المهندس الأعظم - الفصل 57: عقد الشيطان (2)

الفصل 57: عقد الشيطان (2)

هبطت درجة الحرارة في غرفة الاستقبال إلى ما دون الصفر في رمشة عين، واشتعلت عينا الفيكونت بشرر الغضب الجارف.

في المقابل، كان لويد الذي يتلقى تلك النظرات الحارقة يبدو في منتهى الاسترخاء، بل بدا وكأنه في نزهة ممتعة.

"ماذا تقصد بـ 'أهذا أنت حقاً'؟"

هز لويد كتفيه وأمال رأسه بوقاحة منقطعة النظير، ثم تابع قائلاً:

"أما زلت متمسكاً بكبريائك يا سيادة الفيكونت؟ في الواقع، الشك كان ينهش عقلك منذ البداية، وعندما تأكدت ظنونك الآن انخلع قلبك من مكانه، أليس كذلك؟ ومع ذلك تتصنع الدهشة وتسأل إن كنت أنا الفاعل! أليس هذا تمثيلاً رخيصاً ومكشوفاً؟"

"...ماذا تعني بـ..."

"تعبيرات وجهك الآن مثالية، استمر على هذا المنوال."

فرقع لويد أصابعه بحركة مسرحية، ثم غاص في عمق الأريكة ورفع يده مشيراً بلباقة:

"انظر، ألم تكن تدرك منذ اللحظة الأولى أن كل ما حدث كان من تدبيري؟ فكر في كمية الوقت التي كنا سنوفرها لو أنك تحدثت بوضوح ومباشرة بمجرد رؤية وجهي!"

"...إذن، العبث بورشة الأصباغ الخاصة بنا كان من فعلك أنت حقاً؟"

"أجل، أنا من فعلها."

"تباً لك! كيف فعلت ذلك بحق الجحيم؟"

"أترغب حقاً في معرفة الطريقة؟"

تنهد الفيكونت بعمق وهو يحدق في لويد، ولم يكن أمامه بد من الاعتراف بالهزيمة. ورشة الأصباغ... كلما تذكر الكارثة التي حلت بها، اعتصر الألم قلبه.

كانت ورشة الأصباغ بالنسبة للفيكونت هي الدجاجة التي تبيض ذهباً؛ فقماش 'اللاكوناتا' الشهير، المصبوغ بتقنية معالجة خاصة لثمار الرادونا، كان تحفة فنية لا تُضاهى. ألوان زاهية متنوعة بلمعة عميقة فريدة تسحر الأبصار، ميزة لم تنجح أي إقطاعية أخرى في تقليدها، حتى لو استخدموا ثمار الرادونا ذاتها.

السر كان يكمن في ثمار الرادونا المقطوفة حصراً من المنحدر الغربي للجبل الشرقي، فهي الوحيدة التي تمنح القماش ذلك البريق الاستثنائي. لو زُرعت في مكان آخر، أو نُقلت لمسافات بعيدة، لتلفت وتغير لونها أثناء الطريق. أضف إلى ذلك خبرة إقطاعية لاكونا التي تمتد لقرن من الزمان، مما جعل هذا القماش حكراً عليهم وحدهم، والمصدر الرئيسي لثروة الإقطاعية.

لكن فجأة، توقفت تلك الدجاجة عن العطاء، بل ونفقت تماماً.

بدأ الأمر قبل خمسين يوماً؛ حين جاءه مشرف الورشة مرتجفاً، يجثو طلباً للعفو عن خطيئة مميتة، موضحاً أن قماش اللاكوناتا بدأ يخرج بشكل شاذ؛ فبعد الصباغة، يتغير اللون فجأة ويموت اللمعان المميز تماماً.

ظن الفيكونت في البداية أنها مجرد كبوة عابرة، ربما بسبب سوء جودة الثمار أو نسيج القماش.

لكن الكارثة تمددت؛ يوماً بعد يوم، وعشراً بعد عشر، حتى مر شهر كامل... ولم يعد للون اللاكوناتا أثر. استُبدلت الألوان الباهية بألوان داكنة باهتة كئيبة، واختفى البريق ليحل محله غشاء كدر، حتى أصبحت البضاعة مجرد نفايات لا تصلح للبيع.

