الفصل 93: الوشاية والخداع (1)

الفصل 93: الوشاية والخداع (1)

في غابر الأزمان، وفي حقبة موغلة في سحيق الدهور، حيث كانت الأساطير تُنسج من خيوط الواقع المرير، كان هناك جندي يرسف في أغلال البطء والخمول. لم تكن حركته تتسق مع إيقاع العسكرية الصارم، بل كان جسده يترنح كأنه يحمل أوزار العالم فوق كاهله، مما جعله هدفاً مستباحاً لركلات القادة العسكريين القدامى وصفعاتهم التي كانت تنهال عليه كزخات المطر في ليلة شاتية. كان ذلك الجندي المسكين يقضي ليله في مناجاة صامتة، يرفع بصره نحو السماء المرصعة بالدرر، هامساً بقلب مكلوم 'أيها النجم الساطع في كبد السماء، أيتها النجوم التي ترقبين مآسي البشر، أتوسل إليكما أن تمنحاني معجزة تحسن علاقتي بهؤلاء القادة القساة، وتجعل قلوبهم تلين لصبري'.

ويا لغرابة القدر وعجائب التصاريف! لقد استجابت السماء بطريقة لم تخطر ببال ذلك الجندي البائس قط. فلم تنزل الرحمة في قلوب القادة، بل هبط "النجم" بنفسه إلى قلب المعسكر! ولم يكن ذلك النجم جِرماً سماوياً بارداً، بل كان قائداً عسكرياً يحمل رتبة "اللواء" بنجمتين تتلألآن على كتفيه ببريق يبعث الرعب في النفوس. وأمام غضبه الساطع الذي كان يشبه اندلاع بركان خامد، لم يجد هؤلاء القادة سيئو النوايا مفراً من مصيرهم المحتوم، حيث أُرسلوا جميعاً، دون استثناء أو إبطاء، إلى غياهب الزنزانات الانفرادية، مشحونين كبضاعة فاسدة لا قيمة لها. آه، يا لها من نهاية تثلج الصدور، نهاية سعيدة تليق بقصص العدالة الناجزة.

انثنى جانب شفة لويد في ابتسامة خفيفة، ابتسامة امتزج فيها التهكم بالرضا وهو يستحضر تلك الذكريات البعيدة. فجأة، وبدون سابق إنذار، جرفته أمواج الذاكرة إلى أيامه الخوالي في الخدمة العسكرية الإلزامية، حين كان مجرد ترس صغير في آلة الحرب الضخمة. تذكر رفيقاً له دخل المعسكر في اليوم ذاته، فتى كان يملك قلباً أبيض كالثلج، لكنه لم يكن مهيأً بأي حال من الأحوال لخشونة الحياة العسكرية وضجيجها. كان ذلك الفتى يتسم ببطء في الحركة يثير حنق الرقباء، وبطء في الفهم يجعل التعليمات تمر فوق رأسه كالسحاب العابر. وعلاوة على ذلك النحس الذي لازمه، كان حظه عاثراً لدرجة تجعله يقع دائماً في طريق قادة يملكون طباعاً بغيضة ونفوساً مريضة تتلذذ بإذلال الآخرين.

لقد كان يُستدعى كل يوم تقريباً، لا لشيء إلا ليُعاقب بوحشية لا تعرف الرحمة، بل وكان يتعرض لما هو أنكى وأمرّ من ذلك مراراً وتكراراً خلف الأبواب الموصدة. وبعد مرور أشهر من هذا الجحيم المستعر، وقف لويد أمام ذلك الفتى الذي كان يذرف دموع القهر ويفكر جدياً في الفرار من الخدمة، مخاطباً إياه بنبرة هادئة لكنها حادة كالنصل "لماذا تضيع وقتك في التفكير بالفرار الذي لن يجلب لك سوى الملاحقة والعار؟ بدلاً من ذلك، اذهب وبلغ عن تصرفات هؤلاء القادة الجائرة عبر نظام الشكاوي العسكري السري، واجعل القانون هو من يقتص لك".

ولم يمر سوى أسبوعين حتى انقلب المعسكر رأساً على عقب، وكأن زلزالاً ضرب أركانه. لم يقتصر الأمر على حضور قائد الفرقة بنفسه للتحقيق، بل سُحب جميع القادة الذين اعتدوا على رفيقه إلى الزنزانات الانفرادية، مجردين من رتبهم وهيبتهم. كانت تلك هي القوة الكامنة في الشكوى التي قدمها رفيقه، القوة التي لا يستهان بها حين توضع في يد المظلوم. وهكذا، استعاد رفيقه كرامته وأصبح سعيداً، في نهاية سعيدة صاغها لويد بذكائه ودهائه المعهود.

