الفصل 69: الهارب والمواجه (1)
الفصل 69: الهارب والمواجه (1)
تصاعدت رشاشات المياه بعنف إثر الانفجار.
ومن وسط رذاذ الماء المتطاير، انطلق ظل عملاق بسرعة فائقة.
جسد هائل بلغ طوله تسعين متراً، ووزنه يقارب ألفين وخمسمائة طن؛ وحش بحري مرعب بكل المقاييس.
أطلق التايتان العملاق زئيراً مدوياً وهو يفرد جسده الذي كان منكمشاً، شاقاً المياه المتناثرة ليندفع كشهاب كاسح.
وبضربة مباشرة من رأسه الصلب المدجج بصفائح عاجية وكيتينية، نطح خصر تمثال حورية البحر بعنف.
كواااااااانغ!
كانت نطحة محملة بزخم كتلة هائلة تزن ألفين وخمسمائة طن. أمام صدمة مروعة كهذه، لم يكن لتمثال حورية البحر أي فرصة للصمود.
فرغم ضخامته الظاهرية، لم يتعدَّ طول التمثال تسعة وعشرين متراً. وبالمقارنة مع الحجم الساحق للتايتان العملاق، بدا التمثال كأنه لعبة أطفال هزيلة. انشطر خصر تمثال حورية البحر في لحظة واحدة تحت وطأة تلك القوة غير البشرية.
تشرررخ!
طار النصف العلوي للتمثال المكسور في الهواء كقذيفة منجنيق عملاقة، عابراً مياه البحر المحيطة بميناء كرمو، ليقطع مسافة مذهلة بلغت مئات الأمتار قبل أن يهبط بعنف في قلب ساحة مدينة كرمو الهادئة التي كانت تتأهب لاستقبال المساء.
كواجاجاك! كوااانغ!
كان السقوط المفاجئ أشبه بهبوط نيزك يزن عشرات الأطنان. سحق التمثال أحجار الرصف الفاخرة والنافورة المركزية في طرفة عين، ثم ارتد وتدحرج بعنف مكتسحاً الساحة نحو الأطراف.
في طريقه، سحق خمسة محال تجارية هادئة، من بينها مخبز ومحل زهور ومتجر فواكه، قبل أن يواصل اندفاعه عابراً الشارع الرئيسي ليستقر أخيراً داخل برج الأجراس مستحدثاً دماراً هائلاً.
تعالت صرخات الذعر متأخرة لتملأ الأرجاء:
"آااااه!"
"ما هذا؟! ما الذي يحدث بحق السماء؟!"
"أيها الناس، إلى هنا! هناك مصابون تحت الأنقاض!"
"أنقذوهم! ليساعدنا أحد!"
تمثال ضخم يهبط كالصاعقة من السماء ومبانٍ تتهاوى لتصبح ركاماً. تداخلت صرخات العالقين تحت الأنقاض مع نداءات الاستغاثة ومحاولات الإنقاذ العشوائية. ووسط سحب الغبار الكثيف المتصاعد وشظايا الحجارة المتطايرة، ركض الناس بذهول وذعر في كل اتجاه. لقد كانت كارثة مباغتة بكل المقاييس.
كانت هذه الفاجعة واضحة للعيان حتى من على متن السفينة الشراعية الراسية في عرض البحر.
"يا إلهي... ما هذا الجنون؟! كريستين! تمسكي بيدي جيداً ولا تفلتيها أبداً!"
صاح كونت كرمو، الرجل متوسط العمر، وهو يقبض على يد ابنته بقوة وسط الفوضى العارمة. كانت عيناه متسعتين من شدة الصدمة، والكلمات تخرج من شفتيه المرتجفتين مبعثرة وغير مترابطة.
لم يكن ما يحدث قابلاً للتصديق بالنسبة له. بدا المشهد الماثل أمام عينيه سريالياً وخارجاً عن حدود الواقع تماماً؛ سيناريو لم يمر بخياله قط ويتعارض مع كل الحسابات والمنطق.
