.

"خَب...!"

تجرعت الملكة أليسيا شعوراً مرعباً بأن العالم يبيض أمام عينيها فجأة، وأن الوعي ينفلت من بين أصابعها كحبات الرمل. وبشق الأنفس، وبقوة إرادة فولاذية تليق بملكة، تداركت وعيها لكيلا تفقده وتستسلم للظلام. استندت بكلتا يديها على الأرض باستعجال، لاهثة، والدموع طفرت من عينيها رغماً عنها من شدة الفتك الداخلي.

عضت على أنيابها بقوة حتى شعرت بطعم الدم في فمها، ونهضت متثاقلة.

'سمّ؟ أيعقل أن يجرؤ أحد على فعلها؟'

تمنّت في قرارة نفسها لو لم يكن الأمر كذلك، لو كان مجرد مرض عارض أو إرهاق جسيم. لكن الألم الذي استعر من قلبها سرعان ما سرى في جسدها بأكمله، مخترقاً أحشاءها بمعية تيار المانا الذي حاولت استخدامه للعلاج. لقد تحول دواؤها إلى سمّ إضافي، فالمادة السامة كانت تتغذى على المانا وتنتشر من خلالها. وكان المعنى وراء ذلك جلياً لا غبار عليه، وقاسياً كحد السيف.

'سمّ حقاً! ولكن كيف؟ كيف اخترقوا حصوني؟'

صّت أليسيا أسنانها غيظاً وحنقاً. فكل ما تتناوله من طعام أو شراب، حتى الماء القراح، يخضع لفحص دقيق وصارم من قِبل فيلق من الخدم المتخصصين. حيث يتذوق كل خادم صنفاً واحداً من الطعام أو الشراب المخصص للمائدة الملكية، ثم يُعزلون وينتظرون أربعة أيام كاملة تحت المراقبة. ولا بد ألا يلقى أي خادم حتفه أو تظهر عليه أدنى أعراض ريبة طوال تلك المدة. ولا يُسمح لأي طبق بالوصول إلى مائدتها إلا بعد اجتياز تلك الإجراءات المعقدة التي تضمن سلامة كل لقمة.

'وكان الحال كذلك اليوم أيضاً، لم يتغير شيء في البروتوكول.'

الطعام والشراب اللذان تناولتهما في الحفل، كلاهما خضع لذات معايير الفحص المعتادة والصارمة. وطبعاً لم يسقط أي خادم صريعاً أو يموت طوال الأيام الأربعة الماضية، وإلا لكانت قد علمت بذلك فوراً.

'إذن، لماذا ينهش السم أحشائي الآن؟'

أحقا تعرضت للتسمم؟ لم تجد إجابة منطقية تشفي غليل تساؤلاتها، سوى حدس واحد مظلم يحوم في خاطرها كغراب مشؤوم؛ وهو وقوع تلاعب ما، خيانة كبرى حدثت أثناء عملية فحص الطعام، أو أن السم المستخدم من نوع يتجاوز قدرة الفحص التقليدية على الكشف.

'عليّ أولاً... أن أنادي أحداً... قبل أن ينهار جسدي بالكامل.'

إنها بحاجة ماسة للمساعدة، فكبرياؤها كملكة لا قيمة له أمام الموت المحدق. فالسم يسري في جسدها واقعياً وحالياً، وكلما حاولت كبحه باستخدام المانا، اتسع نطاقه كحريق في هشيم تذروه الرياح.

جمعت الملكة أليسيا ما تبقى لها من طاقة في رئتيها وزأرت بصوت حاول أن يكون جهوراً رغم الوهن:

"أيها الخارج... أليس هناك أحد هنا! أحضروا الطبيب الملكي فوراً!"

ولكن، لم يتلقَها أي رد. ساد صمت جنائزي ثقيل خلف الباب، صمت لم يكسره سوى أزيز المشاعل. وهذا بحد ذاته كان أمراً يبعث على الريبة الشديدة ويؤكد أسوأ مخاوفها.

