المهندس الأعظم - الفصل 64: أشغال مستحيلة ومواد سحرية (2)

الفصل 64: أشغال مستحيلة ومواد سحرية (2)

مركب أساسي يستخدم في تشييد المباني.

مادة جوهرية لا غنى عنها في عالم الهندسة والتشييد.

"أصل الكلمة يعود إلى اللاتينية «السمنتوم»، وتعني الحجارة المحطمة إلى قطع صغيرة."

"اللاتينية...؟"

"آه، هناك لغة كهذه إذن."

"هل هي لغة قديمة؟"

"بالظبط."

أومأ لويد برأسه، ثم نظر إلى خافيير الذي كان يجدف بالقارب بنشاط، وابتسم بابتسامة خفيفة.

"على أي حال، سأحاول الآن صنع هذا الأسمنت. فمن دون هذه المادة، لن نتمكن من إنجاز أي شيء في هذا المشروع الكبير."

"إذن، لن نحتاج إلى الاستعانة بالقوى السحرية، أليس كذلك؟"

"بالطبع! هل يعقل أن ينتهي بي المطاف مفلسا لمجرد أنني قمت بمشروع بناء واحد؟"

علق لويد بنبرة جافة وساخرة. وكانت كلماته في الصميم تماما.

فالسحرة مخلوقات نادرة الوجود، وتكلفة استئجارهم باهظة للغاية. فما بالك بساحر يملك القوة الكافية لإحداث تأثيرات فيزيائية ضخمة تخدم مشاريع البناء والتشييد؟

'ستكون أسعارهم فلكية! حتى لو أنفقت ميزانية الإقليم بأكمله فلن تكفي لاستدعاء أحدهم. من يملك هذه القوة هو بالتأكيد الساحر الأول في البلاط الملكي.'

لذا، فإن فكرة الاستعانة بساحر لأعمال البناء كانت ضربا من الجنون، بل إن لويد لم يضع هذا الخيار في حسبانه قط من الأساس.

وتابع لويد حديثه قائلا:

"أنا لا أحتاج إلى السحر مطلقا. فخلال مسحي الميداني السابق، تأكدت من أن طريقة البناء التي خططت لها تتناسب تماما مع طبيعة هذا الموقع."

"تقصد تلك الأوتاد الاحتكاكية؟"

"بالظبط."

وأومأ لويد برأسه مؤكدا.

وكما قال، كان نظام الأوتاد الاحتكاكية هو الحل المثالي هنا، نظرا لأن الصخور الصلبة في قاع البحر تقع في أعماق سحيقة يصعب الوصول إليها بطرق البناء التقليدية.

"الأمر شبيه جدا بتلك المباني الشاهقة على ضفاف القناة الكبرى في البندقية."

تذكر لويد فجأة أساسات المباني في البندقية، وهي معلومة هندسية مرت عليه أثناء دراسته الجامعية.

فالبندقية مدينة عائمة فوق الماء، وظروف تربتها تطابق تماما طبيعة الأرض هنا؛ قاع بحر مغطى بطبقة طينية رخوة وسميكة، بينما تقبع الصخور الصلبة في أعماق سحيقة لا يمكن للأساسات العادية أن تبلغها.

وفي مواجهة هذه المعضلة، تجلت حكمة سكان البندقية القدامى: لقد غرسوا آلاف الأوتاد الخشبية الطويلة في قاع البحر الموحل، وبمجرد أن استقرت وتماسكت بفعل الاحتكاك، شيدوا فوقها أساسات مبانيهم الشاهقة.

والمدهش أن تلك الأوتاد لا تزال تدعم هذه المباني بكفاءة تامة حتى بعد مرور قرون طويلة. هذا هو جوهر تقنية الأوتاد الاحتكاكية التقليدية.

"وبالطبع، استمر تطوير هذا المبدأ الهندسي حتى العصر الحديث دون أن يتغير جوهره؛ كل ما في الأمر أن الأعمدة الخشبية استبدلت بأعمدة خرسانية ضخمة أو ركائز فولاذية على شكل حرف H."