'كيف؟ كيف تجرأ هذا الوحش على الاندفاع إلى هنا؟! ولماذا الآن بالذات؟'
طوال السنوات العشر الماضية، اقتصر ظهور التايتان العملاق على مياه الأعالي السحيقة. وحتى عندما كان يهاجم، كان يستهدف السفن العابرة في عرض البحر، ولم يجرؤ قط على الاقتراب من الساحل أو شن غارة مباشرة على المدينة.
'هل يعقل... أن يكون السبب هو تمثال حورية البحر؟'
التفتت أنظار الكونت المشدوهة نحو الموضع الذي كان ينتصب فيه التمثال قبل قليل. لم يعد هناك أثر للشموخ؛ فقط نصف سفلي مكسور ومشوّه يثير الشفقة. اعتصر الألم ملامح الكونت وهو يفكر: 'لقد شيدته على أمل أن يثير في نفس التايتان العملاق الرهبة ويجعله يغير إقليمه ويبتعد عن شواطئنا...'
لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، وانعكس السحر على الساحر. فبدلاً من أن يهرب الوحش، اعتبر التمثال تحدياً مباشراً لسيادته وقرر سحقه. تملكت الكونت خيبة أمل مريرة، وراوده سؤال حارق: 'هل ارتكبتُ خطأً فادحاً؟'
بدأت قطع الأحجية تترابط بسرعة في ذهنه المشوش.
'أجل، تمثال حورية البحر هو المحفز بلا شك! ولهذا السبب شذ سلوك التايتان العملاق عن المألوف هذه المرة، ولهذا فشلت أبراج المراقبة الساحلية في رصده مبكراً.'
فعادةً، كان الوحش يعلن عن وجوده بزئير يماثل رنين الأجراس الضخمة في مياه الأعالي قبل وقت طويل من اقترابه. وبفضل هذا الإعلان الصاخب عن سيادته على المنطقة، كان من السهل على كشافينا رصده وتنبيه المدينة. كان هذا هو النمط الثابت طوال عقد كامل، وعلى أساسه تم تدريب حرس السواحل.
غير أن الأمور اختلفت كلياً اليوم. لقد تسلل غوصاً بمحاذاة قاع البحر، متخفياً تحت الأعماق بجرأة غير مسبوقة. لم يكن هدفه استعراض القوة أو إعلان النفوذ هذه المرة. لم يكن مجرد استعراض، بل كان هجوماً صريحاً. ولم يكن تحذيراً للمتسللين، بل عقاباً حاسماً وتدميراً لخصمه المفترض.
'لكن الغريب... أن أولئك الشابين تنبأوا بكل هذا!'
نقل الكونت نظراته المذهولة نحو الطرف الآخر من سطح السفينة، حيث يقف لويد وخافيير.
'وخاصة ذلك الفارس المرافق ذو الشعر الفضي. ألم يحذرنا من أنه شعر بذبذبات اقتراب التايتان العملاق تحت الماء؟'
الذبذبات التي عجز فارسه الشخصي، السير دينوف، عن التقاطها تماماً، تمكن الفارس الشاب من كشفها بوضوح. كان الفارق في المهارة جلياً كالشمس.
"الوضع حرج للغاية يا مولاي! تمسك بي جيداً!"
امتدت قبضة قوية لتمسك بمعصم الكونت بإحكام، وسحبته بقوة منقذةً إياه وابنته من السقوط وسط تمايل السفينة الشديد بفعل الأمواج العاتية.
"أنا نادم بشدة، يا مولاي..."
تمتم السير دينوف بنبرة مخنوقة كأنه على وشك البكاء وهو ينظر بيأس.
رسم الكونت ابتسامة باهتة على وجهه المرهق وقال برفق:
"لا تلم نفسك يا دينوف."
"ولكن يا مولاي، أنا..."
"أعلم أنك بذلت كل ما في وسعك. لكن جهدك وحده لم يكن كافياً لسد الفجوة الشاسعة بينك وبين ذلك الفارس ذي الشعر الفضي. الحقيقة هي أنه لم يتوقع أحد في هذه المدينة بأكملها اقتراب التايتان العملاق، وحتى أنا لم أحسب لهذا حساباً. فكيف لي أن ألومك أنت وحدك؟"
"مولاي..."