'تباً، لقد كان هذا اليوم مطابقاً لتلك الأيام الخوالي بكل تفاصيلها المثيرة'.

تنهد لويد بعمق وهو يشرع في خلع رداء التشريفات الملكي المزعج، ذلك الرداء الذي كان يضغط على صدره برسميته المفرطة. ألقى بربطة العنق التي فك عقدتها للتو على كرسي غرفة النوم، لتتدلى برخاوة كأنها ثعبان ميت، ثم ألقى بجسده المنهك الذي استهلكته أحداث اليوم العاصفة على الأريكة الوثيرة. ومع هزة خفيفة من نوابض الأريكة، غمرته نعومة مريحة وشعور عميق بالاسترخاء تغلغل في مسامه، وترافق ذلك مع تدفق ذكريات الأحداث التي مر بها طوال اليوم، وكأنها شريط سينمائي يُعرض أمام عينيه.

'يا لها من نعمة عظيمة. لقد سار كل شيء وفقاً للمخطط الذي رسمته في مخيلتي بدقة متناهية، دون أن يحيد عنه قيد أنملة'.

الجسر المعلق، ذلك الصرح الهندسي العظيم الذي استنزف منه العرق والجهد، قد اكتمل بناؤه أخيراً ليقف شامخاً فوق المياه، شاهداً على عبقريته. وحفل الافتتاح الذي خُصص للاحتفال بهذا الإنجاز لم يكن مجرد مراسم عابرة، بل كان المنصة التي نال من خلالها لقب "الأستاذ الأعظم" من يد جلالة الملكة شخصياً، وهو لقب لم يُمنح لأحد من قبله بهذه السرعة. ولم يكتفِ بذلك، بل حصل أيضاً على مختلف الامتيازات والمكافآت المالية الضخمة التي وُعد بها، والتي ستكون حجر الزاوية في إنقاذ إقطاعية فرونتيرا من عثرتها. وفي خضم تلك الاحتفالات، ألقى بوشايته الكبرى كجائزة إضافية لنفسه، وشاية كانت بمثابة القنبلة الموقوتة التي انفجرت في وجه الفساد.

لم يستطع لويد أن ينسى تعبير وجه الملكة أليسيا وهي تستمع لوشايته، فقد كان منظراً يستحق التأمل. كانت ملامحها تزداد صرامة مع كل كلمة ينطق بها، وعيناها تلمعان ببريق مرعب بحق، بريق العدالة التي لا ترحم.

"تجاوزات؟ وانعدام للعدالة؟ بل وأكثر من ذلك، دناءة في صرح تعليمي؟"

تردد صدى صوت الملكة البارد في أرجاء القاعة، صوتاً كان كفيلاً بتجميد الدماء في العروق. كانت الملكة أليسيا، كما عرفها الجميع وكما ذُكر في رواية "فارس الدم الحديدي"، تتسم بطابع عادل ومنصف بشكل صارم، وتمقت بشدة استقواء الأقوياء بظلمهم لإذلال الضعفاء. كانت هذه هي الحقيقة الراسخة في شخصيتها، على الأقل قبل أن تفقد ذراعها في حادثة محاولة اغتيال الملك المأساوية التي غيرت مجرى الأحداث في الرواية الأصلية. ولهذا السبب بالتحديد، وبناءً على فهمه العميق لشخصية الملكة، كان لويد متأكداً من أن وشايته ستؤتي ثمارها المرجوة، خاصة وأن الملكة كانت تمنحه ثقتها الكاملة في تلك اللحظة بالذات، بعد أن أثبت كفاءته المنقطعة النظير في بناء الجسر.

هذه هي الفرصة الذهبية، والفرصة في قاموس لويد يجب اقتناصها فور مجيئها بكل قوة، ومن يفوتها يُعد أحمق لا يستحق الحياة. وبعدما تيقن من أن الملكة قد ابتلعت الطعم، أومأ برأسه بكل قوة وجدية، متقمصاً دور المواطن الغيور على مصلحة المملكة.

"هذا صحيح يا مولاتي، والواقع أمرّ مما قد يتصوره الخيال".

