الفصل 52: في التكاتف قوة (2)
الفصل 52: في التكاتف قوة (2)
"عندي خطة تحمي أرضنا من أطماع هؤلاء الحثالة. سأشرح لك التفاصيل لاحقاً، لكن أولاً، دعنا نطرد هذا المتطفل من هنا... وحبذا لو نلقنه درساً قبل رحيله."
"... ماذا؟"
اقتحم لويد المكتب فجأة، لتصعق كلماته البارون الذي كان غارقاً في بحر من اليأس والإحباط.
منذ الصباح الباكر، كان البارون يعاني من صداع حاد، وشعر بحدسه أن خطراً ما يلوح في الأفق، لكنه لم يتخيل قط أن يكون هذا من تدبير الفيكونت لاكونا.
لذا، كانت الرسالة التي نقلها السير كورنو نيابة عن الفيكونت صدمة حقيقية. كيف يجرؤ على تصريف النفايات السامة من ورشة الأصباغ في النهر عمداً؟ وكيف يقبل أن يعاني سكان الإقليم بأكملهم من هذا الصداع الشديد بسببه؟
'والأدهى من ذلك، أنه يهدد بالاستمرار في هذا الإجرام حتى أتنازل له عن نصف أراضي ماريز المستصلحة'.
نصف الأراضي؛ هذا هو الطمع الذي يعمي بصيرة الفيكونت. هدد بمواصلة تلويث المياه حتى يستسلم البارون لمطالبه. كان ابتزازاً سافراً، ورغم قبحه، لم يجد البارون وسيلة للرد.
وحتى عندما لوّح برفع دعوى قضائية أمام محكمة النبلاء الملكية، لم يهتم المبعوث؛ بل قوبل بسخرية لاذعة تتساءل إن كان بإمكان الإقليم الصمود طوال سنوات المحاكمة قبل صدور الحكم. شعر البارون بالقهر، فالعجز كبّل يديه.
بالطبع، كان هناك خيار آخر وهو طلب "وساطة عادلة" من حاكم الإقليم، الكونت كريمو. لكن هذا الخيار لم يكن مضموناً أبداً.
'فالكونت كريمو لن يحرك ساكناً لحل نزاع كهذا بدافع طيبة قلبه'.
بل إن الفيكونت لاكونا الثري قد يرشو الكونت بسهولة، مما سيؤدي إلى عواقب أوخم. في هذا العالم، نادراً ما تقف العدالة مع صاحب الحق، بل تنحاز غالباً لمن يملك المال والنفوذ. تلك هي القوانين القذرة للواقع.
"آه..."
تنهد البارون بأسى. المعركة بدت خاسرة لا محالة. وفي النهاية، قرر الرضوخ للواقع المرير، محاولاً إقناع نفسه بأن التنازل هو الخيار العقلاني الوحيد لحماية شعبه من التسمم. وبينما كان يهم بإعلان استسلامه أمام السير كورنو، اقتحم لويد المكان.
"مـ-ماذا؟ ما الذي تقوله؟ وكيف عرفت بهذا الأمر؟"
ارتبك البارون من شدة المفاجأة. فالتهديد الذي نقله السير كورنو والصراع الداخلي الذي عاشه كانا يدوران خلف أبواب مغلقة، وفي الوقت الفعلي تماماً. لم تكن هناك فرصة لتسريب الحديث، فكيف عرف لويد بكل التفاصيل؟
هل كان يتنصت؟ لا، فلويد كان يلهث بشدة والعرق يغطيه، مما يعني أنه ركض إلى هنا بأقصى سرعته فور استنتاجه للأمر.
"هاه... هاه... لحسن الحظ أنني وصلت في الوقت المناسب. لا داعي للدهشة يا أبي، لقد كنت أبحث عن سبب هذا الصداع الجماعي منذ الصباح، وتوصلت إلى هذه النتيجة بالمنطق والتحري."