'تباً... المؤامرة أعمق مما ظننت.'

قبل دخولها الاستراحة، كانت قد أمرت الخدم بالانصراف لتنعم بلحظات من الخصوصية والراحة. لكنها أمرتهم مع ذلك بالانتظار خارج الباب مباشرة، ليكونوا رهن إشارتها في أي لحظة. فلماذا غاب أي مجيب إذن؟ أين الحرس؟ أين الوصيفات؟

"كرووُات، أووُات......!"

راحت تسير متعثرة، متكئة بكل ثقلها على الجدار المذهب صوب الباب. مع كل خطوة تخطوها، كان وعيها يتداعى ويخبو، وكأنها تمشي في ضباب كثيف. ولم يعد إليها صفاء ذهني مؤقت إلا حين عضت سفح شفتها بقوة مفرطة حتى سال الدم، مستخدمة الألم الجسدي كسلاح ضد الغيبوبة. وحتى خلال تلك الخطوات المعدودة، كان بصرها ينطفئ ويعود، والظلال تتراقص أمامها كأشباح هازئة.

'المسافة... المسافة باتت أبعد مما أحتمل.'

مسافة الأمتار القليلة التي كانت لتجتازها سابقاً بخطوة وثبة خفيفة لا تكاد تُذكر، باتت تبدو الآن كأفق بعيد ومنال صعب المنال. بدت الاستراحة، التي كانت تعتبرها مكاناً حميمياً، شاسعة بلا حد، كصحراء تاهت في أرجائها. ورغم كل جهدها المبذول في الحركة، ظلت المسافة المتبقية بينها وبين مقبض الباب تبدو كأنها تتضاعف.

أفلتت منها ضحكة ساخرة يائسة بلا إرادة. كيف آلت بها الأمور إلى هذا المنعطف المأساوي؟ ملكة المملكة العظيمة، سيدة السيف التي لا تقهر، تموت وحيدة مسمومة في استراحتها الخاصة؟

وفي اللحظة التي قاربت فيها على الاستسلام لهذا اليأس المطبق وسقوط جسدها أرضاً.

طَقْ.

وكأن معجزة قد حدثت استجابة لندائها الصامت، انفتح الباب ببطء. وخطا إلى داخل الاستراحة الشخص الذي كان يمثل لها الأمان المطلق، الشخص الأقرب إلى قلبها وثقتها.

"اللورد تشيرني؟"

الرجل الذي تكنّ له أقصى درجات الثقة التي يمكن لملك أن يمنحها لبشر. قائد حرسها الذي ما فارق جانبها قط في السلم والحرب، والذي كان ظلها الوفي. وهو في الوقت ذاته معلمها الأول في فنون المبارزة، وسيد السيف الذي شهدت له الميادين بالبأس.

أشرق وجه أليسيا الشاحب لرؤية اللورد تشيرني، وشعرت بغصة من الراحة تخنق حنجرتها. فحاولت الحفاظ على ما تبقى من هيبتها الملكية، ناطقة بصوت متهدج:

"اللورد تشيرني، لقد جئتَ... في الوقت المناسب تماماً. كم أنا محظوظة بوجودك بجانبي في هذه اللحظة العصيبة التي تمر بها مملكتك... وملكتك. هيا، امدد يدك، السم... لقد سمموني."

مدّت يدها المرتجفة صوب قائد حرسها، وابتسمت ابتسامة شاحبة راجية منه أن يسندها ويحميها من السقوط الوشيك. وبطبيعة الحال، بادلها اللورد تشيرني الابتسام، لكنها لم تكن ابتسامة الوفاء التي عهدتها، بل كانت ابتسامة باردة كبرودة الفولاذ.

"نعم، يا جلالة الملكة. كم أنا محظوظ حقاً بوجودي بجانب سموكِ في هذه اللحظة العصيبة... والنهائية."