والآن يبدأ الجزء الأهم، الجزء الذي يتطلب مهارة جراح في اختيار الكلمات بحرص شديد، وترتيب المفردات استراتيجياً لضرب الأوتار الحساسة في قلب الملكة.

"أجرؤ على رفع مقامك القويم، بأن الواقع الذي شاهدته في الأكاديمية الملكية كان بعيداً كل البعد عن الغايات السامية التي أُسست من أجلها. لقد تحولت منارة العلم إلى وكر للمؤامرات".

"بعيداً؟ إلى أي مدى تقصد يا لويد؟"

"أجل يا مولاتي، لقد انحرفت عن مسارها بشكل مخزٍ".

"أفدني بالتفصيل، ولا تخفِ عني شيئاً".

"حاضر يا مولاتي، سأضع الحقائق بين يديك كما هي".

وكما توقع تماماً، نجحت الخطة في استدراج اهتمام الملكة الكامل، فبث مزيداً من القوة والدراما في نبرته، وكأنه يلقي خطاباً تاريخياً.

"الطلاب الذين يُفترض بهم التفرغ للتحصيل العلمي وبناء مستقبل المملكة، يلهثون الآن خلف التكتلات والصراعات الحزبية المقيتة. وبدل التنافس في ميادين العلوم والحكم الرشيد، يتفاخرون بنفوذ عائلاتهم ومكانتها الطبقية. فأبناء عائلات الماركيز والكونت يتحالفون لقمع ابن الفيكونت، وبدوره يضطر ابن الفيكونت لسحق أطفال البارونات دفعاً للظلم عن نفسه بظلم من هو أضعف منه. والجميع يلوذون بالصمت المطبق خوفاً أو طمعاً. يضيعون وقتهم الثمين في تلذذ زائف بالسلطة عوضاً عن طلب العلم، ويتحطمون أمام جدار الطبقات البغيض عوضاً عن نسج الآمال لمستقبل العالم الذي ينتظرهم".

تلك الأفكار التي خبأها لويد في صدره طوال الأيام الماضية، والتي شحذها بحدّة السكين لأجل هذه اللحظة، أطلقها الآن دون تردد، كسهام مسمومة تستهدف كبد الفساد.

"بل وأسوأ من ذلك يا مولاتي، لم يكن موقف إدارة الأكاديمية، المفترض بها توجيه هؤلاء الطلاب وتقويم سلوكهم، بأفضل حال من الطلاب أنفسهم. فالمشرف الذي يتوجب عليه تقويم الاعوجاج يرتشي بالمال الحرام ليغض الطرف عن المظالم. والبروفيسور الذي عليه التحذير من مظالم الواقع ورهبتها، لا يخشى سوى غضب العائلات النبيلة الكبرى. أما العميد الذي يجب عليه اجتثاث هذا الواقع المذري من جذوره، فلا يفعل سوى إجهاض استغاثات طلاب العائلات المستضعفة ودفن شكواهم في مقابر النسيان".

لقد كانت حقائق دامغة، لم يأتِ بها لويد من فراغ. فقد بدأ الأمر برمته منذ ذلك اليوم الذي أخرج فيه جوليان من الأكاديمية لإنقاذه من براثن التنمر. وحتى وسط انشغاله المحموم ببناء الجسر المعلق، كان يتحين الفرص لجمع المعلومات بدقة الجاسوس المحترف. التقى بعمال النظافة الذين يرون ما لا يراه غيرهم، وبموظفي المطاعم الذين يسمعون همسات الطلاب، وحتى إنه تتبع أثر بعض النبلاء من ذوي الرتب المتدنية ممن تخرجوا من هناك ويحملون غصة في قلوبهم. ومن خلالهم، سمع عدداً لا يحصى من الشهادات والبلاغات عن شتى أنواع الفساد المخزي، من المشرف والعميد اللذين يتغاضيان عن المظالم مقابل الرشاوي، إلى أبناء النبلاء الكبار الذين يعربدون وكأن العالم ملكهم وحدها.

وهكذا، تراكمت تلك العادات السيئة، والتقاليد البالية، والظلم المتأصل كجذور فاسدة لا حصر لها في تربة الأكاديمية. فجمع لويد أكبر قدر ممكن من الشهادات، ووثق الأدلة بدقة متناهية، ثم أخرج تلك الحزمة من الأوراق الملفوفة من طيات ملابسه، وكأنها صك إدانة للتاريخ.