"بالاستنتاج؟"
"نعم. أليس هذا هو الابتزاز الذي كنت تستمع إليه للتو؟ يهددون بمواصلة تسميم المياه إن لم تتنازل عن أراضي ماريز المستصلحة؟"
"……."
ساد الصمت. لقد أصاب لويد كبد الحقيقة بدقة مذهلة، فلم يجد البارون ما يقوله. وتابع لويد حديثه بثقة:
"لذا، سأكررها مجدداً: لا تتنازل عن شبر واحد من أراضي ماريز. بل لا تشغل بالك بهذا الهراء من الأساس."
"ألا نتنازل عنها؟ للفيكونت لاكونا؟"
"بالضبط."
مسح لويد العرق عن جبهته، ثم تقدم بخطوات ثابتة نحو منتصف المكتب حتى وقف وجهاً لوجه أمام السير كورنو. حدق في عينيه مباشرة وقال:
"لماذا نتنازل لأوغاد جشعين يريدون ابتلاع أرض تعب غيرهم في استصلاحها وتطويرها دون أن يرف لهم جفن؟"
"……."
اشتعل الغضب في عيني السير كورنو من وقاحة الكلمات، لكن لويد لم يكترث وواصل هجومه اللفظي بلا مبالاة:
"لذا، ليس لدينا سوى رد واحد لهؤلاء: إن أردتم أرضاً، فاذهبوا واعملوا واعرَقوا للحصول عليها، بدلاً من الالتصاق بالآخرين كالطفيليات لامتصاص دمائهم."
"هل تقصدني أنا بهذا الكلام؟"
سأل السير كورنو بملامح ملتوية من الغيظ.
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي لويد:
"أوه، يبدو أنك سريع الفهم بالنسبة لطفيلي."
"هل تهينني الآن؟"
"يا إلهي، وتتمتع ببديهة سريعة أيضاً! تستحق تصفيقاً حاراً."
"أنت ترتكب خطأً فادحاً الآن."
"آه، تريد أن تقول إنك مبعوث الفيكونت وممثله الرسمي، وبالتالي فإن إهانتك هي إهانة له؟ حسناً، يؤسفني إحباطك، لكنني أشتم سيدك بالفعل، وبكل فخر."
"هل أنت جاد فيما تقول؟"
"أجل."
"……."
وقف السير كورنو عاجزاً عن الكلام أمام ثقة لويد الباردة. لكن سيل الإهانات الماكرة لم يتوقف، بل استمر لويد في قصف جبهته بلا رحمة:
"اسمع، أليس العمل تحت إمرة سيد كهذا مهقاً؟ أأنت راضٍ عن نفسك فعلاً وأنت تخدمه؟"
"سيدي بالطبع هو..."
"عديم الضمير! أراهن أنه لم ينفق قرشاً واحداً طوال حياته على صيانة ضميره لأنه لا يملكه أصلاً."
"لا، أنا..."
"ومع ذلك لا تستطيع التخلي عنه؟ هل ولاؤك له لا يتزعزع؟ حسناً، يبدو أنك لن تحتاج لتسلق الجبال أبداً في حياتك."
"ولماذا لا أحتاج لتسلق الجبال..."
"لأن حياتك تسير في منحدر نحو الهاوية بالفعل."
"……."
"ما رأيك؟ هل بدأ موقفك يتغير قليلاً الآن؟"
"بل لا على الإطلاق! يا لويد فرونترا، أنت تتمادى في السخرية من سيدي بشكل صارخ."
"تؤ تؤ، يا لك من عنيد، لقد تغيرت بمقدار ثلاثمائة وستين درجة كاملة!"
"……."
"لذا، احزم أمتعتك وارحل، وأبلغ سيدك بوضوح: لن يحصل على شبر واحد من أراضي ماريز، لا نصفها، ولا حتى ذرة تراب من سدودها."