بيد أنه لم يمسك بيد الملكة التي مدتها إليه بضعف. بل أحكم قبضته عوضاً عن ذلك على مقبض سيفه، ذلك السيف الذي أقسم يوماً أن يحميها به.

"يا سيدتي السابقة، لقد انتهى دوركِ في مسرحية هذا العالم. نامي بسلام، فالتاج يحتاج إلى دماء جديدة لتطهيره."

وتلألأت في حدقتي اللورد تشيرني نظرة قاتلة، خالية من أي ذرة ندم، نظرة أفصحت عن خيانة سكنت قلبه منذ أمد بعيد.

♣

"يبدو أن جلالة الملكة في خطر داهم، والموت يحوم حول تلك الاستراحة."

"...ماذا؟"

همس لويد فجأة بلا مقدمات، وهو يراقب الأجواء بعينين ثاقبتين خلف قناع الهدوء المصطنع. فأمال خافيير رأسه باستغراب، ونظر إلى لويد كمن ينظر إلى مجنون.

"عن أي هراء تتحدث يا لويد؟ الملكة محاطة بأقوى حرس في القارة، ونحن في قلب القصر."

ظن خافيير في البداية أن لويد يطلق إحدى مزاحاته السمجة أو يحاول لفت الانتباه كعادته. لكنه أدرك حين التقت عيناه بعيني لويد، اللتين كانتا تلمعان بجدية مخيفة لم يعهدها فيه من قبل، أن حديثه لم يكن سوى الحقيقة المرة التي يراها لويد وحده.

"أنا جاد تماماً، يا خافيير. التزم الصمت الآن، واخفض صوتك إلى أدنى حد. العيون والآذان في كل مكان."

"..."

"سأخبرك بالأسباب والتفاصيل المملة لاحقاً، إن بقي لنا عمر لنحكي. اتبعني فحسب، ولا تثر الشكوك."

"أمرك."

أومأ خافيير برأسه بوقار، رغم عدم استيعابه الكامل للموقف. فأن تكون الملكة في خطر حقاً، وفي هذا التوقيت بالذات، فهذا يعني أن المملكة على شفا جرف هارٍ. إن صحت مقولة لويد، فهذا ليس أوان التباطؤ أو الجدال العقيم. الأسباب والتفاصيل ستأتي لاحقاً، أما الآن، فالتحرك السريع هو الفارق بين الحياة والموت.

دون الالتصاق بلويد بصورة مريبة قد تلفت انتباه الجواسيس المنتشرين في القاعة، سار خافيير بمسافة خطوات قليلة خلفه، متظاهراً بالاستمتاع بالأجواء بشكل طبيعي. أوماً لويد بنظراته الخاطفة لتوجيه خافيير، فالتقط خافيير اللبيب الإشارة وتباعد عنه بسلاسة، مراقباً محيطهما بدقة.

ثم سأله بعينيه، في لغة صامتة يفهمها المحاربون:

'إلى أين نتوجه بالضبط؟'

'إلى هناك، حيث يكمن قلب العاصفة.'

أشارت حدقة لويد نحو ركن قصي من أركان القاعة الفسيحة، حيث تقع استراحة الملكة المخصصة، المحمية بأبواب ضخمة وحراسة مشددة -أو هكذا كان يُفترض-.

'الأمر واضح وضوح الشمس لمن يملك عيناً بصيرة. لا أثر للملكة في القاعة منذ مدة. وإن كانت قد غادرت في خضم هذا الاحتفال الصاخب، فلا مكان تقصده سواه لتستعيد توازنها.'

الملكة بشر في نهاية المطاف، وليست إلهاً من مرمر. فقد ينتابها السكر، أو يداهمها الإرهاق القاتل أثناء الحفلات الرسمية الطويلة. وفي مثل تلك اللحظات، وُجدت الاستراحة كملاذ ملكي خاص، تتخفى فيه لتتخلص من أثر الخمر أو تلقط أنفاسها بعيداً عن أعين المتطفلين والنبلاء الذين يترصدون أي بادرة ضعف، لئلا يرى أحدهم هيئتها المبعثرة التي قد تخدش وقار العرش.

