الفصل 17: العقاب الرادع (2)
الفصل 17: العقاب الرادع (2)
"أنا، لويد فرونترا، ابن أركوس فرونترا، لدي ما أقوله بصفتي وريث هذه الإقطاعية."
دوّى صوت لويد ليملأ أرجاء ساحة التدريب.
وفي لمح البصر، اتجهت أنظار الجميع نحوه.
بلع أحد المزارعين ريقه بتوتر، بينما قبض حطاب على يديه دون وعي، واصطكت أسنان بعض الحرفيين من شدة الترقب والوجل.
كان المشهد أبعد ما يكون عما توقعوه؛ فقد هُزم السير نيومان، الفارس الأول للإقطاعية.
لقد هُزم شر هزيمة على يد لويد، ابن البارون، ذلك الشاب الذي ظنوه مجرد متهور لا يفقه في القتال شيئاً، وكانت هزيمته ساحقة ومذلة.
هذا الحدث وحده كان كفيلاً بزعزعة الإقطاعية بأكملها.
لكن الأمر لم ينتهِ عند هذا الحد.
فحتى بعد انتهاء المبارزة، واصل لويد ضرباته بلا رحمة، مما دفع البارون نفسه للتدخل والوقوف في وجهه مستنكراً.
غير أن رد لويد كان أكثر جرأة؛ إذ اتهم السير نيومان صراحة بخيانة الإقطاعية وسيدها.
في تلك اللحظة، شك الجميع في مسامعهم.
لكن ملامح البارون، بعد أن قرأ رسالة غامضة سلمها له لويد، شحبت تماماً؛ انهارت ركبتاه وجلس على الأرض مذهولاً، وعيناه مسمرتان على السير نيومان بنظرات يملؤها الصدمة والانكسار.
عندها فقط، أدرك الحاضرون خطورة الموقف.
"هل كلام السيد لويد صحيح حقاً؟"
من ردة فعل البارون، بدا أن الأمر لا يحتمل الشك.
إذن، ما المصير الذي ينتظر السير نيومان الآن؟
اتجهت أبصار سكان الإقطاعية المتجمعين حول الساحة نحو لويد، منتظرين بترقب الإعلان الذي سيصدر من بين شفتيه.
شعر لويد بوطأة تلك الأنظار المسلطة عليه.
'الآن تبدأ المناورة الحقيقية.'
كم من الحسابات المعقدة أجراها ليصل إلى هذا الموقف بالذات؟
لقد رتب كل ما يتذكره من أحداث الرواية الأصلية "فارس الدم الحديدي"، ووضع في اعتباره الوضع المالي المتردي للإقطاعية، وتشابك العلاقات والمشاعر، متوقعاً كل تغيير قد يطرأ على مجرى الأحداث بسبب أفعاله.
بمعنى آخر، صمم عشرات السيناريوهات واحداً تلو الآخر ليقود المشهد إلى هذه النقطة المحددة.
وبالتأكيد، كان رد فعل البارون المتوقع جزءاً أساسياً من حساباته.
'إذا طالبت بعقوبة بالغة القسوة الآن، فقد يأتي ذلك بنتيجة عكسية.'
فالبارون رجل طيب القلب ورقيق المشاعر بطبعه.
حتى لو ثبتت خيانة السير نيومان، فلن يقوى على إصدار حكم بالإعدام فورا.
لذا، إذا اقترح لويد قطع رأسه علناً، فقد يتدخل البارون بدافع الشفقة ويرفض الأمر، مما يفسد المخطط.
'حان وقت نصب الفخ.'
في النهاية، دوره يقتصر على تقديم المشورة، بينما يبقى القرار النهائي بوجوب العقوبة في يد البارون.
إذن، عليه أولاً أن يستدرج البارون إلى ملعبه، وعندها فقط سيحصل على النتيجة المطلوبة.
تنحنح لويد بصوت مسموع، ثم قال:
"إنه قرار صعب للغاية. نعم، حتى بالنسبة لي. فالسير نيومان قضى سنوات طويلة في خدمة إقطاعيتنا، وقدم إسهامات وإنجازات لا يمكن إنكارها."
"همم، أكمل يا بني."
بدا البارون متفاجئاً من دفاع لويد غير المتوقع عن السير نيومان، فأمال رأسه بفضول واستغراب.
واصل لويد حديثه بنبرة رصينة:
"بالطبع، ما تكشف اليوم من خيانة وأفعال مخزية يظل صدمة كبرى؛ فقد غدر بسيده وألحق ضرراً فادحاً بالإقطاعية."
عقب البارون:
"إذن، تقصد أن له من الحسنات ما يوازي سيئاته؟"
"بالتأكيد."
لحسن الحظ، كان التفاهم بينهما سريعاً، فالبارون طيب، لكنه ليس غبياً.