لقد خطط لويد لدمج هذا الأسلوب التقليدي مع تقنية حديثة أخرى، حيث أردف قائلا:

"سأدمج نظام الأوتاد الاحتكاكية مع تقنية الصندوق المائي. فعمق المياه هنا أكبر مما هو عليه في البندقية، وطبقة الطين سميكة ولينة للغاية، مما يسهل غمر الصندوق المائي تحت تأثير ثقله الذاتي."

"..."

"لم تفهم حرفا مما قلته، أليس كذلك؟"

"بالضبط."

"حسنا، باختصار، لكي أنجح في تطبيق تقنية الصندوق المائي، علي أولا أن أصنع الأسمنت. هيا بنا."

في هذه الأثناء، كان القارب قد رسا بالفعل عند الرصيف البحري، فترجل كلاهما. غير أن مفاجأة غير متوقعة كانت بانتظارهما هناك.

"لقد عدتما أخيرا؟"

انطلق الصوت رقيقا وناعما، مصحوبا بابتسامة دافئة مفعمة بالبهجة ووجه متورد من الخجل. كانت هناك شابة فاتنة الجمال تقف عند طرف الرصيف، تلوح بيدها إليهما بلطف وحياء.

"هآه؟"

أمال لويد رأسه بتعجب. لم يكن يعرف هذه المرأة قط، بل كانت غريبة تماما بالنسبة إليه. لكن ثيابها لفتت انتباهه بشدة؛ إذ كانت ترتدي فستانا في غاية الفخامة والأناقة، وهو رداء لا يتناسب أبدا مع أجواء هذا الرصيف البحري الكئيب والمليء بالبسطاء.

ولم تكن ثيابها الأنيقة هي الشيء الوحيد المثير للريبة، بل الحاشية المحيطة بها أيضا؛ إذ كان يرافقها خمسة فرسان بدروع فضية لامعة لحمايتها.

"عذرا، من السيدة؟"

سأل لويد بحذر، إذ كان واضحا أنها ليست من عامة الشعب. لكنه لم يتلق أي إجابة منها، لأن نظراتها الحانية وابتسامتها العذبة كانت موجهة بالكامل نحو خافيير، متجاهلة إياه تماما!

"لقد شعرت بالتوتر وأنا أنتظرك طوال هذا الوقت، يا لورد أستران."

"أنا؟"

"نعم، وأرجوك... تقبل هذا مني!"

انحنت الشابة برأسها وقد غمرت الحمرة وجنتيها، وهي تمد يديها المرتجفتين نحو خافيير حاملة شيئا ما:

"هذا... يحمل مشاعري الصادقة!"

"..."

رأى لويد المشهد بوضوح تام؛ كانت الرسالة مغلفة بظرف وردي أنيق، وكُتب عليها بخط يدوي غاية في الرقة والجمال اسم «

كريستين كرمو
».

'لحظة واحدة. كريستين كرمو؟ أليست هذه الابنة الوحيدة للكونت كرمو؟! هل أتت هذه السيدة النبيلة بنفسها إلى هنا لتسلم خافيير رسالة غرامية؟'

شعر لويد بصدمة تامة وذهول شديد.

وفي المقابل، كان رد فعل خافيير هادئا كالعادة:

"أشكركِ يا سيدتي."

استلم الرسالة بوقار، ثم وضعها في جيبه بحركة رشيقة ومألوفة للغاية، وكأن هذا الموقف يتكرر معه يوميا عشرات المرات. زادت هذه اللمسة الهادئة من خجل ابنة الكونت التي احمرت كحبة طماطم ناضجة، فلم تحتمل البقاء أكثر، واستدارت لتهرب بخطوات متسارعة، بينما لحق بها حراسها الفرسان وهم في حالة من الذهول التام.

وهكذا، بقي لويد وخافيير بمفردهما على الرصيف بينما هبت نسمة بحرية باردة.

تنهد لويد وكسر الصمت قائلا بنبرة متعبة:

"يا إلهي... ما الذي حدث للتو بحق السماء؟"

"يبدو أنني تلقيت رسالة اعتراف."

"أعلم ذلك جيدا! سؤالي هو: لماذا تتلقى رسائل حب هكذا دون سابق إنذار؟"

"ربما بسبب ما حدث عندما كنا نغادر قصر الكونت بالأمس."

"بالأمس؟ عندما كنا نغادر؟"

"نعم."