"هذه هي القائمة التي حققتها وجمعتها بنفسي يا مولاتي، وهي توضح بالتواريخ والأرقام متى وأين تلقى المتورطون في الأكاديمية رشاوى مالية. وقد أرفقت بجانب كل بند أسماء المتورطين والشهود المستعدين للإدلاء بشهاداتهم".

"هاتِ ما لديك وانشرها أمامي فوراً".

وبناءً على أمر الملكة الصارم، قام ببسط الأوراق على الطاولة الملكية بكل حرص واهتمام، وكأنه يعرض خريطة كنز مفقود. وما تلا ذلك كان أسرع من البرق، فقد كانت المستندات منظمة وواضحة بشكل مذهل، مع أدلة وشهدائهم مصطفين بإحكام لا يترك مجالاً للشك. وما إن تحققت الملكة من محتواها حتى تغيرت نظرة عينيها كلياً، وتقمصت تماماً دور قائد الفرقة الغاضب الذي هبط على المعسكر العسكري محملًا بالشكاوى، مستعدة لسحق كل من تسول له نفسه العبث بنظام المملكة.

"بمعنى أصح، سأقوم الآن باستدعاء جميع المعنيين وسحقهم فرداً فرداً، ولن تأخذني بهم رأفة".

تحدث لويد وهو يبتسم بتهكم بعدما خرج من دوامة أفكاره واستعاد وعيه باللحظة الراهنة، والتفت ليتفقد مدخل غرفة النوم، حيث كان جوليان واقفاً هناك بصمت يراقبه. بدا وجه الفتى أسمر قليلاً مقارنة بأول لقاء جمعهما قبل أشهر عدة، نتيجة العمل تحت أشعة الشمس الحارقة، وحتى بنيته الهزيلة التي كانت تشبه عود القصب تحسنت وأصبحت أكثر صلابة وقوة، ولكن ملامحه البريئة المستديرة المميزة ظلت على حالها، تحمل في طياتها دهشة الطفولة التي لم تلوثها الأيام تماماً. كان الفتى يراقبه بتردد وهدوء، وكأنه يرى شخصاً غريباً في جسد أخيه.

"إذا كان لديك ما تقوله، فقله ولا تقف هناك كالأبله".

ربت لويد بيده على المساحة الفارغة المجاورة له على الأريكة، داعياً إياه للجلوس. اقترب جوليان بخطوات مترددة، يحمل في مشيته مزيجاً من الاحترام والرهبة، لكنه عوضاً عن الجلوس بجانبه، وقف مكانه مكشراً عن أنفه بقليل، وكأنه يحاول استجماع شجاعته.

"أمم، حسنًا، إذن ماذا سيحدث الآن؟"

"ماذا سيحدث بخصوص ماذا؟ حدد سؤالك يا فتى".

"أقصد هؤلاء اللقطاء في الأكاديمية".

"آه، تقصد حثالة الأكاديمية الذين كانوا يظنون أنفسهم فوق القانون؟"

"أجل، هم بعينهم".

"هل تشعر بالقلق عليهم ربما؟ هل لا يزال في قلبك مكان للشفقة على من ظلموك؟"

"ليس لدرجة القلق، لكنني فضولي فقط لمعرفة مصيرهم".

حقاً، من الطبيعي جداً أن يشعر جوليان بالفضول، فهؤلاء هم من عذبوه لوقت طويل، وجعلوا حياته جحيماً لا يطاق، ناهيك عن كثرة من غضوا الطرف عن تلك المضايقات من المعلمين والإداريين. وها هم أولئك أنفسهم يتعرضون اليوم لبطش الملكة القاسي بفضل وشاية أخيه.

ابتسم لويد بسخرية لا تخلو من المرارة "وأنا لا أعلم أيضاً بشكل دقيق".

"هاه؟ كيف لا تعلم وأنت من دبرت كل هذا؟"

"ما عساي أدري بما سيحل بهم بالتفصيل؟ ليموتوا إن شاءوا، فالعالم لن يفتقد حفنة من الأوغاد".

"هل سيصل الأمر للقتل حتى؟ هل الملكة قاسية إلى هذا الحد؟"

"حسناً، لن يصل الحد إلى عقوبة الإعدام، فالقانون الملكي له ضوابطه. لكن-"

"لكن ماذا؟ أخبرني".

"سينالون عقاباً موجعاً بحق، عقاباً يجعلهم يتمنون الموت. فبعض الإداريين سيقبعون خلف جدران السجن المظلمة لسنوات بتهمة قبول الرشاوى وخيانة الأمانة، بينما ذلك الشاب النبيل المدلل الذي كان يتزعمهم سيخضع لعقوبة الجلد القاسية أمام الملأ، ويُحتجز في قصره لسنوات دون أن تتمكن قدمه من خطو خطوة واحدة خارج الأسوار، مجرداً من كل امتيازاته".