تساءل البارون:
"إذن، نزن الحسنات بالسيئات؟ هل تقترح أن نتعامل مع الأمر بعد النظر في كامل تاريخه الخدمي؟"
"بالظبط."
"أوه، بما أنك تتحدث بهذه الثقة، فلا بد أنك تحمل في ذهنك عقوبة محددة."
"بالطبع."
ارتسمت على وجه لويد ابتسامة خفيفة، ثم قال بلهجة عادية وكأنه يتحدث عن أمر تافه:
"ما رأيك أن نُسقط 'فأراً' على رأسه؟"
"...فأراً؟"
"نعم."
واصل لويد شارحاً:
"نسقط فأراً على رأس السير نيومان. وإذا نجا ولم يصب بأذى، فما رأيك أن نمنحه فرصة للتكفير عن ذنبه؟"
"فرصة للتكفير؟ تعني..."
"أرى أن تجريده من رتبته وخفضها إلى جندي عادي سيكون عقاباً مناسباً."
"هل تقصد أن يخدم كجندي بسيط ليعيد إثبات ولائه ويندم على ما اقترفه؟"
"نعم، هذا ما أقصده تماماً."
"..."
صمت البارون مفكراً.
أما بارونة الإقطاعية، فقد قبضت على يديها بقلق دون أن تشعر.
سرعان ما كسر سكان الإقطاعية صمتهم، وبدأوا يتبادلون الهمسات والنظرات المتوجسة.
"يا صاح، ما الذي يعنيه بهذا؟"
"هل سمعته حقاً؟ قال إنه سيسقط فأراً؟"
"نعم، سمعت ذلك بوضوح. سيسقطون فأراً على رأس السير نيومان!"
"هل هذه هي العقوبة؟ مجرد فأر؟"
"لا أدري، ربما هناك سر وراء الأمر؟"
هز أحد المزارعين كتفيه حائراً، وأمال حطاب رأسه بعدم فهم. لم يستوعب أحد هذا الطرح.
"هل يعقل أن يتأذى أي إنسان من مجرد سقوط فأر على رأسه؟"
"حسناً، ربما يكون ذلك ممكناً في حالة واحدة."
"كيف؟"
"أنا مثلاً أرتعب من الفئران! لو سقط أحدها علي، سأصرخ مذعوراً وأتعثر لأقع على الأرض."
"لكن السير نيومان فارس قوي، أليس كذلك؟ مستحيل أن يتصرف هكذا."
"هذا صحيح، إنه فارس في النهاية."
حتى النساء بدأن يتهامسن بفضول، محاولات استنباط المغزى من هذا العقاب الغريب، لكن مهما فكرن، لم يجدن أي طريقة يمكن أن تلحق الأذى بالفارس جراء سقوط فأر.
وهكذا، فسر الجميع اقتراح لويد بأنه باب للرحمة والتسامح.
تساءل السير بايرن الذي كان يقف قريباً بفضول:
"يبدو أن السيد لويد يريد العفو عنه وتجنيبه الموت، أليس كذلك يا خافيير؟"
أومأ خافيير برأسه هادئاً:
"يبدو كذلك."
"ربما رأى أن هذا القدر من العقوبة كافٍ لردعه؟"
"السيد لويد؟"
علق خافيير بنبرة مشككة.
"نعم، أليس هذا ما يظهر؟"
تابع خافيير موضحاً:
"لقد تجرع السير نيومان كأساً مريراً من الإذلال أمام الجميع. وحتى لو نجا بحياته، فإن المهانة التي تنتظره كجندي عادي بعد أن كان الفارس الأول لن تنتهي بسهولة."
"بالتأكيد، تجريده من رتبته كفارس وإجباره على الخدمة كجندي بسيط هو قمة الإذلال."
"نعم، لكن..."
"لكن ماذا؟"
"هناك خطب ما."
"خطب ما؟"
"اقتراح السيد لويد هذا غريب للغاية ومفاجئ."
نظر إليه السير بايرن باستغراب، وبعد لحظة من الصمت والتحليل، قال خافيير:
"هذا اللطف المفرط والتسامح المفاجئ لا يناسبان السيد لويد أبداً. في اعتباري، هذا الرجل... بل هذا الوحش، ليس من النوع الذي يغفر ويسامح بهذه البساطة."
كان خافيير صادقاً تماماً في تقييمه.
فطوال الفترة التي قضاها في حراسة لويد ومراقبته عن كثب، أدرك أن السيد الشاب ليس بتلك الطيبة بأي حال من الأحوال.
'إنه لئيم، بل لئيم للغاية. دقيق، مثابر، وحساباته دنيئة دائماً.'
هو ليس بالضرورة شخصاً شرير المعتقد، لكنه بالتأكيد أبعد ما يكون عن ملاك رحيم؛ لديه جانب حقود لا يصدق، ولا يقبل الخسارة تحت أي ظرف.
