المهندس الأعظم - الفصل 63: أشغال مستحيلة ومواد سحرية (1)

الفصل 63: أشغال مستحيلة ومواد سحرية (1)


«أنا لويد فرانتييرا، الابن البكر لعائلة فرانتييرا، أتقدم إلى سعادة كونت كرمو الحكيم بهذا العرض: مشروع إنشاء 'أساسات بحرية' متطورة لإقامة 'التمثال' الذي سيطرد 'التايتان العملاق'. وتقبلوا مني فائق الاحترام.»

صدح صوت لويد في أرجاء قاعة الاستقبال بوضوح وثقة.

ساد صمت مطبق في المكان للحظات؛ شحب وجه كبير الخدم الذي فتح الباب، بينما تحركت حاجب خافيير، الواقف خلف لويد، في حركة تنم عن توتر مكتوم.

أما كونت كرمو، الذي كان يرمق لويد بنظراته، فقد تراجع بظهره قليلاً إلى الوراء.

«ماذا قلت للتو يا فتى؟»

سأل الكونت وهو يميل برأسه باستغراب.

نجح الأمر! لم ينفجر غضباً، بل غلبه الفضول أولاً. استغل لويد هذه الضربة الاستباقية، وتابع بلسان ذلق:

«أعني ما قلته تماماً. أثناء طريقي إلى هنا، 'صادفتُ' هموم سيادتكم بالصدفة، وتذكرت أنني أملك حلاً هندسياً سحرياً لها.»

«زدني من التفاصيل.»

غاص الكونت في كرسيه، وحدّق في لويد بنظرات ثاقبة.

بدا المشهد بالنسبة للويد وكأنه يقدم عرضاً لمشروع تخرج أمام أستاذ جامعي صارم. لكنه لم يتوتر؛ فقد نسي تماماً رتبة الكونت وسلطانه، ولم يرَ فيه سوى شيء واحد:

«هذا الرجل عبارة عن كيس مال يمشي.. إنه عميل دسم سيخرج محفظته لصالحي لا محالة».

كيف يفتح قلب هذا العميل؟ وكيف يدفعه للتوقيع على العقد؟ أعدّ لويد نفسه كطاهٍ محترف أمام مكونات شهية، ثم قال بهدوء:

«لنبدأ بالخلاصة: شرط سيادتكم في المشروع، وهو 'تصعيد الأساسات عمودياً'، مستحيل تحقيقه بتقنيات الردم التقليدية التي يعرفها أي مهندس آخر.»

«أتقصد أنه مستحيل عليهم هم فقط؟»

سأل الكونت.

«بالضبط.»

«وهل هو ممكن لديك أنت؟»

«نعم، بكل تأكيد.»

أومأ لويد برأسه. في مواقف كهذه، الثقة هي السلاح الأقوى. تابع بصوت واثق:

«لإنشاء أساسات صلبة بأقل مساحة ممكنة في قناة ضيقة، أرى أن الجمع بين تقنية 'الأوتاد الاحتكاكية' وطريقة 'الصندوق المائي' (Box Caisson) هو الحل الأمثل.»

«أوتاد؟ صندوق مائي؟»

تمتم الكونت بحيرة.

«أجل.»

«همم، جيد.. وهل تعتقد أنني أفهم هذه الطرق؟»

«ألا تعرفها يا سيدي؟»

«إطلاقاً!»

هز الكونت رأسه، ثم انفجر بابتسامة عريضة تشبه ابتسامة دب ضخم. «من أين لي أن أعرف مثل هذه التعقيدات؟ لكن الواقع يقول إنه لا يوجد من يتطوع لهذه المهمة أصلاً، وهذا 'التايتان العملاق' المزعج لا يغادر المياه أمام الميناء، مما تسبب في انهيار حركة التجارة. وبما أنك تظهر كل هذه الثقة، فسأمنحك الفرصة. إذا نجحت، فنعم المراد، وإذا فشلت، فلن أخسر شيئاً. وطبعاً، أنت تدرك أنك ستتحمل كافة تكاليف المشروع في حال الفشل، أليس كذلك؟»

«هذا أمر مفروغ منه.»

