الفصل 299: لم نلتقِ منذ أيام، وما زلتَ متأنقاً كما عهدتك

الفصل 299: لم نلتقِ منذ أيام، وما زلتَ متأنقاً كما عهدتك

وجبة قدر ساخن واحدة كانت كفيلة بتبديد كل الافتراءات التي أطلقها لين تشاو يانغ وتشو يون تيان بحقه. كما أصدر الإمبراطور أمره شخصياً بأن يتولى تشن تشانغ آن تسوية أوضاع فلول الزهرة الحمراء على أكمل وجه، على ألا يُعقد قرانه على الأميرة الكبرى إلا بعد الفراغ من سائر تلك المهام.

وبعد أن نال موافقة الإمبراطور ومباركته، لم يدخر تشن تشانغ آن جهداً؛ فاليوم باتت كل الترتيبات جاهزة. اختفى شارع "بين داو داو" التجاري وحلت مكانه لافتات مطعم القدر الساخن، وفي الجهة المقابلة تماماً، انتصب مسرح شياو شيانغ الكبير.

ومع حلول المساء، غصّت الشوارع على الجانبين بالحشود، حتى فاق المشهد صخب احتفالات رأس السنة وبهجتها!

«لا تدفعوا، لا تتدافعوا! لقد أوشكتم على عصر بطني حتى أنجب طفلاً!»

«إن كنتِ ستنجبين فعودي إلى دارك! أما أنا فلا بد أن أتذوق حساء اليشم الأبيض، يقال إن الإمبراطور المؤسس نفسه قد شربه من قبل!»

«سمعتُ أن جلالة الإمبراطور قد يشرفنا بحضوره إلى هنا الليلة، تُرى أهذا الخبر صحيح؟»

«بالتأكيد! وهل يعقل ألا يدعم حَمٌ صهره؟!»

«آه... كم أغبط السيد تشن حقاً...»

كانت العامة تتجاذب أطراف الحديث بحماسة. وبين تلك الجموع، تواجد عمال "هو دي يونغ" السابقون، وما إن لمحوا تشن تشانغ آن حتى لوّحوا بأذرعهم بكل ما أوتوا من قوة:

«سيدي تشن، نحن نحبك!»

«هاهاها!»

استغلت الخادمات عتمة الليل ليعبرن عن إعجابهن ومحبتهن بجرأة. وجد تشن تشانغ آن الموقف طريفاً، فمشى نحوهن مبتسماً: «ما الذي أتى بكن إلى هنا؟»

«سيدي تشن، ألا يحق لنا المجيء؟»

«أجل، أجل! لقد تفضلتم بتقديم حساء اليشم الأبيض بالمجان، وجئنا لنتذوقه طازجاً!»

«لا تشغل بالك بنا يا سيدي، وانصرف إلى مشاغلك!»

هزّ تشن تشانغ آن رأسه قائلاً: «لم أقصد ذلك، بل أعني: لمَ تقفن هكذا متكدسات بين عامة الناس؟»

تجمدت الفتيات في أماكنهن بدهشة؛ إن لم يقفن مع العامة، فمع من يقفن إذن؟

التفت تشن تشانغ آن وقال مبتسماً: «جينغ يي، خصصي ممراً خاصاً بالموظفين في الردهة. اليوم يوم بهيج لنا، وقدومهن تشريف وتقدير لمكانتنا، فلا بد من إكرامهن بأفضل طعام وشراب».

«اطمئن، سأتولى الأمر». لوّحت سون جينغ يي بيدها، فأفسح حراس النظام طريقاً وممراً خاصاً.

ورغم أن الممر قد فُتح أمامهن، إلا أن أياً من الخادمات لم تجرؤ على الخطو داخله.

قلن بامتنان ووجل: «سيدي تشن... نحن مجرد خادمات، ولا نستحق منك كل هذا التقدير والاهتمام. كرمك ولطفك على رؤوسنا، جئنا فقط لنشهد هذه الأجواء الاحتفالية، وسنعود بعد قليل إلى منازلنا.»

«عودة؟ أي عودة هذه؟! أهكذا يعامل تشن تشانغ آن أهله وخاصته؟!» وبخهن تشن تشانغ آن بنبرة حانية ومصطنعة الحدة: «إن طلبتُ منكن الدخول فادخلن دون جدال، أنتن جميعاً إخوتي وأخواتي. وعلاوة على ذلك، من أرادت منكن مستقبلاً دعوة أقاربها لتناول وجبة، فلتأتِ بكل ثقة، وستُحسب التكلفة لكن بسعر التكلفة المجردة فقط!»