أُعلنت حالة الطوارئ؛ استُبدلت الثمار، وأُتلف المخزون من الخلاصات المركزة، وحتى الأقمشة تم تغييرها، لكن النتيجة ظلت واحدة: لون ميت وبريق مفقود.

بدأ التجار ينسحبون، وانقطعت العلاقات مع الشركاء القدامى. لقد انقطع شريان الحياة الاقتصادي للفيكونت، دون أن يفهم أحد السبب.

كان الفيكونت على وشك الجنون من الحيرة والغضب، وتساقط شعره حفنات من شدة التوتر، حتى بات يذوق حموضة حارقة في حلقه كل ليلة. ورغم غياب الدليل، لم يلم عقله سوى شخص واحد.

'نعم، هذا الملعون! لويد فرينتييرا! هو الوحيد الذي أشك به!'

كان مجرد حدس، لكنه قوي؛ فلويد هو من عاقبهم سابقاً حين لوثوا مياه نهر برونا، وبحسب منطق الفيكونت، فإن أكثر من يملك الرغبة في الانتقام هو أشد أفراد تلك العائلة مكراً وشراسة.

'إنه وغد داهية، لكنه شديد الدقة.'

بالنظر إلى الدهاء الذي أظهره لويد سابقاً، اعتقد الفيكونت أنه قادر على تدبير مكيدة كهذه دون أن يرمش له جفن. الشيء الوحيد الذي استعصى على فهمه هو 'الأسلوب' الذي استخدمه للعبث بالورشة.

لهذا السبب، وافق الفيكونت اليوم بلهفة على استقبال لويد؛ أراد اليقين، أراد معرفة تلك الحيلة الشيطانية.

"أيها الصعلوك، أي فعلة دنيئة اقترفتها في ورشتي؟"

صك الفيكونت على أسنانه وهو ينظر للويد بغيظ. أكانت لعنة؟ أم سحراً أسود؟ لا يوجد تفسير منطقي!

ابتسم لويد بتهكم وقال:

"ممم... أولاً، أهنئك على استنتاجك الدقيق؛ نعم، أنا السبب. يبدو أن ذكاءك لم يصدأ تماماً. لكن، ما رأيك لو أخبرتك بحقيقة أخرى مذهلة؟"

هز كتفيه وتابع:

"الكارثة التي حلت بورشة أصباغك... لم تكن شيئاً خططت له بعناية أو تعمدت فعله أصلاً!"

"ماذا تقصد؟"

تساءل الفيكونت بملامح متصلبة؛ أي تلاعب بالألفاظ يحاول هذا اللعين ممارسته الآن؟

اتسعت ابتسامة لويد، وبدأ يكشف المستور:

"يا عزيزي، كل ما حدث كان مجرد نتيجة جانبية غير مقصودة... حدثت أثناء بنائنا لقناة المياه!"

"قناة المياه؟"

"أجل، تلك التي بنيناها في الوادي، بشكل هندسي بديع."

"وما علاقة قناة المياه بورشتنا؟ تكلم بوضوح ولا تلتف وتدور وكأنك تسخر مني!"

انفجر الفيكونت أخيراً، وانحنى بجسده فوق الطاولة مندفعاً نحو لويد من شدة الانفعال.

في حين مال لويد إلى الخلف براحة تامة:

"تؤ تؤ... تمهل! هل تصادف أنك تعرف خصائص الحجر الجيري؟"

"...ماذا؟"

"الحجر الجيري؛ صخور رسوبية تتكون أساساً من كربونات الكالسيوم."

"ما هذا الهراء الذي تهذي به..."

تجاهل لويد تذمره وواصل شرحه الهادئ:

"المحار، المرجان، العوالق... كائنات بحرية تبني هياكلها من كربونات الكالسيوم، وعند موتها تتراكم في قاع البحر وتتحول عبر العصور إلى حجر جيري. الحجر الجيري مادة بناء ممتازة، تماماً كالصخور التي استخدمتها لبناء قناتي في الوادي. ومن ناحية أخرى، فإن التضاريس الجيرية تجعل المياه المحيطة بها غنية بالكالسيوم."

"مياه جيرية...؟"

"بالضبط. أيونات الكالسيوم والمغنيسيوم تذوب في الماء، مما يغير تركيبته المعدنية بشكل دقيق."