'علاوة على ذلك، هذا هو المكان والموعد الذي شهد محاولة اغتيال الملكة في صفحات رواية "فارس الدم الحديدي".'

قفزت أحداث الرواية التي قرأها في حياته السابقة إلى ذهنه فجأة، كشريط سينمائي متسارع. في الرواية الأصلية، كان من المفترض أن يحدث هذا بعد عامين ونصف من الآن، في ليلة شتوية باردة يشهد فيها العالم تساقط الثلج الأول. عندما تتردد الملكة أليسيا على الاستراحة وسط حفل رأس السنة، فتواجه خطر التسمم الغادر.

وفي الرواية، توظف الملكة قدراتها القصوى في التحكم بالمانا بصفتها سيدة سيف، وتتخذ قراراً بطولياً مروعاً لإنقاذ حياتها؛ حيث تقطع ذراعها المسمومة بنفسها، لتنجو من الموت بأعجوبة، لكنها تخسر جزءاً من قوتها وروحها. كان ذلك حدثاً جباراً قلب موازين القوى في المملكة رأساً على عقب، وحول الملكة إلى شخصية أكثر قسوة ودموية.

'لكن وقوعه اليوم؟ في هذا الصيف القائظ؟ لماذا بحق الجحيم تغير الجدول الزمني؟'

عجز لويد عن استيعاب هذا الانحراف الزمني بسهولة. لماذا قُدّم هذا الحدث المفصلي بأكثر من عامين عن موعده الأصلي؟ حاول التخمين في كل الاحتمالات، لكنه لم يجد سبباً منطقياً واحداً يفسر هذا التبكير. كلا، بل بدا له سبب واحد جلي ومرعب في آن واحد:

'لقد تغير شيء ما في نسيج هذا العالم... بسببي أنا.'

بسبب تدخلاته المستمرة وتغييره لمسار الرواية والقصة الأصلية، بدأت أحجار الدومينو تتساقط بشكل مختلف. وإن كان الأمر كذلك، فالمسبب الأرجح لهذا الخطر المبكر هو نفسه، هكذا فكر لويد بشعور بالذنب الممزوج بالمسؤولية.

'فلنتأكد أولاً لنرى إن كان حدسي في محله.'

دون إظهار أي عجلة قد تثير الريبة، اندمج لويد مع سيول الحضور في قاعة الاحتفال بسلاسة تامة. تناول كأساً من العصير وارتشف منها بأناقة مصطنعة بين الحين والآخر، وابتسم ببرود عابراً بجانب بعض الخدم المنشغلين. هكذا، وبحركات مدروسة، غادر قاعة الحفل دون أن يلاحظه أحد تقريباً.

فوصل إلى الممر الطويل المؤدي للجناح الملكي. وهناك، صار يسير محاذياً لمنكب خافيير، وخطواتهما تسارعت شيئاً فشيئاً مع ابتعادهما عن الأنظار. وتضاعفت سرعة الحسابات في عقله، يزن كل احتمال وكل حركة. في الواقع، تملكه شعور خفيف بالقلق، بل ربما كان رعباً دفيناً.

'يا للعار... ويا للمصيبة أن يكون الخائن المعني هو اللورد تشيرني نفسه.'

تذكر لويد ما سمعه صدفة منذ قليل، تلك العبارة التي ألقاها تشيرني ببرود: "استمرار الحفل حتى هبوط القمر". جملة قد تبدو عادية تماماً لأي أذن غافلة، لكنها بالنسبة للويد كانت ناقوس خطر. لقد كانت تلك العبارة هي الشفرة السرية الشهيرة في رواية "فارس الدم الحديدي"، الكلمة التي يتبادلها القتلة والمؤتمرون لبدء ساعة الصفر في محاولة اغتيال الملكة.