"وماذا حدث بحق الجحيم بالأمس؟"

أمال لويد رأسه مستنكراً. لم يحدث شيء مميز بالأمس على الإطلاق؛ كل ما في الأمر أنه التقى بالكونت، وعرض عليه خطة البناء العبقرية، وحسم عقد المشروع لصالحه، ثم استلم التحف القديمة من المدير العام كدفعة أولى وقام بتقييمها وبيعها ليحصل على ثروة من العملات الذهبية. هذا كل ما يتذكره لويد من أحداث الأمس.

لكن رواية خافيير للأحداث كانت تختلف قليلا:

"عندما كنا نغادر القصر بعد أن استلمت العملات الذهبية من المدير العام..."

"ماذا حدث؟ تفضل بالحديث!"

"كانت تلك السيدة تمشي في الحديقة، وتصادف أن التفتت نحونا. وفي تلك اللحظة، تلاقت أعيننا لثانية واحدة."

"وماذا بعد ذلك؟"

"هذا كل شيء."

"... انتظر لحظة! مجرد تلاقي أعين لثانية واحدة فقط؟! هذا كل ما حدث، واليوم تأتي ابنة الكونت بنفسها بوجه متورد لتمنحك رسالة حب، وترى أنت أن هذا طبيعي تماما؟"

"نعم."

"ولماذا تراه طبيعيا بحق الخالق؟!"

"لماذا؟"

التفت خافيير إليه وأمال رأسه ببرود شديد، وكأنه يتعجب من دهشة لويد المبالغ فيها تجاه أمر بديهي لا يحتاج إلى نقاش.

وكانت إجابته التالية قاتلة:

"لأن عينيها التقتا بعيني."

"..."

"ألم يحدث شيء مشابه لك من قبل، يا لورد لويد؟"

"تبا..."

"دعني أرى، كم عدد رسائل الاعتراف التي تلقيتها حتى الآن..."

"توقف عن العد فورا!"

"أربعون... ستون... مئة... مئة وخمسون... همم..."

"لقد أخبرتك أن تتوقف عن العد!"

"إذا احتسبنا الرسالة التي تلقيتها للتو، فسيكون المجموع الكلي خمسمئة وسبعا وثلاثين رسالة."

"..."

'لهذا السبب بالذات أمقت الوسماء تبا لهم! يا له من مستفز حقيقي.' تذمر لويد في نفسه غيظا، ثم زفر الهواء من أنفه بحدة وضيق.

"حسنا، دعنا نعد إلى موضوعنا الأساسي."

"أي موضوع؟"

"الأسمنت."

قال لويد وهو يستدير متوجها نحو الفندق:

"سأعود إلى النزل الآن. اذهب أنت إلى المدير العام في قصر الكونت."

"وماذا علي أن أفعل هناك؟"

"اطلب منه إرسال عشرة كيلوغرامات من الجير البوزولاني، وعشرة كيلوغرامات من الرمل، وعشرة كيلوغرامات من التوف البركاني إلى النزل. وأيضا، لا تنس أن تطلب منه ترشيح مطبخ أو مطعم مناسب يمكننا استئجاره بالكامل."

"مفهوم. هل هذا كل شيء؟"

"لا، هناك أمر إضافي."

"ما هو؟"

"أثناء سيرك في الطريق، غط وجهك بالكامل، وأغمض عينيك، وسر هكذا."

"ماذا؟"

"لا تسر في الأنحاء لتفتن الفتيات البريئات بوجهك هذا، أيها الوغد!"

"هل أنت غاضب مني؟"

"ماذا؟!"

"أقول هذا لأنني أشعر بنبرة غضب مكتومة في كلماتك منذ قليل."

"هاهاها! يا لك من واهم! مستحيل أن أغضب من تفاهة كهذه!"

هز لويد كتفيه ببرود مصطنع.

"أكثر ما أهجنه هو أولئك الرجال الذين يضايقون النساء في الطرقات العامة، أليس كذلك؟"

"يضايقون النساء؟"

"نعم، هذا ما يحدث تماما! في أيام الجامعة، حاول أحدهم التقرب من فتاة ليسألها عن الاتجاهات، فما كان منها إلا أن صرخت بوجهه بأعلى صوتها:

"لدي حبيب!"