"وما علاقة هذا بورشتي؟"

"علاقة وثيقة جداً؛ لأن الماء الجاري في قاع الوادي حيث أنشأنا القناة، هو ذاته المجرى العلوي لنهر برونا الذي يمر بإقطاعيتكم قبل أن يصل إلينا!"

"...ماذا؟"

تسمرت ملامح الفيكونت، وشعر وكأن صاعقة ضربت رأسه.

واصل لويد بثقة:

"أبدأت تفهم؟ لقد بذلت جهداً هائلاً في التفجيرات لتشييد القناة؛ فجرنا صخور الحجر الجيري المدفونة في الوادي، وأثناء تقطيعها تناثرت كميات مهولة من الغبار والفتات الجيري في أرجاء الوادي واستقرت في قاع المجرى. وبفضل ذلك..."

تحولت ابتسامة لويد تدريجياً إلى ابتسامة شريرة تقشعر لها الأبدان:

"...أصبحت مياه الوادي 'مياهاً جيرية' بنسبة طفيفة مقارنة بالسابق."

"إذن... هل تعني... أن سبب تغير لون اللاكوناتا هو..."

"أجل! السبب هو التغير المجهري في المكونات المعدنية لنهر برونا."

"هذا... هذا مستحيل..."

"بالطبع لن تلاحظ ذلك بالتذوق، لأن التغيير طفيف جداً ولا يؤثر على صحة البشر أو البيئة."

كان الأمر كما قال لويد؛ فتأثير تلك المعادن على جسم الإنسان يشبه نسبة الإشعاع في الموز؛ فرغم وجوده، إلا أنك تحتاج لأكل مئة مليون موزة لتتسمم! وكذلك مياه النهر؛ تحتاج لشرب محيط كامل لتتضرر.

لكن الوضع يختلف تماماً في الصناعات الحساسة.

تابع لويد بنبرة ماكرة:

"لكن ورشتكم تسحب مياه النهر لغسل الأصباغ وتلوين القماش، أليس كذلك؟ تماماً كما كنتم تصرفون سمومكم في إقطاعيتنا! الكيمياء - ورغم أن عقلك قد لا يستوعبها - تجعل التفاعلات الحساسة كالتلوين تتأثر بأدق التغيرات التي لا يشعر بها البشر."

"أه... هذا..."

"يا للهول! ما العمل الآن؟ قلبي يتقطع لأجلك! كنت أحب قماش اللاكوناتا حقاً."

"..."

"لكنك الآن لن تستطيع إنقاذه أبداً، لأن مياه النهر ستظل جيرية لعشر سنوات على الأقل. ولا تملك وسيلة لنقل مياه عذبة من مكان آخر، وحتى لو حاولت تصفيتها، فستتغير الخصائص ويهرب اللون منك للأبد."

صرخ الفيكونت كالمذبوح:

"سأرفع دعوى قضائية! سأقاضيك أمام محكمة النبلاء على هذا الظلم!"

رد لويد ببرود ومكر:

"افعل ما يحلو لك، لكن هل تعتقد حقاً أنك ستفوز؟"

"ماذا؟"

"المياه الجيرية ليست مادة ملوثة أو سامة قانوناً."

"..."

أُلجم الفيكونت، وواصل لويد قصفه بلا رحمة:

"علاوة على ذلك، الفتات الجيري لم يُلقَ عمداً، بل كان نتيجة حتمية لأعمال البناء، وهذا لا يستوفي شرط 'التعمد' للإضرار بالغير في قوانين المملكة."

"التعمد؟"

"أجل، التعمد. والأدهى من ذلك، لو بحثنا عن السبب الجذري، سنجد أنك أنت السبب يا سيادة الفيكونت!"

"أنا؟! كيف؟!"

"ألم تلوث نهر برونا بفضلاتك؟ ولأجل معالجة تلك الكارثة، اضطررنا لبناء قناة المياه. وأثناء البناء، فجرنا الصخور، فصارت المياه جيرية، فصار قماشك الفاخر مجرد خرقة ممسوخة تصرخ كل صباح: 'وداعاً للثراء'!"

"أه... أأخ... مـما هذا..."

"يا لها من سخرية قدر عجيبة! أبدأت تفهم الآن؟ ومع ذلك، إياك أن تبكي."

"هذا غير معقول... هذا جنون..."

انهار الفيكونت وسقط بضعف على مسند الأريكة، مرتخياً كجثة هامدة. حدق في السقف بعينين خاليتين من أي أمل بعدما أدرك فداحة المأزق.