"لا ذنب لك في هذا مطلقاً. وإن كان هناك من يستحق اللوم، فهو أنا."
انخفض صوت الكونت بنبرة كئيبة مثقلة بالذنب.
ولكن فجأة، اخترق صمت كآبتهما صوت رنان وساخر بعض الشيء.
"يا حضرة الكونت! من الرائع جداً أن نرى هذه اللحظة الدافئة من الثقة المتبادلة بين السيد وفارسه، ولكن هل يتسع وقتكما الثمين للاستماع إلي لثانية واحدة؟"
كان هذا صوت لويد، الذي كان يصيح ممسكاً بالحاجز الخشبي في الجانب الآخر من السفينة المتأرجحة.
"هناك العشرات من مواطنيك يغرقون في الماء الآن! استدعِ القبطان فوراً!"
أشار لويد بيده نحو البحر الهائج، حيث كانت الفوضى قد بلغت ذروتها. خمس سفن شراعية عجزت عن مغادرة محيط التمثال في الوقت المناسب قد تضررت بشدة وتحطمت أجزاء منها، مما أدى إلى سقوط أعداد هائلة من الركاب والبحارة في المياه المضطربة. وما زاد الطين بلة هو الهيجان العنيف للبحر بفعل تحركات التايتان العملاق.
فتحرکات وحش بطول تسعين متراً كانت كافية لتحويل المساحة البحرية المحيطة إلى دوامة جحيمية عاتية. تداخلت صرخات المستغيثين في الماء مع قطع الخشب والحطام الطافي في مشهد فوضوي مرعب.
تابع لويد صياحه الحازم:
"إنقاذ هؤلاء الناس هو الأولوية القصوى حالياً! أرجوك يا كونت، تولّ قيادة هذه السفينة وابدأ بانتشال أكبر عدد ممكن من الغرقى! أما أنا، فسأتجه مباشرة نحو المدينة!"
"المدينة؟! ما الذي ستفعله هناك؟"
سأل الكونت بذهول.
"يبدو أن ميناء كرمو يستعد لاستضافة زائر ثقيل الوزن والحجم!"
وجه لويد إشارته نحو البحر مجدداً. كان التايتان العملاق قد رفع رأسه الضخم فوق الأمواج الثائرة، شاخصاً ببصره بتركيز مريب نحو اتجاه محدد في اليابسة.
كان ينظر إلى نقطة بعيدة جداً... إلى الساحة حيث استقر النصف العلوي المحطم لتمثال حورية البحر بجوار برج الأجراس.
"هذا الوحش اللعين لا يزال يعتقد أن تمثال حورية البحر لم يُقضَ عليه بالكامل بعد!"
صرخ لويد.
"أتقصد... أنه سيزحف إلى قلب المدينة ليدمر ما تبقى منه؟!"
"بالتأكيد!"
وما كاد لويد ينهي جملته حتى بدأ التايتان العملاق بالتحرك وكأنه يؤكد استنتاجه. أخفض الوحش رأسه وشق المياه بجسده الضخم، منطلقاً في سباحة سريعة ومباشرة نحو شواطئ المدينة.
"إذا وطئت أقدام هذا المسخ أرض المدينة، فستحل كارثة تفوق كل التصورات!"
صاح الكونت بهلع، "ماذا تنوي أن تفعل إذن؟!"
"سأذهب لأتولى الأمر بنفسي!"
"ماذا تقول؟!"
شك الكونت في سلامة قواه العقلية؛ هل ينوي هذا الفتى حقاً الذهاب لمواجهته بمفرده؟ أم أنه يخطط للسباحة خلفه مثلاً؟
لكن لويد لم يمنحه ترف الإجابة.