وقعت تلك الكلمات على قلوب الخادمات كالغيث، فشعرن في لحظتها أنهن حظين بأعظم رب عمل في الوجود! ولم يكن لديهن مانع من بذل أرواحهن من أجله طوعاً، فما بالك بإتقان العمل والتفاني فيه؟!

«عاش النابغة! عاش النابغة!»

هتف الجميع بدهشة وإكبار، وقد بلغ إعجابهم بتشن تشانغ آن ذروته!

«أتريدون قتلي؟!» صكّ تشن تشانغ آن على أسنانه وهز رأسه ضاحكاً؛ فهل يُقال هتاف "عاش الإمبراطور" هكذا جزافاً؟!

دخلت الفتيات وهن يتبادلن الضحكات والأحاديث، ليكنَّ أول دفعة من الزبائن تطأ أقدامهن مطعم "هايديلاو"، وكانت أواني حساء اليشم الأبيض موضوعة سلفاً على كل طاولة.

أما العمة هونغ، التي تولت إدارة مسرح شياو شيانغ، فقد وقفت بقوامها الفاتن وخصرها المتمايل، وهتفت بصوت جهوري موجهة حديثها للجميع:

«أيها الأحبة والأهل الأكارم، أهلاً وسهلاً بكم جميعاً في المأدبة الكبرى لافتتاح مطعم هايديلاو! كما يصادف اليوم افتتاح مسرح دار شياو شيانغ، حيث يمكنكم التلذذ بالقدر الساخن والاستمتاع بمشاهدة أروع العروض المسرحية، مع خصم عشرين بالمئة على جميع النفقات والطلبات! والآن... فلتُفتح الأبواب، ونعلن بدء العمل رسمياً!»

وما إن أصدرت العمة هونغ إشارتها حتى انفتحت الأبواب على مصراعيها، فاندفعت الجموع إلى الداخل كالسيل الجارف!

سارع الميسورون إلى حجز الغرف لتجربة مذاق "هايديلاو"، بينما تدفقت الغالبية العظمى من البسطاء للحصول على حساء اليشم الأبيض المجاني!

لم يكترث تشن تشانغ آن للتكلفة؛ فالمهم عنده هو زخم الحضور واحتشاد الناس. ونظر إلى الأبواب المزدحمة بملء الرضا، مبتسماً وهو يستقبل الضيوف القادمين من كل حدب وصوب.

«وصل ضيف كريم!»

هتف رجال الأمن المكلفون بحفظ النظام عند البوابة بصوت عالٍ: «الآنسة يان تشينغ من قصر لي، تهنئ السيد تشن بافتتاح مبارك لمطعم هايديلاو!»

لقد حضرت يان تشينغ!

كان معظم الحاضرين من عامة الشعب الذين لم يُتح لهم قط رؤيتها من قبل. أقبلت يان تشينغ بخطى رشيقة هادئة، وخلفها خادمتها تحمل الهدايا، ثم انحنت برقة لتؤدي تحية المودة والاحترام لتشن تشانغ آن.

حرّكت يان تشينغ شفتيها القرمزيتين قائلة بدلال: «أهلاً بصاحب المطعم تشن!»

هز تشن تشانغ آن رأسه وابتسم بخفة: «أي صاحب مطعم أنا؟ هذا المشروع يتبع ليو رو غه.»

«أليس هايديلاو ملكك أنت؟»

لم يُفضِ تشن تشانغ آن بالمزيد، بل اكتفى بابتسامة وإيماءة خفيفة.

وتوالى توافد كبار الضيوف والوجهاء تباعاً:

«وصل ضيف كريم! محافظ جيانغ دو يهنئ بالافتتاح المبارك!»

«وصل ضيف كريم! وزير الأشغال يهنئ بالافتتاح المبارك!»

«وصل ضيف كريم! وزير المراسم يصطحب النجمة الأولى لفرقة تشيلين المسرحية، تشن لو، للتهنئة بالافتتاح العظيم!»

استبدت الدهشة بتشن تشانغ آن، فالتفت ناظراً إلى يان تشينغ.

بدت علامات الحيرة والذهول على وجه يان تشينغ أيضاً، وترددت لحظة قبل أن تهمس: «وزير المراسم يُدعى ليو تشينغ، وفرقة تشيلين المسرحية التي أسسها تُعد إحدى فرائد إمبراطورية تشو. وتشن لو... أليست تشن لو هي أختك الثامنة؟»

ابتسم تشن تشانغ آن ببرود وجفاء: «أنا حتى لا أملك والدين، فمن أين تأتيني أخت ثامنة؟»

«ما العمل إذن؟ هل نطردهم؟»

لوت يان تشينغ شفتيها بابتسامة خفيفة وقالت: «القادم ضيف، فكيف نطرد ضيوفنا؟ لقد قابلتُ ليو تشينغ مرتين من قبل، دعني أستقبلهما نيابة عنك.»