باختصار، هو شخص نفعي ومحنك لأقصى درجة.
كان هذا هو الاستنتاج الحقيقي الذي توصل إليه خافيير بشأن لويد مؤخراً.
'لا بد أن وراء الأكمة ما وراءها.'
لقد تغير هذا الرجل بشكل جذري في الآونة الأخيرة؛ إذ توقف عن التصرف كابن عاق مستهتر، واستبدل ذلك بجدية صارمة وجشع مفرط في جمع المال.
لقد كان يحسب أجور عمال الإقطاعية بدقة متناهية، وإذا لاحظ نقص عملة واحدة، فلن يتردد في الركض ليلاً لانتزاعها.
وهل اقتصر الأمر على هذا؟
'ماذا عن خدمة أغنية النوم تلك؟ ذلك الأسلوب الغريب الذي يسيطر به علي تماماً.'
كان يطرح مصطلحات غريبة وشروطاً تعجيزية كل ليلة قبل تقديم الخدمة.
بفضل تلك الأغنية، كان خافيير يحظى بنوم عميق ومريح للغاية، لدرجة جعلته يشعر بالسعادة الغامرة في البداية وكأنه ملك الدنيا.
لكن سرعان ما أدرك الفخ.
'لأن الثمن كان باهظاً للغاية.'
بات يتعرض لابتزاز مبطن من السيد الشاب عدة مرات في اليوم:
"إذا لم تدربني على فنون السيف اليوم، سأوقف خدمة أغنية النوم فوراً."
"أتعلم أن أسلوب قلب جبال أزول هو ملكية مشتركة بيننا الآن؟ إذا لم تعترف بهذا، فودع أغنية النوم الليلة."
"آه، أشعر ببعض العطش. لكن أتعلم؟ إذا أحضرت لي شراباً بارداً بسرعة، فقد أمدد لك خدمة أغنية النوم ليوم إضافي."
هكذا كان يبتزه بلا هوادة.
لم يشهد خافيير استبداداً يفوق هذا؛ لقد شعر وكأنه ثور يقاد من أنفه، يعيش كل يوم تحت وطأة هذا الابتزاز اللطيف.
ولم يكن قادراً على الفلات من قبضة لويد، بل لم يجرؤ حتى على التفكير في ذلك.
والسبب ببساطة؟ أن خدمة أغنية النوم التي يقدمها لويد كانت لذيذة ومغرية بشكل لا يقاوم!
'...آه، كلما فكرت في الأمر أشعر بمدى بؤسي. على أي حال، هل يمكن لشخص بمثل هذا الدهاء والحرص أن يغفر للسير نيومان الذي تجرأ على خيانته وتحديه؟ هذا مستحيل. لو كان لويد القديم السكير لربما صدقت، أما لويد الحالي فلن يدع خصمه يفلت بسهولة.'
بالتأكيد هناك مكيدة شيطانية تدور في عقل هذا الرجل.
مع هذه الشكوك، ضيق خافيير عينيه وحدق بنظرات ثاقبة نحو لويد.
بالطبع، كان خافيير الشخص الوحيد في الساحة الذي يرى أبعد من قناع الرحمة الذي يرتديه لويد، بينما انخدع الباقون تماماً بـ "التسامح" المفاجئ الذي أبداه السيد الشاب.
وكان البارون فرونترا أكثرهم تأثراً وابتهاجاً.
'حسناً فعلت يا لويد. لقد اتخذت قراراً متزناً وحكيماً.'
أومأ البارون في سريرته بارتياح كبير؛ فقد كانت هذه اللفتة مفاجأة سارة له.
'كنت أظنه سيبقى طفلاً طائشاً لا يدرك عواقب الأمور.'
لكنه أدرك الآن كم كان مخطئاً بحق ابنه؛ فلويد قد نضج وأصبح رجلاً حكيماً يعرف كيف يدير الأمور بمثالية.
'عظيم، الآن تتضح الأسباب. كنت أتساءل لمَ افتعل شجاراً مع السير نيومان، الفارس الأول للإقطاعية. يبدو أنه كان على علم بخيانته منذ البداية.'
لذا، افتعل الخلاف عمداً، ورتب لهذه المبارزة العلنية، لينزل بالخائن عقاباً رادعاً يشهده الجميع.
'نعم، أراد ضرب عنق الفتنة وتحذير البقية بيقظته، وفي نفس الوقت أظهر رحمة ذكية في اللحظة الحاسمة ليحمي مصالح الإقطاعية.'
كلما فكر البارون في الأمر، بدا له ابنه عبقرياً فذاً.
فحتى لو كان السير نيومان خائناً، إلا أنه يظل فارساً قوياً ومورداً بشرياً لا يستهان به.