ثم فرت هاربة كأن وحشا يطاردها. هل تتخيل مدى الإحراج الذي شعر به ذلك المسكين؟! لقد كان موقفا مضحكا للغاية لأي مشاهد، لكنني في الحقيقة... أعني، لو كنت مكان ذلك الرجل، لما استطعت النوم ليلتها من شدة القهر، ولبقيت أركل اللحاف غيظا... اللعنة..."

"... يبدو أن هذه كانت تجربتك الشخصية يا لورد لويد."

"احم، طالما أنك أدركت ذلك، فاغرب عن وجهي بسرعة!"

"أتمنى لك حظا موفقا."

"اصمت واذهب!"

"... سأعود سريعا."

وبذلك، أرسل لويد خافيير إلى قصر الكونت. ومع حلول المساء، وصلت المواد التي طلبها إلى النزل، ولكن باستثناء المادة الأكثر أهمية: الرماد البركاني؛ إذ أرفقت مع الشحنة رسالة اعتذار تفيد بصعوبة العثور عليه وتوفيره في الوقت الحالي.

تنهد لويد بخيبة أمل ومرارة شديدة.

فالرماد البركاني كان المكون السحري المفقود.

'لو توفر لدي الرماد البركاني، لتمكنت بسهولة من صنع أسمنت روماني أو يوناني عالي الجودة.'

كان الأمر محبطا للغاية. وليس فقط لولعه الشديد بالهندسة المدنية الرومانية القديمة، بل لأن الأسمنت الروماني يملك ميزة خارقة تتفوق على أي بديل:

'سيكون أقوى وأصلب مادة رابطة يمكنني إنتاجها في ظل الإمكانيات الحالية.'

ففي الواقع، يمتد تاريخ صناعة الأسمنت إلى أعماق سحيقة تصل إلى نحو خمسة آلاف عام. فمنذ اللحظة التي وضع فيها أول ملك حجر الأساس لمملكته، كان الفراعنة في مصر القديمة يستخدمون خليطا أسمنتيا بدائيا لبناء الأهرامات الشاهقة. ومع ذلك، يظل الأسمنت الروماني واليوناني القديم هو الأقوى والأكثر صمودا على مر العصور.

'لقد خلطوا الحجر الجيري والرمل مع الرماد البركاني، وعجنوا المزيج بماء البحر.'

وكان الأسمنت الناتج عن هذه التركيبة قويا لدرجة لا تصدق! لدرجة أن المرافئ والسدود البحرية التي شُيدت به قبل ألفي عام لا تزال صامدة في وجه الأمواج العاتية حتى يومنا هذا دون أن تتفتت. والسر كله يكمن في الرماد البركاني وتفاعله الفريد.

'لأن صخور التوف البركانية تحتوي على مواد بوزولانية نشطة، تتفاعل كيميائيا لتربط الحبيبات والملاط في بنية معدنية متراصة تمنع انتشار التصدعات والشقوق.'

لذا، كان لويد يصر على استخدام هذا الأسمنت الروماني الأسطوري في مشروعه الحالي، ولهذا السبب طلب الرماد البركاني تحديدا. لكن غيابه الآن كان عقبة حقيقية.

'هذا طبيعي بالطبع، فلا توجد براكين نشطة قريبة من هنا، ولم يفكر أحد من قبل في جمع هذا الرماد وتخزينه. إذن، هل علي صنع أسمنت بورتلاند الحديث؟ لكن عمليته تبدو أكثر تعقيدا بكثير.'

فأسمنت بورتلاند، الذي يمثل حجر الأساس لصناعة التشييد الحديثة، كان لويد يحفظ طريقة تحضيره عن ظهر قلب:

'يجب طحن الحجر الجيري، والطين، والسيليكا، وأكسيد الحديد معا بنسب دقيقة، ثم تجفيف الخليط وحرقه في أفران حرارية عالية، ثم تبريده وطحنه مجددا مع إضافة نسبة محددة من الجبس.'

كان يعرف الخطوات العامة جيدا، لكن تطبيقها عمليا سيتطلب بلا شك خوض سلسلة لا تنتهي من التجارب والأخطاء الفادحة قبل الوصول للتركيبة المثالية.