"يبدو أنك لا تخشى استمرارنا في تصريف المياه السامة."
"وما شأن ذلك؟ يا هذا، لقد نشأت وأنا أستنشق الغبار الملوث طوال العام في موطني دون كمامة، وكبرت بصحة جيدة!"
"ما الذي تعنيه بهذا..."
"هل ما زال لديك ما تقوله؟ يا لك من لزج ومزعج. ارحل فحسب."
لوّح لويد بيده بضجر كمن يطرد ذبابة. تجمدت ملامح السير كورنو ببرود قاتل.
"ستندم أشد الندم على ما فعلته اليوم."
"أعلى ما في خيلك اركبه."
"……."
"ماذا؟ ما بك؟ ماذا تريد؟"
"……."
"يا إلهي، ألم تغادر بعد؟"
"…… سحقاً... سوف نرى."
تشنج فك السير كورنو غضباً وهو يتراجع، ثم غادر المكتب صافقاً الباب خلفه بقوة.
عندها فقط استعاد البارون وعيه، وأمسك بكمّ لويد بقلق:
"ما الذي حدث للتو؟ هل سنكون بخير حقاً؟"
"ماذا؟ ما الذي تقصده بأن نكون بخير؟"
"لقد رفضت طلب الفيكونت بوقاحة، بل وأمطرت مبعوثه بالإهانات. ألا تخشى العواقب؟"
"أوه، لا تقلق بشأن ذلك."
ابتسم لويد ابتسامة عريضة. كان من حسن حظه أنه شعر بغرابة هذا الصداع، وتحرك بسرعة للتحقيق، مما منحه وقتاً لابتكار خطة مضادة أثناء ركضه.
"لقد أخبرتك للتو؛ لدينا طريقة تمنعنا من التخلي عن أراضي ماريز لهؤلاء الأوغاد."
"أي طريقة هذه؟ دعني أسمعها. ولكن قبل ذلك، اجلس أولاً."
أجلس البارون لويد. ومع جلوس لويد وخافيير والبارون حول الطاولة، هدأت الأجواء المتوترة أخيراً.
"حسناً. بما أنك واثق هكذا، فلا بد أنك تملك حلاً مضموناً. أليس كذلك؟"
"نعم."
أومأ لويد برأسه:
"ما رأيك أن نقوم بإنشاء شبكة مياه شرب حديثة؟"
"ماذا؟"
مال رأس البارون بحيرة. شبكة مياه شرب؟ لم يفهم المصطلح.
"اشرح لي أكثر."
"ببساطة، أعني مد خطوط أنابيب تنقل المياه النقية من مصادر بعيدة مباشرة إلى إقليمنا دون الحاجة للاعتماد على مياه النهر الملوثة."
"مياه نقية من مكان بعيد؟"
"نعم."
أومأ لويد مجدداً، بينما قطب البارون حاجبيه:
"جلب المياه من بعيد؟ لم أسمع بمثل هذه الطريقة من قبل."
"لقد كنت أفكر في هذا الأمر منذ فترة."
"أنت؟"
"نعم."
بالطبع، كان ادعاؤه بالتفكير المسبق محض كذبة. فنظام إمداد المياه كان تقنية طبقتها الإمبراطورية الرومانية قديماً. قرر لويد استغلال هذه الفرصة لإدخال هذا النظام، دون أن ينسى التظاهر بالعبقرية.
"كنت أتساءل أحياناً؛ أليس من الخطير الاعتماد الكلي على مياه النهر؟ فإذا حل الجفاف أو تلوثت المياه، سنواجه كارثة. لهذا فكرت: ماذا لو اخترنا مصدراً مائياً مستقراً ونقياً، وقمنا بمد قنوات لجلب المياه منه؟"
"أوه، إنها فكرة عبقرية بلا شك. ولكن... هل تملك طريقة عملية لتنفيذ هذا المشروع الضخم؟"
"بالطبع. لقد عكفت على دراسته بجدية لفترة طويلة."