وقبل أن يتمكن تشن تشانغ آن من الرد، تقدم وزير المراسم نحوه وضَمّ قبضتيه محيياً: «سيدي تشن، عذراً على الإزعاج والتقصير.»

كان هذا الرجل من بين الذين هاجموه وقدموا فيه عرائض اتهام في البلاط الإمبراطوري آنذاك، لذا لم يكن تشن تشانغ آن يكنّ له أدنى ود.

فقال تشن تشانغ آن بجفاف: «سيدي ليو، هل جئت اليوم لتحاسبني لأن مسرح شياو شيانغ قد خطف لقمة عيشك؟»

أطلق ليو تشينغ ضحكة عريضة، بينما تدخلت تشن لو من جانبه قائلة بتهكم: «يا تشن الأبله! زيارة السيد ليو وتفضله بالحضور إلى هنا بركة تصاعد دخانها من قبور أجدادك! هه، مجرد فرقة هواة وُضعت على عجل، كيف تجرؤ على مقارنة نفسها بفرقة تشيلين المسرحية؟! إياك أن تجعل من نفسك أضحوكة تثير السخرية!»

عقد تشن تشانغ آن حاجبيه استياءً، فسارعت يان تشينغ لتلطيف الأجواء قائلة: «كلام الأميرة الثامنة في محله؛ فما أراده تشانغ آن هو منح فلول الزهرة الحمراء سبيلاً للعيش، ولم يكن في نيته قط مزاحمتكم في أرزاقكم. وبما أن السيد ليو قد تشرّف بالحضور، فيسعدني أن أدعوكم لتناول وجبة قدر ساخن، ولنستشيركم في بعض مسائل النغم والألحان.»

كان مجيء تشن لو في الأصل بغرض الشماتة ورؤية تشن تشانغ آن وهو يتحول إلى مهزلة. فهي لا تصدق أبداً أن فرقة تم تجميعها على عجل، دون أن يتلقى أفرادها تدريباً مسرحياً ممنهجاً، يمكنها أن تحقق أي نجاح يذكر!

ضحكت بسخرية واستهزاء، ورمقت تشن تشانغ آن بنظرة ملؤها الازدراء: «حسناً إذن، فلنتذوق هذا القدر الساخن، ولنرَ كيف سيبتذل تشن الأبله نفسه ويفضح أمره! لمَ لم تبدأ العروض بعد؟ إنني أتطلع لرؤية ذلك حقاً!»

تبعت تشن لو يان تشينغ ودخلتا إلى مطعم هايديلاو، في حين كانت العمة هونغ تكزّ على أسنانها غيظاً وحنقاً. لكنها فكرت بينها وبين نفسها أن كلام تشن لو ربما يحمل جانباً من الحقيقة.

سألت بقلق: «أيها النابغة... هل سننجح حقاً؟ لا أشعر بالاطمئنان في داخلي...»

«كوني جريئة، سننجح حتماً!» هز تشن تشانغ آن رأسه وابتسم مشجعاً: «لقد بذلنا جهداً طويلاً وتعبنا في التحضير، ولا بد لنا من استعراض مهاراتنا أمام الجميع. ثقي تماماً أن كل شيء سيكون على ما يرام!»

تنهدت العمة هونغ تنهيدة خافتة، وملامح القلق والغم تغمر وجهها لما يخبئه المستقبل.

وفي تلك اللحظة بالذات، دوّى من عند البوابة صوت يرتجف رهبة وإجلالاً:

«وصل ضيف كريم!»

«سمو ولي العهد شيانغ وانغ يهنئ بافتتاح هايديلاو، ويهدي مائة ألف تايل من الفضة النقية!»

«فليحيَ سمو ولي العهد ألف عام، وألف عام، وآلاف الأعوام!»

خرّ الجميع على ركبهم ساجدين للأرض، ورفع تشن تشانغ آن رأسه، ليرى شيانغ وانغ يرتدي ثياباً مدنية اعتيادية، ويتهادى نحوه بخيلاء واعتداد تحرسه أربعة من نخبة الحرس الذهبي.

لم نلتقِ منذ أيام، وما زلتَ متباهياً متصنعاً كعادتك!