أجاب لويد ببرود.

لكن ماذا لو نجح؟ سيكسب مبلغاً فلكياً من رسوم التنفيذ، والأهم من ذلك، سيبني علاقة متينة مع كونت كرمو، أقوى رجل في المنطقة. بعبارة أخرى، سيحصل على 'درع حماية' سياسي لا يقدر بثمن.

«ممتاز.»

قبض لويد على يده في سرور خفي. الخطة التي رسمها بسرعة البرق بعد سماع تفاصيل الوضع من كبير الخدم نجحت تماماً. فبمجرد أن شم رائحة المال المنبعثة من هذا المشروع المتعثر، بدأ عقله يحسب الاحتمالات، الأرباح، والمخاطر. والاستنتاج كان واضحاً: الصفقة تستحق المحاطرة.

اعتمد لويد أيضاً على معرفته بشخصية الكونت من رواية 'فارس الدم الحديدي'. كان الرجل معروفاً بطبعه العارم وصدره الرحب، يقدر الكفاءة ولا يبالي بالبروتوكولات المملة. لم يكن يكترث للنسب بقدر ما يكترث للموهبة، ولهذا السبب تحديداً رعى خافيير في الرواية الأصلية.

«شكراً لثقتكم الغالية يا سيدي.»

قال لويد.

«لا داعي للشكر. لكن، لأنك بدأت حديثك بالمشاريع فور دخولك، لم أسمع اسمك جيداً. من أنت يا فتى؟»

«آه، أنا لويد فرانتييرا، الابن البكر لعائلة فرانتييرا.»

انحنى لويد بأدب.

في تلك اللحظة، تجمدت الابتسامة على وجه الكونت. تغيرت ملامحه تماماً، وبدا عليه غضب لم يظهر حتى عندما انتهك لويد قواعد اللقاء.

«يا لك من وقح!»

صاح الكونت فجأة. قام من مقامه وخطا خطوات واسعة نحوهم، لكنه تجاوز لويد تماماً ووقف أمام... خافيير!

وجه الكونت لومه الصارم للفارس ذي الشعر الفضي:

«إذن، أنت هو ابن عائلة فرانتييرا المشهور؟ سمعت مؤخراً أنك بارع في البناء، وفكرت فعلاً في تكليفك بالمهمة. لكنني لم أتوقع أبداً أن تكون بمثل هذه الوقاحة!»

أصبح صوت الكونت هادراً:

«يمكنني التغاضي عن حديث البناء، ولكن كيف تجرؤ على عدم تقديم التحية الرسمية بنفسك، وتترك مرؤوسك يتحدث نيابة عنك؟ هاهاها! لم أكن أتخيل أن أتعرض لمثل هذه الإهانة في حياتي.»

برق الغضب في عيني الكونت وهو يحدق في خافيير الهادئ. في حين بقي لويد خلف الكونت في موقف لا يحسد عليه، يفرك ذقنه بحرج.

«عفواً.. سيدي الكونت؟»

قال لويد بصوت خفيض.

«اسكت أنت! لا تتدخل في حديث النبلاء أيها التابع!»

زجره الكونت دون أن يلتفت.

«...»

«والآن، اشرح لي يا ابن فرانتييرا، هل جئت اليوم لتستعرض وقاحتك أمامي؟»

تابع الكونت ضغطه على خافيير.

ابتسم لويد بمرارة وحاول مجدداً:

«عفواً.. يا سيدي الكونت؟»

«ألم أقل لك أن تصمت؟»

«حسناً، أعتذر بشدة.. ولكن..»

«إذا كنت تعتذر، فاخرس تماماً!»