فالوقت الآن أثمن من أن يُهدر في الجدال. تبادل لويد نظرة سريعة وحاسمة مع الفارس ذي الشعر الفضي خافيير، ثم ركضا معاً بسرعة فائقة نحو مؤخرة السفينة، حيث ألقى لويد عدة كرات في الهواء.
وفي غضون ثوانٍ، تجسدت ثلاثة كائنات استدعاء ضخمة في الفضاء!
"بودونغ!"
"بانغولي!"
"هامانغي!"
طوااانغ! تشوب!
غاص بودونغ وبانغولي بجسديهما الضخمين في المياه الهائجة، وتبعهما هامانغي فوراً. دون تردد، قفز لويد وخافيير خلفهم مستغلين الزخم، ليمتطيا ظهر بانغولي الرطب بسرعة فائقة.
"حسناً يا رفاق! قبل أن ننطلق إلى المدينة، فلنننقذ أكبر عدد ممكن من الغرقى من حولنا!"
استجابت المخلوقات الثلاثة بأصوات حماسية متداخلة:
"بوو!"
"بانغ!"
"هاا!"
تحرك بانغولي - الذي يحمل لويد وخافيير على ظهره - ومعه بودونغ وهامانغي بمرونة مذهلة في الماء. وخلال دقائق معدودة، انتشلو الأطفال والعجائز وكل من كان في وضع حرج من محيط السفن المحطمة. بعد الاطمئنان عليهم، قام لويد بتقليص حجم بودونغ وهامانغي بسرعة ليخبئهما داخل ملابسه، استعداداً للاندفاع نحو قلب الخطر.
"جاهز يا بانغولي؟"
"بانغ-؟"
"انطلق!"
صفع لويد خاصرة الثعبان العملاق بخفة.
جلوجلو، رنرن!
هز بانغولي ذيله الجرسية بقوة مطلقةً رنيناً تداخل مع فقاعات مياه البحر. وفجأة، هز انفجار مدوٍّ مؤخرة الكائن المستدعى.
كوااانغ!
تفعّلت مهارة "الانفجار البركاني" بأقصى طاقتها! تسببت قوة الغازات المنبعثة بعنف في دفع جسد بانغولي المنزلق فوق سطح الماء بسرعة مرعبة. ومثل صاروخ موجه أو قارب سريع فائق القوة، شق الثعبان صفحة المياه مندفعاً كالسهم الخارق نحو الميناء.
تشااااسك!
في لمح البصر، اختفى لويد وخافيير الممتطيان ظهر بانغولي بعيداً عن الأنظار.
عندئذٍ فقط، أفاق الكونت من صدمته واستعاد رباطة جأشه، فصاح بأعلى صوته:
"أحضروا الحبال فوراً! أيها القبطان، حرك جميع البحارة بلا استثناء! أسرعوا!"
لم يكن الوقت مناسباً للذهول أو البكاء على الأطلال؛ بل هو وقت العمل لإنقاذ كل نفس ممكنة. تخلص الكونت من معطفه الفاخر الثقيل الذي يعيق حركته، وبدأ يوجه القبطان والبحارة بصرخات بحّت لها حنجرته.
كانت تلك مجرد البداية لليلة كارثية طويلة وشاقة.
♣
كواانغ! بوينغ! كوااانغ!
حلّ الليل سريعاً ليلف الأرجاء بظلامه الدامس بعد الشفق الزائل. ولكن كأنما لإبعاد هذا السواد المخيم، انطلقت رشقات نارية مدوية صاخبة من فوهات المدافع الساحلية مطلقة ألسنة اللهب الساطعة.
كوااانغ!
كانت القذائف الفولاذية، ذات العيار البالغ أربعة عشر سنتيمتراً والوزن الذي يقارب تسعة كيلوغرامات، تنطلق بسرعة مئتين وثمانية أمتار في الثانية. اخترقت تلك الكتل المعدنية كبد السماء المظلمة لتصيب هدفها بدقة متناهية.
بيكرك!
تفرغت طاقة حركية هائلة تقارب ستمائة كيلوجول في لحظة الاصطدام المباشر بجسد الوحش. اهتز الهدف الضخم جراء الضربة، ولكن ليس بداعي الألم... بل لأنه شعر بدغدغة خفيفة لا أكثر!