"......." ساد الصمت للحظة، وكأن جوليان يستوعب حجم الدمار الذي حل بأعدائه.

"أما الباقون ممن تورطوا ولو بقدر ضئيل، فستتعثر مسيرتهم النبيلة بقسوة في المستقبل، ولن يجدوا باباً يُفتح في وجوههم. والسبب بسيط للغاية، لأنهم تسببوا في استياء أعلى شخصية في البلاد، والملكة لا تنسى من يلوث سمعة مؤسساتها".

"أتعني أنك توقعت كل هذا وخططت له منذ البداية؟ منذ ذلك اليوم الذي جئت فيه لأخذي؟"

"تقريباً، لقد كان كل شيء مرسوماً بدقة في عقلي".

كان ذلك صحيحاً تماماً. فمنذ اللحظة التي أخرج فيها جوليان من الأكاديمية، لا بل منذ اللحظة التي بدأ فيها بالتخطيط للانتقام من دييغو وكل من تجرأ على عائلة فرونتيرا، صمم لويد بعناية كيف سيهاجمهم، ويحشرهم في الزاوية، ويستفزهم حتى يرتكبوا الأخطاء، ثم يسحقهم تماماً تحت أقدام العدالة الملكية.

"لم يكن الأمر معقداً في البداية كما تظن. تصادف أنني نجحت في تأمين عقد بناء الجسر مع الملكة، وكان هذا المشروع حيوياً للغاية بالنسبة للديوان الملكي ولتسهيل حركة التجارة والدفاع. لذا، كنت أعلم أنني إن أكملته بنجاح باهر فسأحصد النقاط في رصيد ثقة الملكة، وحين أكسب تلك الثقة المطلقة، ستجد وشايتي صدى فورياً لدى مسامعها، ولن تشك في صدق نواياي".

"......."

هز لويد كتفيه وكأن الأمر تافه لا يذكر، وكأنه يتحدث عن نزهة في الحديقة وليس عن مؤامرة سياسية واجتماعية معقدة. أمام هذا المنظر، وجد جوليان نفسه يبتلع ريقه بصعوبة بالغة، وشعر ببرودة تسري في أوصاله. كان الأمر أشبه بمعجزة مهولة أن يتغير أخوه بهذا الشكل. لم يكن لويد هكذا في الماضي، بل كان مجرد إنسان يتصرف بهمجية وارتجال، يغرق في الخمر والمشاكل التافهة. لكنه لم يعد كذلك أبداً، لقد تحول إلى وحش من الذكاء والدهاء.

راقبه جوليان طوال الأيام التي تلت إجباره على تعليق دراسته وجره قسراً خارج الأكاديمية، لكنه لم يعد يرى في لويد فرونتيرا ذلك الوغد المتعجرف الذي عرفه طوال حياته. لم يعد يشرب الخمر حتى الثمالة، وبات مجتهداً بشكل مذهل يثير الحيرة، والأهم من ذلك كله، أنه كان حنوناً معه بطريقة غريبة وغير مألوفة، لدرجة لا تُصدق!

'لم يسبق له أن صرخ في وجهي أو غضب مني طوال الأشهر الماضية، رغم كل تذمري'.

لويد فرونتيرا الطيب والحنون؟ كان هذا أمراً مستحيلاً لا يمكن تخيله بمقاييس الماضي، لدرجة أن جوليان تساءل مراراً وتكراراً في خلوته إن كان هذا الشخص هو نفسه أخاه حقاً، أم أن روحاً أخرى قد سكنت جسده.

'ذلك الحنان المبكر... بدا غريباً ومريباً في البداية، لكني مع الوقت اعتدت عليه ووجدته رائعاً، شعرت لأول مرة أن لي أخاً يحميني'.

حتى الأمر بإجباره على حفر التربة بالفأس، والذي رآه في البداية عقاباً مهيناً، تبين أنه كان جزءاً من خطة أكبر. كانت المرة الأولى التي يحمل فيها جوليان فأساً في حياته، وبطبيعة الحال، كان الأمر شاقاً ومضنياً لجسده الناعم. عانى طوال الأيام الأولى من آلام العضلات التي كانت تمنعه من النوم، حتى إن كفّيه امتلأتا بالبثور الدامية، وانتهى به الأمر بتقشير جلده مراراً. لكن تلك الحرقة، وتلك الآلام العضلية، بدت تافهة للغاية ومحتملة مقارنة بعذاب الأيام السوداء التي قضاها تحت وطأة التنمر اليومي والذل في الأكاديمية، حيث كانت روحه هي التي تُجرح لا جسده.