«أنا هو لويد فرانتييرا.»

«هاه؟»

توقف الكونت عن الكلام فجأة. أدار رأسه نحو لويد ببطء شديد. «أنت؟»

«نعم.»

«ابن عائلة فرانتييرا البكر؟»

«بشحمه ولحمه.»

رسم لويد ابتسامة دبلوماسية باهتة.

أشار الكونت بحيرة واضحة إلى خافيير:

«ومن يكون هذا إذن؟»

«إنه فارسي الخاص.»

«حقاً؟»

«أجل، حقاً.»

«تشه! يبدو هذا الشاب نبيلاً أكثر منك بمراحل!»

«...أنا هو النبيل الحقيقي هنا.»

«حسناً، لا يهم. على أي حال، يسعدني لقاء المهندس الموهوب الذي ملأ صيته الآفاق.»

صافح الكونت لويد وجلسا معاً، ثم انفجر الكونت ضاحكاً. «تملك سعة صدر كبيرة يا فتى، أليس كذلك؟»

«عفواً؟ ماذا تقصد؟»

لم يفهم لويد سبب هذا الثناء المفاجئ.

ضحك الكونت مجدداً:

«أقصد أنك واسع الصدر لدرجة أنك تصطحب فارساً وسيماً كهذا بجانبك. لو سألت مئة شخص، لقال مئة منهم إنه هو النبيل وأنت تابعه!»

«كـهـ!»

سعل لويد بحنق.

«لماذا؟ ألم يعجبك كلامي؟»

«لا.. ليس كذلك.. لكنك طعنتني في الصميم بصدقك.»

«هاهاها! ومع ذلك، تتركه بجانبك بكل هدوء. أنت شخص مميز حقاً.»

«...»

تمنى لويد في سره لو يغلق الكونت هذا الموضوع ويعود للعمل.

لحسن الحظ، توقف 'القصف الواقعي' للكونت عند هذا الحد، وتابعا مناقشة تفاصيل المشروع. شرح لويد الجوانب التقنية المعقدة، وأبدى الكونت موافقته، واعداً بتقديم كل الدعم اللوجستي والبشري المطلوب. وهكذا، تم توقيع العقد رسمياً.

ولم ينسَ لويد الهدف الأول من زيارته، حيث تمت صفقة بيع الأثر القديم بسلاسة.

«سلّم البضاعة لكبير الخدم واستلم ثمنها منه.»

قال الكونت. «أتمنى لك التوفيق. إذا نجح هذا المشروع، سأمنحك مكافأة ستجعلك في غاية السعادة.»

«سأضع ذلك في حساسي.»

أظهر لويد امتناناً صادقاً؛ فـ 'الزبون الذي يدفع' دائماً على حق.

تذكر لويد بداياته، يوم عرض بناء غرفة 'أوندول' لصاحب حانة بسيط. تذكر الطموحات الضخمة التي راودته منذ يومه الأول في هذا العالم: بناء الموانئ، تشييد الجسور، وتجميع ثروة تطوي ديون عائلته للأبد. اليوم، بدأت تلك الأحلام تكتسي ثوب الواقع؛ فهذا أول مشروع ضخم يناله من نبيل رفيع المستوى، وهي البداية الحقيقية لجمع ثروة طائلة.

في صباح اليوم التالي، انطلقت شرارة العمل.

بدأ لويد التحضيرات الميدانية للمشروع، وكانت الخطوة الأولى هي المسح الهندسي لقاع البحر.

«أوووف..»

كانت أمواج البحر تتكسر بعنف أمام الميناء، بينما يتهادى فوقها قارب خشبي صغير. مدّ لويد رأسه خارج حافة القارب واستنشق نفساً عميقاً، ثم وضع نظارة غوص ضخمة تشبه الصندوق على وجهه.

حبس أنفاسه، وانحنى ليغمر وجهه في الماء البارد.