'وتوظيف فارس بمستواه ليس بالأمر السهل قط.'
ففي النهاية، هذه إقطاعية ريفية نائية ومنعزلة، وهي بيئة غير جاذبة للفرسان المهرة، خاصة من وصل منهم لمرتبة خبير السيف.
'إذن، لقد وطد انضباط الإقطاعية عبر عقوبة حاسمة ومذلة، ثم قدم فرصة للتوبة والإصلاح بدافع الرحمة، ليضمن ولاء الفارس مجدداً ويستفيد من قدراته القصوى. يا له من تدبير عبقري!'
ولا بد أن السير نيومان قد تأثر بهذا الكرم البالغ الذي أنقذ عنقه من مقصلة الموت، وسيندم بصدق على غدره ليصبح خادماً مخلصاً للإقطاعية من الآن فصاعداً.
شعر البارون بدفء يغمر صدره وفخر لا تسعه الدنيا وهو يرى رجاحة عقل ابنه وحساباته الدقيقة، حتى كادت عيناه تدمعان من شدة التأثر.
كتم البارون تأثره وأومأ بالموافقة قائلاً:
"حسناً يا لويد، أنا أقبل اقتراحك الحكيم. السير نيومان، ما قولك؟ هل تقبل بهذه الفرصة للتكفير عن ذنبك؟"
"نعم! أقبل بكل امتنان!"
رفع السير نيومان رأسه المنكس فوراً. ورغم حالته المزرية وهزيمته النكراء، إلا أنه كان يستمع بكل حواسه لكل كلمة تقال، وقد كان اقتراح لويد بمثابة طوق نجاة غير متوقع له.
'مجرد إسقاط فأر على رأسي؟ وإذا لم أصب بأذى يغفر لي؟ بالطبع سأقبل بهذا الشرط التافه!'
سينجو بجلده اليوم، وسيُغلق هذا الملف المهين.
ثم ماذا بعد؟
'توبة؟ والخدمة كجندي عادي؟ هراء!'
لم يكن لديه أي نية لتحمل مثل هذا الإذلال المهين.
'سأغادر هذه الإقطاعية البائسة فوراً في أول فرصة، وسأعود لأنتقم شر انتقام.'
شحذ أسنانه حقداً، لكنه حرص على رسم ملامح الندم والتوبة الزائفة على وجهه، وقال للبارون بصوت يرتجف تملقاً:
"سأثبت ولائي فوراً. أرجوك يا مولاي، امنحني الشرف لأخضع لاختبار السيد لويد الحكيم."
"حسناً."
أومأ البارون برأسه، ثم التفت إلى ابنه:
"لويد، هل الفأر الذي ستسقطه على رأس السير نيومان جاهز؟"
"بالتأكيد يا أبي. كنت أتوقع موافقتك فجهزته مسبقاً."
"ممتاز، إذن باشر التنفيذ."
"علم وينفذ."
أخيراً، نال لويد الإذن والموافقة.
في تلك اللحظة، ارتسمت ابتسامة خبيثة على زاوية فم السير نيومان ظناً منه أنه نجا، بينما قابلتها ابتسامة أكثر شراً وشيطانية على شفتي لويد.
"ما الأمر يا سير نيومان؟ أراك تبتسم؟ هل أنت سعيد إلى هذا الحد؟"
"عفواً؟"
"حسناً، أبارك لك. لا بد أنك مستبشر بالحصول على فرصة ذهبية للتوبة، أليس كذلك؟"
"ماذا... ماذا تقصد؟"
أمال السير نيومان رأسه بتوجس غريب؛ فالأجواء كانت تدعو للبهجة، لكن ملامح لويد وابتسامته الباردة أثارت في نفسه رعباً مبهماً.
"ماذا أقصد؟"
اتسعت ابتسامة لويد لتصبح غاية في الخبث والدهاء، بينما كان يمسك في إحدى يديه هامستراً صغيراً لطيف المظهر، وفي يده الأخرى بذرة عباد شمس بلون أحمر قرمزي.
كان هذا المشهد مرئياً فقط للسير نيومان الجاثم على مقربة منه.
"ليس هناك طريقة للتكفير أفضل من هذه يا عزيزي."
"ماذا...؟"
وقبل أن يستوعب السير نيومان الكلمات.
*قرمش!*
التقم الهامستر البذرة الحمراء وقضمها بابتلاع سريع.
ألقى لويد بالهامستر الصغير في الهواء وتراجع بخطوات سريعة إلى الخلف.
ثم...
*بوم!*
"بودهون! اسحقه!"
"بودهون!"
"..."
وفجأة، ظهر هامستر عملاق بطول عشرة أمتار، ليهبط بجسده الضخم كالجبل مباشرة فوق السير نيومان مسبباً زلزالاً في الأرجاء!