'لقد أوقعني هذا الشيطان في شر أعمالي ببراعة!'

شعر وكأن مطرقة ثقيلة هشمت رأسه؛ فلا فائدة من القضاء.

'لن أفوز أبداً... المياه الجيرية ماء طبيعي، كيف سأقاضيه؟'

وحتى لو حدثت معجزة وفاز:

'الحكم سيستغرق عاماً! وفي هذا العام، سيفقد قماش اللاكوناتا سمعته، وسيهجرني التجار، وسأتحول إلى متسول!'

'أيها الشيطان اللعين!'

نظر إلى لويد الذي كان يبتسم بصفاء وسعادة، فسرى في جسده ارتجاف بارد. لم يتخيل أن هذا الوغد خطط لكل هذا؛ بل يبدو أنه توقع كل ردود فعله وأعد لها رداً قاصماً.

كان الفيكونت كالنملة التي وقعت في حفرة أسد النمل؛ كلما حاولت الخروج، انهال عليها الرمل لتغرق أكثر.

'لا يمكنني الفوز... لا توجد طريقة.'

في النهاية، تحطم كبرياء الفيكونت واستسلم تماماً.

طأطأ رأسه وقال بوجه كئيب:

"أنا... لقد أخطأت. سأوقف فوراً تصريف الملوثات نحو إقطاعيتك. لذا أرجوك... ألا يمكنك مسامحتي هذه المرة؟"

"المسامحة؟"

"أجل."

أحنى الفيكونت رأسه أكثر، ورغم غليان صدره، لم يملك خياراً آخر.

لكن رد لويد كان الصدمة الكبرى:

"ممم... وماذا نفعل الآن؟ المياه التي تحولت إلى جيرية لا يمكن إعادتها لأصلها."

"...ماذا؟"

"أقصد أنه حتى لو أزلت كل الحصى من الوادي، فلن يتغير شيء، لأن طبقة الحجر الجيري قد انكشفت تماماً بسبب التفجيرات الضخمة."

"كيف..."

"هذه هي الحقيقة؛ كانت الطبقة مغطاة بغلاف صخري يحميها، وقد حطمناه تماماً. المياه الآن تلامس الجير مباشرة، ولا سبيل لإصلاح ذلك."

"لا... لا تقل ذلك! إذن..."

"هذا يعني أن مياه النهر ستظل جيرية للأبد."

"..."

سكت الفيكونت تماماً. كان يظن أن الاعتذار هو مفتاح الحل، لكن حتى هذا الأمل تبخر.

وفي تلك اللحظة بالذات...

ارتسمت ابتسامة ذات مغزى على وجه الشيطان الجالس أمامه... لويد فرينتييرا.

"حسناً... بما أنك تطلب الصفح بهذه الحرارة... رغم أنه لا توجد طريقة لتغيير مياه النهر، إلا أن هناك طريقة واحدة لإحياء قماش اللاكوناتا... فهل ترغب في معرفتها؟"

انتعش الفيكونت فجأة:

"مـما هي؟!"

"أهـ، اترك كم ثوبي أولاً."

"آه، معذرة! لقد فقدت أعصابي من شدة اللهفة..."

"لا بأس. إذن، ما رأيك أن أعرض عليك صفقة؟"

"صفقة؟"

عض الفيكونت شفته وهو يترقب شروط لويد الماكرة.

وأخيراً قال لويد:

"العرض هو كالتالي: يا سيادة الفيكونت، ورشة الأصباغ وقماش اللاكوناتا يمثلان كل شيء بالنسبة لك، أليس كذلك؟"

"نـنعم، بالطبع!"

"وتريد حقاً إنقاذهما واستعادة بريقهما الحصري؟"

"بكل تأكيد!"

"ممتاز. إذن..."

تحولت نظرات لويد إلى ملامح تتوهج مكراً؛ فقد حان وقت كشف المخطط الذي رسمه منذ شهرين:

"إذا كنت حريصاً على إنقاذ منتجك، فما عليك سوى مد خطوط أنابيب من [شبكة مياه الشرب] الخاصة بإقطاعيتنا واستخدام مياهنا العذبة النقية! وبالطبع... مقابل رسوم شهرية باهظة جداً تسددها لنا بانتظام!"