الفصل 171: العمر المديد.. حتى الخامسة والأربعين
الفصل 171: العمر المديد.. حتى الخامسة والأربعين
كان سؤال جيانغ لي في أعين سكان هذا العالم غريباً وساذجاً لدرجة تثير الضحك، تماماً كما لو سأل شخص في أقاليم القارة التسعة:
"هل يعرف أحدكم من هو عاهل البشر؟". هل من المنطقي أن يجهل شخص هوية عاهل البشر ويدعي انتماءه للأقاليم التسعة؟
نظر الرجل إلى جيانغ لي بنظرة شاردة، يتفحصه بريبة وتوجس؛ هل هذا الرجل من عالمنا حقاً؟ لكنه لم يجرؤ على البوح بشكوكه. فبعيداً عن الملوك الاثني عشر، من ذا الذي يملك القدرة على الانتقال بين العوالم؟ كان مجرد التفكير في الأمر ضرباً من الخيال السقيم.
"الملوك الاثنا عشر هم المنقذون؟"
تمتم جيانغ لي بذهول. كان هذا الطرح يتناقض جذرياً مع ما ورد في إشعارات النظام، حيث وصفهم النظام صراحة بأنهم "زوار غير مدعوين" جاءوا لتدمير عالم هوانغيو، وشتان ما بين الزائر غير المدعو والمنقذ في أي قاموس.
سأل جيانغ لي مجدداً:
"من هم هؤلاء الملوك الاثنا عشر بالضبط؟ لا تؤاخذني يا أخي، فأنا قادم من عالم آخر ولا دراية لي بشؤونكم، لذا أرجو المعذرة على سؤالي".
أصبحت نظرة الرجل أكثر غرابة؛ قادم من عالم آخر؟ لو صدقه لكان ذلك إهانة لذكائه. هل يظن هذا الغريب نفسه واحداً من الملوك الاثني عشر؟
حاول الرجل أن ينفض يده ويغادر، لكنه وجد أن قبضة جيانغ لي كانت كالكماشات الفولاذية، لا تتزحزح قيد أنملة. وأمام ابتسامة جيانغ لي الهادئة التي لا تقبل الجدل، استسلم الرجل لقدره.
"أنا من عائلة منغ، وأعمل معلماً في المدرسة المجاورة. كنت في طريقي لبدء درس التاريخ لطلابي، وبما أنك تجهل الأمر حقاً، فسأخبرك بما أعرف، اعتبر الأمر مراجعة ذهنية لي قبل الدرس".
تنهد المعلم منغ قائلاً:
"قبل أكثر من ثلاثمئة عام، كانت الممالك في صراع دائم، وكان العوام يتجرعون مرارة البؤس، حيث ملأت الجثث السهول وسالت الدماء كالأنهار. تذكر السجلات أن ممارسي الفنون القتالية كانوا قلة من النخبة المستبدة؛ فمن لم يملك المال أو النفوذ لم يحلم يوماً بتعلم فنون القتال. وحتى لو حالف الحظ أحدهم ودخل هذا العالم، فإنه يظل عالقاً عند العتبات الأولى طوال حياته، فما فرقه حينها عن العوام؟".
وتابع:
"كان الممارسون في تلك الحقبة وحوشاً بشرية غارقة في الدماء، لا يهدأ غليلهم إلا بالقتل لقمع هيجان طاقتهم. لذا لُقبوا آنذاك بالقتلة، فكل من حقق مرتبة في القتال، لا بد أن يديه قد تلطخت بالدماء!".
"كان الممارس الواحد يفتك بالآلاف في ساحات المعارك، ولم تكن الجيوش النظامية تصمد أمام ضربة واحدة منهم. الممارس كان كالإعصار المدمر الذي لا يرحم. وبما أن الممارسين يهوون القتل والممالك تشتهي الأراضي، فقد تحالفوا معاً للسيطرة على العالم، فكانت الممالك تضحي بأرواح آلاف الجنود العاديين فقط لمجرد إرضاء نزوات الممارسين".
هنا، انتفخ صدر المعلم منغ بزهو، وقال بنبرة ملؤها الفخر:
"حينها، أشفق أهل العالم العلوي على معاناة البشر، فأرسلوا الملوك الاثني عشر لإنقاذنا. كانوا أبطالاً لا يُقهرون، سحقوا الممارسين الطغاة بسهولة ويسر".
"رأى الملوك أن احتكار أسرار الفنون القتالية كان خطأً فادحاً، لذا نشروها في كل مكان وكشفوا أسرارها للجميع، ليتمكن أي إنسان من الممارسة والارتقاء. بل إنهم عدلوا تلك الفنون بحيث لم يعد المتدربون يشعرون بتلك الرغبة الدموية في القتل. وبذلك، زالت الفوارق بين الممارسين والعوام؛ أصبح الجميع ممارسين!".