«آخ.. وجهي سيتجمد!»

شعر وكأن ملامحه تتمزق من شدة البرودة؛ فالبحر في بداية الشتاء لا يرحم. لكنه لم يتراجع، فالمسح ضرورة لا مفر منها.

تفعيل مهارة المسح: يجب رؤية موقع البناء مباشرة لبدء المعاينة الجيولوجية.

لحسن الحظ، كان الماء صافياً جداً في مياه كرمو، مما سمح للرؤية بالنفاذ إلى الأعماق. وبفضل نظارة الغوص الجيدة، استطاع لويد رؤية قاع البحر على عمق عشرة أمتار بوضوح كافٍ.

«همم..»

جاري تحليل البيانات... قاع البحر مسطح تقريباً، لا توجد ميول خطيرة. الطبقات الرسوبية غنية ولينة. فحص خيار 'المسح الجوفي': لم يتم رصد 'الصخور الصلبة' ضمن نطاق 5 أمتار تحت القاع.

«يبدو أن الصخور الصلبة في أعماق سحيقة.. لا بأس، سنتعامل مع الأمر. ولكن.. تباً، لقد وصلت إلى حدي!»

انتفض لويد ورفع رأسه من الماء، وهو يرتجف بشدة. لم يكن السبب ضيق التنفس، بل البرودة القارسة التي جعلته يشعر وكأن جلده يُكشط.

«بواااا! هـ.. هـ.. منشفة! بسرعة!»

صرخ لويد فور خروجه.

«إليك هذه.»

مدّ خافيير منشفة جافة ببرود.

خطف لويد المنشفة ومسح وجهه بعنف حتى عاد إليه الإحساس تدريجياً. «يا إلهي، أكره هذا الشعور. هل سيصاب وجهي بقضمة صقيع؟»

التفت لويد إلى خافيير وقال بجدية:

«يا خافيير..»

«نعم؟»

«ألا يمكنك إجراء المسح بدلاً مني؟»

أجاب خافيير بهدوء:

«بالطبع أود مساعدتك، ولكن..»

«ولكن ماذا؟»

«لا أريد.»

«لماذا يا نذل؟»

«لأنني أستمتع بمشاهدتك وأنت تعاني وتتصبب عرقاً وسط الثلوج يا سيدي لويد.»

«...أنت..»

«أمزح فقط.»

قال خافيير بابتسامة خفيفة.

«تشه، لم أكن أعلم أنك تملك حساً فكاهياً سمجاً كهذا.»

«ربما لأن مزاجي رائع اليوم.»

«لأنك تستمتع بشقائي؟»

«بالضبط.»

«...»

«أمزح مجدداً.»

تابع خافيير، لكن نبرته أصبحت أكثر جدية:

«على أي حال، هل هذا المشروع ممكن حقاً؟ لنكن صريحين، لا يمكنني تخيله إطلاقاً. المياه هنا عميقة، فكيف ستبني أرضية صلبة دون ردم كميات هائلة من التراب والحصى؟ أشك في نجاح الأمر.»

كان هذا تساؤلاً منطقياً؛ فمشروع استصلاح 'ماريهز' كان يعتمد على تصريف مياه المستنقع، أما هنا، فالبحر لا ينتهي.

«هل تخطط لجعل 'هامانغي' يشرب ماء البحر هذه المرة؟ أظن ذلك مستحيلاً.»

أضاف خافيير.

هز لويد كتفيه بابتسامة غامضة:

«سحر؟ يمكننا قول ذلك. في الواقع، سنستخدم هذه المرة المادة الأكثر سحراً في تاريخ البناء.»

«مادة سحرية؟»

«الأسمنت. هل سمعت به من قبل؟»

نطق لويد بالاسم وهو يشعر بنشوة غريبة؛ فموقع البناء بدون أدوات حديثة يظل ناقصاً، والآن حان وقت ثورة الأسمنت.