غلووولوووك!
هز التايتان العملاق رأسه بتململ بعد أن تلقت جبهته قذيفة مباشرة من مدفع كولفرين الثقيل. لم يكن الجرح سوى حكة بسيطة تداعب جلده السميك. لكن الرشقات لم تتوقف.
شواااك! شواااك! باباك! باك!
من على طول الخط الساحلي، كانت المدافع الثقيلة المثبتة في مخافر الدفاع الساحلي تواصل زئيرها بلا انقطاع، مطلقةً قذائفها الداكنة لتنهال كالمطر على جسد التايتان العملاق. وبالطبع، ذهبت كل تلك الجهود سدى؛ فلم تتمكن هذه القذائف التي تُوصف بـ "المدمرة" من إحداث أدنى اختراق لجلده العاجي الكيتيني الصلد، بل عجزت حتى عن ترك خدش طفيف عليه.
أطلق التايتان العملاق زئيراً مهدداً:
"غلووولوووك!"
واقترب أكثر من الشاطئ واضعاً حداً لرحلته البحرية. انشقت الأمواج العاتية وتراجعت مع صعود جسده الهائل إلى اليابسة. وطأت أرجله المتعددة الشبيهة بأطراف أم أربعة وأربعين الصخور الساحلية الصلبة، ساحقةً مخفر المراقبة القريب كأنه هيكل من ورق.
"آااااه!"
"تراجعوا! اهربوا بجلودكم!"
تعالت صيحات الجنود المذعورين المكلفين بحراسة المخفر الساحلي رقم ثلاثة وعشرين في كرمو. ركض الجميع في تخبط عشوائي لتفادي الأنقاض المتساقطة من المبنى المنهار، بينما صرخ قائدهم متوسط العمر وهو يدفعهم إلى الخارج بكل ما أوتي من قوة:
"تراجعوا فوراً! اخرجوا من هنا جميعاً!"
غير أنه، وخلافاً لأوامره الصارمة لجنوده، لم يهرب معهم. بعد أن اطمأن إلى خروج آخر جندي، بقي وحيداً تحت السقف المتهاوي، ونظر إلى الأعلى نحو المسخ الذي يحجب السماء بضخامته.
'واجبي هو حماية هذا الثغر الساحلي حتى الرمق الأخير. أتعتقد حقاً أنك ستعبر بهذه السهولة؟! هيهات!'
كان قائد المخفر يمسك بشعلة متقدة في يده، وبجواره كانت براميل البارود تتدحرج وتتساقط بكثرة نتيجة الانهيار. دون تردد، ألقى الشعلة مباشرة نحو كومة البارود، ثم التفت هرباً بكامل قوته إلى الخارج متأكداً من خلو المكان تماماً من رجاله. وبينما كان يركض مبتعداً، التهمت ألسنة النيران البارود الجاف.
توكواهاك!
انفجر المخفر الساحلي رقم ثلاثة وعشرين بدوي زلزل الأرض. تفتتت المدافع والقذائف والآجر الحجري للجدران إلى شظايا لا حصر لها، اندفعت كعاصفة من شفرات معدنية وحجرية لتصطدم بالجزء السفلي من جسد التايتان العملاق.
"هاهاها! ذق هذا أيها المسخ اللعين!"
صرخ قائد المخفر الذي قذفته قوة الانفجار بعيداً لينجو بأعجوبة، ملوحاً بقبضته نحو الوحش بانتصار زائف.
'تفجير مخزن بارود كامل تحت قدميه مباشرة... هذا سيلقنه درساً قاسياً بلا شك!'
لقد كان تفجيراً هائلاً ومباشراً؛ فكامل مخزون البارود الحربي قد تفرغ تحت أقدام الوحش مباشرة. ولا يمكن لأي كائن حي، مهما بلغت قوته، أن يخرج من جحيم كهذا سليماً معافى.