بعبارة أخرى، كانت جملة غيرت تاريخ المملكة بأكمله في الرواية. ولهذا السبب تذكرها لويد بدقة متناهية. لكن الكارثة الحقيقية تكمن في أن قائل تلك العبارة منذ قليل لم يكن سوى اللورد تشيرني، الرجل الذي يُفترض أنه الدرع الحامي للملكة.

'إن كان اللورد تشيرني هو القاتل والمدبر بالفعل، فهل سنتمكن نحن من إيقافه؟'

بيرغادو تشيرني، قائد الحرس الملكي، ليس مجرد جندي عادي. إنه سيد سيف من الطراز الرفيع، وقوته في الرواية كانت تفوق قوة الملكة أليسيا نفسها بمراحل. حقيقة كونه قاتلاً محتملاً كانت صدمة بحد ذاتها، صدمة هزت قناعات لويد. كلا، قبل الصدمة، تملكه الرعب الوجودي متسائلاً إن كان بمقدوره ومقدور خافيير مجابهة وحش مثله أصلاً.

ولهذا السبب عانى لويد طويلاً في تقليب الأمر في ذهنه، متردداً فيما إن كان عليه التحرك لإنقاذ الملكة أم النجاة بجلده.

'فربما ينتهي بنا المطاف مقتولين نحن أنفسنا قبل أن نصل إليها.'

تردد كثيراً، وقضى عدة دقائق مستغرقاً في تفكير عميق ومضنٍ، يوازن بين إنقاذ الملكة أو تجاهل الحادثة برمتها والهرب بعيداً. وازن بموضوعية تامة، كمهندس يحسب الأحمال، بين المكاسب والخسائر لكلا الخيارين. وخلص في النهاية إلى قرار حاسم لا رجعة فيه.

'حتى لو انطوى الأمر على مخاطرة مميتة، فإن إنقاذ الملكة يمثل مكسباً استراتيجياً أكبر بكثير من أي خسارة.'

في الواقع، لم تكن هناك حاجة لتفكير عاطفي. فالمملكة أليسيا في وضعها الحالي تكنّ للويد ثقة مطلقة، بل وتظهر له من الود والرعاية ما يزيد عن الحد المألوف. فكيف إذن لو تعرضت هي اليوم لذات المأساة الواردة في الرواية؟ وإن انتهى بها المطاف بخسارة ذراعها وعجزها؟ أو إذا تحولت في نهاية المطاف إلى طاغية دموية يحركها الحقد والانتقام كما حدث في القصة الأصلية؟

'سأخسر وحدي، وتضيع كل استثماراتي وأموالي هباءً منثوراً.'

ملكة تثق به تماماً وتعزه، ملكة عرضت عليه الأراضي والألقاب والمنح متى شاء. ملكة تحيطه بمثل هذه الرعاية الفائقة والتدليل الذي يسهل عليه كل مشاريعه الهندسية. باختصار، صارت الملكة أليسيا هي أعلى سلطة في هذه البلاد، والداعم الأكبر والوحيد لتحويل أحلامه إلى واقع.

فإن تضرر ذلك الداعم بالسم وفقد ذراعه؟ أو تدهور حاله ليصبح طاغية تسفك الدماء ولا ترى في الناس إلا أدوات؟

'لا أريد حتى تخيل ذلك المستقبل المظلم. ففي عالم الطغاة، أول من يسحق هو المهندس الطموح.'

فقدان الداعم الأعظم لن يكون خسارة مالية فحسب، بل قد يتحول لويد نفسه إلى هدف لانتقام الملكة إذا ما فقدت عقلها، ليجد نفسه متلبساً بجرائم لا ذنب له فيها، ولتتبدد عائلته في مهب الريح، وتصادر أملاكه وألقابه، بل وربما يجد رقبته معلقة بحبل المشنقة في نهاية المطاف بتهمة التقصير أو التواطؤ.

'لذا، يستحيل ألا أنقذها. إنها مسألة بقاء بالنسبة لي.'