سأله جيانغ لي:
"إذن أنت أيضاً ممارس يا معلم منغ، من أين حصلت على تقنياتك؟".
رد المعلم منغ وكأن الأمر بديهي:
"من الملوك الاثني عشر بالطبع. لقد شدد الملوك على عدم كتابة هذه الأسرار عشوائياً لئلا نعود لعهود الدماء القديمة".
"لدي تساؤل آخر" قال جيانغ لي.
"تفضل" أجاب المعلم الذي اندمج في دور الأستاذ.
"إذا كان الممارسون هم سبب الفوضى، فلماذا لم يتم محو الفنون القتالية تماماً؟ لو أصبح الجميع عواماً لعم السلام. لماذا بذل الملوك كل هذا الجهد لتحسينها ونشرها؟".
ضحك المعلم منغ من جهل جيانغ لي وقال:
"هنا يظهر قصر نظرك. التقنيات الجديدة لها ميزة كبرى؛ ففي الماضي كان الممارس يعيش حتى العشرين أو الثلاثين فقط، أما بفضل تقنيات الملوك الحالية، أصبح بإمكان المرء العيش حتى سن الأربعين، بل وقد يصل البعض للخامسة والأربعين! ألا ترى أن هذا إعجاز في إطالة العمر؟".
علق جيانغ لي بنبرة ساخرة لم يلحظها المعلم:
"مذهل حقاً! الوصول للخامسة والأربعين.. هذا فعلاً هو الخلود بعينه". في أقاليم القارة التسعة، متوسط العمر هو مئة وعشرون عاماً، ومن يموت في الخامسة والأربعين يُعتبر قد رحل في ريعان شبابه. تذكر جيانغ لي كلام الخالد تشانغ تسون بأن العمر الطبيعي للجنس البشري في كافة العوالم هو مئة وأربعون عاماً. السبب في قصر الأعمار عادة هو التلوث؛ فالجسم البشري وعاء تتراكم فيه شوائب العالم بمرور السنين. أما الزراعة أو "تصحيح الذات" فهي عملية تطهير مستمرة تعيد الجسد لنقاء الرضيع، لذا يعيش ممارسو مرحلة تأسيس الأساس العمر الطبيعي كاملاً، بينما يتجاوزه ممارسو النواة الذهبية وما بعدها بمراحل. استخدم جيانغ لي حسه الإلهي ليفحص المحيطين به، فتأكدت مخاوفه؛ التقنيات التي يمارسها هؤلاء هي في الحقيقة "تقنيات حرق العمر". هم يستبدلون سنوات حياتهم بقوة قتالية وهمية. وإذا كان الوضع الحالي يعتبر تحسناً كما يدعي المعلم، فهذا يعني أن التقنيات القديمة كانت تلتهم الأعمار بشكل أبشع.
"وأين يقيم هؤلاء الملوك الاثنا عشر الآن؟"
سأل جيانغ لي.
"لقد عادوا إلى السماوات منذ أمد بعيد، لكنهم يراقبوننا، وإذا ما رأوا خطأً ما، يرسلون لنا رؤى وتوجيهات في أحلامنا".
بينما كان جيانغ لي يحاول استيعاب هذه المهزلة، شعر باهتزاز في رمز الاتصال البعيد. كان المتصل هو القائد ليو.
داهمت الأفكار رأس جيانغ لي؛ لم يسبق للقائد ليو أن بادر بالاتصال. هل ضاق ذرعاً بغيابه وقرر طرده من قاعة عاهل البشر؟ أم أنه يريد توبيخه؟
انسحب جيانغ لي إلى زاوية خالية وفعل الرمز.
"سيدي الرئيس، هناك أمر..."
بدأ القائد ليو.
قاطعه جيانغ لي بسرعة محاولاً التملص:
"آه.. القائد ليو، في الحقيقة.. بطني تؤلمني جداً الآن!".
ساد صمت مطبق ومحرج عبر الأثير.
خبير في مرحلة الماهايانا، أقوى كيان في الكون، يدعي أن بطنه تؤلمه؟ هل ابتلع جيانغ لي سماً يفتك بالخالدين مثلاً؟
قال القائد ليو أخيراً بنبرة مجهدة:
"ربما يجدر بك الذهاب للمرحاض أولاً.. الأمر ليس عاجلاً لهذه الدرجة".
رد جيانغ لي بتكلف:
"آه، لا بأس، لقد خف الألم فجأة، قل ما عندك".