'هذا الهجوم يفوق في قوته وتأثيره مجرد قذائف مدفعية طائشة بكثير!'
لا بد أن النيران قد أكلت درعه الخارجي، ولا بد أن شظايا الصخور والمعادن قد مزقت لحمه تحت تلك القشرة. لن يقوى هذا الوحش على الحراك الآن...
غلوووك؟
أمال التايتان العملاق رأسه ناظراً إلى الأسفل بفضول غريب. ثم نفض ساقه التاسعة بخفة؛ فانطفأت بضع شعلات ملتصقة بأطراف أصابعه... وكان هذا كل ما حدث!
واصل الوحش المضي قدماً بخطوات ثابتة وثقيلة، وكأن الانفجار الهائل لم يكن سوى نسيم عابر، وكأن جسده الخارق لم يصب بأدنى أذى.
'ماذا... كيف يعقل هذا؟! كيف؟!' اهتزت ثقة قائد المخفر رقم ثلاثة وعشرين، وتجمد الدم في عروقه من شدة الذهول واليأس.
وقف القائد مشدوهاً والجسد الخرافي للتايتان العملاق يتقدم بثبات نحو الأمام. كان الأمر أشبه بكابوس سريالي مرعب، لكنه الواقع الصادم بعينه. كانت عينا الوحش الهائلتين شاخصتين نحو مدينة كرمو التجارية المزدحمة، وخطواته المزلزِلة تتجه مباشرة نحو تمثال حورية البحر المستقر عند برج الساحة... حيث ينتظر آلاف المواطنين الأبرياء، ومن بينهم عائلته، مصيراً أسود دون أي حماية.
'يا لجنوني الشديد!'
كاديك!
أطبق القائد على أسنانه بقوة حتى كادت تتهشم. عائلته هناك في قلب تلك المدينة؛ زوجته الحبيبة الحامل بطفلهما البكر بعد انتظار دام عشر سنوات كاملة. وهذا المسخ يقترب من تدمير كل شيء.
'يجب أن أوقفه، حتى لو كان الثمن حياتي!'
برقت شعلة من الإصرار الانتحاري في عيني القائد الساحلي. انحنى، والتقط حجراً حاداً من الأرض، ثم انطلق راكضاً بأقصى سرعته نحو الوحش العملاق قبل أن يقذفه بكل قوته صارخاً بملء حنجرته:
"أيها المسخ السافل! قف مكانك فوراً!"
لم يكن يكترث إن كان الحجر عاجزاً عن بلوغ جسد الوحش الشاهق، ولا إن كان تأثيره صفراً. وحتى لو عنى هذا حتفه المحتوم هنا؛ فكل ما كان يرجوه هو لفت انتباه الوحش وتأخيره ولو لبضع ثوانٍ معدودة. ثوانٍ قد تمنح زوجته الحامل فرصة للهرب والنجاة.
"توقف! قف مكانك، أقول لك توقف!"
واصل الصراخ ملقياً حجراً تلو الآخر بيأس عارم. ولعل تلك الروح المستميتة حركت الأقدار بطريقة ما؛ إذ توقفت خطوات التايتان العملاق فجأة وكأنما أصابه شلل مؤقت!
غلوووك؟
"ها... هاها..."
التقت عينا القائد الضئيل بعيني الوحش الهائلتين. ابتسم القائد بمرارة ويأس بينما ارتفعت إحدى أقدام التايتان العملاق لتنهال عليه كالجبل لتسحقه.
ارتسمت تشنجات الموت على وجه القائد؛ لقد دنت نهايته إذن. قبض على حجره الأخير بقوة ونظر بشموخ وثبات إلى القدم الشاهقة التي تكاد تطمس رؤيته.
ولكن في تلك اللحظة الحاسمة بالذات...
"هامانغ!"
طووووااانغ!
من حيث لم يحتسب أحد، اندفع بالون مائي ضخم بطول ستين متراً، بل لنقل فرس نهر عملاق هائل الحجم مشبع بالماء، ليسدد ضربة نطح كاسحة مباشرة إلى خاصرة التايتان العملاق!