حتى لو كان الخصم هو اللورد تشيرني المرعب، فلا بديل عن المواجهة. معتمداً على خافيير، "فارس الدم الحديدي" المستقبلي، الذي يرافقه الآن، وقبل أن يفوت الأوان وتكتب النهاية الحزينة.

طكّ، طكّ، طكّ، طكّ!

قبل أن ينتبه، تحولت خطوات لويد وخافيير إلى ما يشبه العدو السريع في الممرات الخالية. غير أن الأمر بدا مريباً بشكل متزايد؛ فطوال ركضهما عبر الممر الطويل المؤدي للاستراحة، لم يصادفا حارساً واحداً، ولم يلمحا أثراً لخادم أو وصيفة، وكأن القصر قد أخلي من سكانه بفعل فاعل. وظل الحال كذلك حتى بعد تجاوزهما لثلاثة منعطفات وصعود وهبوط الدرج الملكي.

"الأمر مريب للغاية حقاً، الصمت هنا له طعم الموت."

هبط صوت خافيير ببرود حاد كالشفرة، وعيناه تمسحان كل زاوية. فكبح لويد قلقه وسأل بصوت لاهث:

"لكن، هل ستكون بخير في مواجهته؟"

"ماذا تقصد؟"

"أعني، أنت بلا سيفك المعتاد. نحن في حفل، والأسلحة محظورة."

"سيكون الأمر على ما يرام، المحارب لا يعتمد على قطعة حديد بل على روحه."

كا-أانغ!

تزامناً مع إجابته الواثقة، ألوح خافيير بيده اليمنى بحركة خاطفة لم تدركها العين. فهشمت حافة كفه الفولاذية قاعدة الشمعدان البرونزي الثقيل المعلق على جدار الممر. واندفع الشمعدان المكسور يدور في الهواء، عاكساً وميض النيران التي انطفأت فيه.

تا-أاك!

أمسكت يد خافيير بقاعدة الشمعدان ببراعة منقطعة النظير، محولاً إياها إلى سلاح ارتجالي صلب.

"بهذا، سيفي بالغرض تماماً لتهشيم بعض العظام الخائنة."

وانحلت بذلك مشكلة تجرده من السلاح. وفي اللحظة التالية، تجاوز الاثنان آخر منعطف يقود مباشرة إلى باب الاستراحة الملكية. ليصطدما بمنظر مروع جمد الدماء في عروقهما.

كانت أرضية مدخل الاستراحة غارقة في بركة واسعة من الدماء القانية التي لم تجف بعد. ورقضى هناك ستة من خيرة الخدم والحرس الشخصي، وقد فارقوا الحياة بضربات دقيقة وقاتلة لم تترك لهم مجالاً حتى للصراخ. وكان المعنى وراء ذلك واضحاً وضوح الشمس: الخيانة قد بدأت بالفعل، والقاتل في الداخل.

كوا-أانغ!

دون أن يتفقا على من يبدأ، ركل الاثنان باب الاستراحة المزدوج في آن واحد بكل قوتهما. واقتحما المكان من بين شظايا الخشب المتناثرة والغبار.

وفي الداخل، كان المشهد يحبس الأنفاس. كان هناك شخصان فقط؛ اللورد تشيرني الذي يقف ببرود، يضغط بسيفه الطويل إلى أسفل نحو عنق الملكة، والملكة أليسيا التي كانت تجلس على الأرض، تقاوم نصل السيف بيديها العاريتين المغطاتين بالمانا بصعوبة بالغة، ووجهها يقطر عرقاً ودماً.

وما إن عاين خافيير ذلك المشهد الذي يمثل قمة الخيانة، حتى بادر بالتحرك أولاً كالصاعقة.

س-كاك!

حمل الشمعدان الذي بيد خافيير طاقة سيف زرقاء باردة، جرفت الفضاء ومزقته في هجمة أفقية استهدفت معصم تشيرني. تلتها سلسلة مت