حذف لويد حقيقة أن آلاف المهندسين قبله قد صمموا هذا النظام، وأجاب بثقة. ومع ذلك، لم يختفِ القلق من وجه البارون.
"حسناً، فكرتك مذهلة يا بني. لكن بناء مثل هذه الشبكة سيستغرق وقتاً طويلاً، أليس كذلك؟"
"نعم، هذا صحيح."
"إذن، من أين سيحصل سكان الإقليم على مياه نظيفة حتى يكتمل البناء؟"
كانت هذه هي العقبة الكبرى. هل سيتعين عليهم شرب السموم حتى ينتهي المشروع؟ لكن لويد كان قد جهّز الحل بالفعل.
"لدي حل لهذه المشكلة أيضاً."
"حل؟ وما هو؟"
"هل تتذكر هامانغي، الكائن الخرافي الذي تعاقدتُ معه؟"
"آه! أتقصد ذلك الكائن الذي يتضخم بشكل هائل عندما يشرب الماء، بينما يبدو في حالته العادية كفرس نهر وردي صغير ولطيف؟"
"... يبدو أنك تذكره بتفاصيل دقيقة للغاية يا أبي."
"احم، لقد بدا لي لطيفاً فحسب. على أي حال، هل تنوي الاستعانة به؟"
"نعم. سأجعل هامانغي ينقل كميات هائلة من المياه النقية، وسنستخدمها لملء خزان مياه مؤقت."
"رائع! بنقل المياه باستمرار بهذه الطريقة، لن نواجه أي نقص طوال فترة البناء."
"بالتأكيد. ولهذا السبب، لدي طلب واحد منك قبل أن نبدأ."
"طلب؟ ما هو؟"
"أرجو أن تصدر بياناً رسمياً باسمك كبارون موجه إلى جميع سكان الإقليم."
وتابع لويد شرحه مقترباً:
"أعرني سمعك... الأمر كالتالي... سنفعل كذا وكذا..."
"همم، فهمت."
أومأ البارون برأسه. ومع تقدم الحديث، تلاشت غيوم القلق وحلت محلها ثقة مطلقة. النزاع الذي بدا يائساً، أضحى الآن فرصة لقلب الطاولة وتلقين الخصم درساً قاسياً.
♣
في بعد ظهر ذلك اليوم، تلقى سكان إقليم فرونترا البيان الرسمي. كان المضمون موجزاً ومباشراً، يكشف الجاني الحقيقي وراء آلامهم.
"ماذا؟ هل تعني أن هذا الصداع الذي يكاد يفجر رؤوسنا هو من تدبير الفيكونت لاكونا؟"
"بالتأكيد!"
"ومن أين لك هذا الكلام؟"
"إنه مكتوب في البيان الرسمي للورد البارون!"
انتشر الخبر كالنار في الهشيم بين المزارعين والحطابين والنساء في كل زاوية.
"أتصدق؟ لقد سكبوا النفايات السامة في النهر عمداً!"
"يا للوقاحة! أي وحوش هؤلاء؟"
"هذا ليس كل شيء، بل إن ذلك الفيكونت تجرأ وطالب لوردنا بنصف أراضي ماريز المستصلحة كفدية!"
"ابني سكب عرقه ودمه في حفر تلك الأرض، ويريد هذا الوغد أخذها باردة مبردة؟! إنها نهاية العالم حقاً!"
اشتعل الغضب في القلوب كبركان. وربما كان هذا الغضب هو السبب وراء ما حدث في صباح اليوم التالي؛ فبمجرد انتشار خبر بدء لويد فرونترا في أعمال البناء لتوفير مياه نظيفة، تطوع غالبية سكان الإقليم للمشاركة في العمل. بدا الأمر وكأنهم يشاركون في معركة مقدسة لحماية كرامتهم وأرضهم، في حدث لم يشهده الإقليم من قبل.