ومنذ تلك اللحظة، كرس لويد كل وقته وجهده لصناعة الأسمنت لعدة أيام متواصلة. كان يطحن المواد التي وفرها له الكونت، ويخلطها بحذر، ثم يخبزها في مطبخ المطعم المستأجر، ويتركها لتجف في مواجهة نسمات البحر الباردة، ليعيد طحنها وعجنها بالماء مجددا. ومع ذلك، لم تكن النتائج مرضية أبدا.

'اللعنة، هذا لا يعمل! إنه يتشقق وينهار في كل مرة.'

هل كانت نسب المكونات غير دقيقة؟ أم أن العيب يكمن في درجات حرارة الحرق والتبريد؟ فالمزيج الذي كان يبدو متماسكا في البداية، سرعان ما يفقد قوته وتظهر فيه تصدعات وشقوق قاتلة بمجرد أن يجف تماما.

'لا يمكنني المخاطرة باستخدام مادة كهذه في أساسات البناء.'

مرت عشرة أيام، ثم خمسة عشر يوما، ومع مرور الوقت بدأ القلق يتسلل إلى قلب لويد ويقض مضجعه.

'لو كان لدي الرماد البركاني فقط، لما اضطررت لخوض هذا العذاب كله.'

فلو توفر الرماد البركاني، لكان كل ما عليه فعله هو ضبط نسب خلطه مع الحجر الجيري والرمل لتصنيع أسمنت ممتاز وقوي في وقت قياسي وبأقل مجهود. كان هذا الشعور بالعجز يثير حنقه بشدة.

وفي النهاية، فكر جديا في السفر بنفسه للبحث عن مصدر للرماد البركاني.

'ولكن... تبا، هذا غير عملي بالمرة. لا توجد أي مكامن بركانية معروفة قريبا، وتكلفة النقل ستكون فلكية، فضلا عن الوقت الثمين الذي سنخسره في الطريق.'

كان الأمر مستحيلا من الناحية اللوجستية والمالية.

'ليس أمامي سوى المضي قدما في هذه التجارب ومواصلة الضغط بكل قوتي.'

سيحاول مرة تلو الأخرى دون كلل أو ملل حتى ينجح، فلن يثنيه شيء عن تحقيق هدفه. هكذا عاهد لويد نفسه، فراح يقلص ساعات نومه إلى الحد الأدنى ليكرس كل دقيقة للتجارب المعملية الشاقة. ومع ذلك، ظلت النتائج مخيبة للآمال، حتى احمرت عيناه من فرط الإرهاق الساحق، وفي النهاية، لم يتحمل جسده هذا الضغط العنيف وانفجر أنفه بالرعاف.

راح الدم يقطر ببطء.

"... هآه؟"

توقف لويد فجأة عن طحن السيليكا في ركن المطبخ المظلم عندما شعر ببرودة لزجة تحت أنفه. مسح الموضع بلامبالاة، لتتلطخ أصابعه باللون الأحمر القاني.

"تبا، ما هذا الآن؟"

ضغط على أنفه بكم قميصه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة ساخرة مفعمة بالمرارة.

لقد ذكره هذا الموقف فجأة بحياته السابقة.

'يا لها من ذكريات... يبدو الأمر تماما مثل أيامي الخوالي في كوريا.'

تلك الأيام العصيبة التي كان ينزف فيها أنفه طوال الأسبوع من فرط الإرهاق والدراسة والعمل، ومع ذلك كان يضغط على نفسه ويستيقظ كل صباح بعزيمة لا تلين، مواسيا نفسه بفكرة واهية:

"إذا تحملت تعب اليوم، فربما يصبح الغد أفضل قليلا. وإذا صمدت غدا، فقد يحمل الشهر القادم بعض الفرج". كان يكافح ويتحمل فقط ليتمكن يوما ما من العيش كشخص طبيعي؛ يحصل على وظيفة مستقرة، ودخل ثابت، ويتزوج ليؤسس عائلة دافئة يعود إليها كل مساء.

لقد شحذت تلك الذكريات القاسية من عزيمته مجددا.

'فلأحاول مرة أخرى.'

لن يستسلم أبدا، ولن يتراجع خطوة واحدة إلى الوراء.

عقد لويد عزيمته مجددا، ومد يده ليمسك بمدقة السيليكا مرة أخرى.

وفي تلك اللحظة بالذات...

لاحت له بارقة أمل غير متوقعة على الإطلاق لفك هذه العقدة المستعصية!