'بل شعرت بالارتياح والرضا وأنا أحفر'.

حفر التربة طوال اليوم متصبباً عرقاً تحت الشمس، وكلما حفر، كان يرى شيئاً ما يتغير أمام عينيه. تُزاح أكوام التراب بجهده، وكان بانغولي يبتلعها بمهارته الخاصة، لتتشكل الأسلاك المعدنية بعد ذلك، وكان بودونغ يجمع تلك الأسلاك ويجدلها بصبر لصنع الكابلات الضخمة. وهذه الكابلات هي التي باتت تدعم الجسر المعلق العظيم المقام في قلب العاصمة. شعر جوليان بفخر عارم لم يعرفه من قبل، فبداية كل تلك العمليات الهندسية المعقدة كانت بحفره هو للتربة. وكأن حفره، وعرقه، وألمه، هي التي دعمت ذلك الجسر المعلق وجعلته ممكناً.

كلما فكر في الأمر، شعر بغمرة من الدفء والامتلاء تملك صدره مؤخراً، ونبتت لديه ثقة بالنفس لم تكن معه من قبل. مثلما قويت بنيته العضلية بفضل أشهر من الحفر المستمر، ومثلما وقفت النتائج الملموسة شامخة بفضل قطرات عرقه، بات يثق بقدرته على الإنجاز وتغيير الواقع.

'ربما أراد أخي أن أجرب هذا الشعور بالذات، شعور الإنجاز من خلال العمل الشاق، لذا جعلني أحفر ولم يتركني للكسر'.

اتجهت نظرات جوليان المليئة بالامتنان نحو لويد، شقيقه الذي كان يبتسم بتهكم مع ملابسه الفضفاضة قليلاً، الأخ الذي طالما كرهه في صغره، وشعر بالحرج من تصرفاته الطائشة، ووجد وجوده عبئاً ثقيلاً على سمعة العائلة. هذا الأخ نفسه بدا مختلفاً تماماً، بدا كبطل ملحمي في عينيه للمرة الأولى. وربما لهذا السبب تحديداً، أقدم جوليان على فعل ما كان يجزم في الماضي بأنه لن يفعله أبداً تجاه لويد، مهما حدث.

"شكراً لك يا أخي".

"هاه؟ ماذا قلت؟" التفت لويد نحوه بدهشة حقيقية.

"أقول شكراً لك، على كل شيء".

"هل تناولت شيئاً ساماً اليوم في الحفل؟ أم أن الشمس أثرت على دماغك؟"

بدأ لويد يحك أذنه بحركة عفوية، وكأنه لم يصدق ما سمعه. وانكمش وجه جوليان بقوة حين أدرك خطأه العفوي في إظهار مشاعره أمام هذا الأخ الساخر.

"أجل، يبدو أن الأمر كذلك حقاً. أشعر برغبة في القيء الآن لأنني شكرتك".

"في الواقع، أنا مثلك تماماً، أشعر برغبة في القيء من أذني لهول ما سمعت".

"لا تسخر مني! لقد شعر جسدي بالقشعريرة للتو وأنا أنطقها، أتعلم ذلك؟"

"القشعريرة فحسب؟ أنا ظهرت على لساني بثور من الصدمة الكهربائية التي أصابتني".

أخرج لويد لسانه مداعباً ومستفزاً، فأطلق جوليان ضحكة ساخرة، ضحكة كانت تحمل في طياتها زوال الجليد الذي تراكم بينهما لسنوات.

"لكن أخي، بعيداً عن المزاح".

"نعم، ماذا هناك أيها الفتى الصغير؟"

"متى سنعود إلى البيت؟ إلى إقطاعية فرونتيرا؟"

"ممم، ربما غداً في الصباح الباكر؟"

"غداً؟ بهذه السرعة؟ ألن نبقى للاحتفال أكثر؟"

"أجل، غداً".

أومأ لويد برأسه بجدية، فلم يعد هناك أي مبرر لبقائه في العاصمة الصاخبة.

"لقد انتهينا من البناء بنجاح، واستلمت كل ما أريده من جلالة الملكة من مال وجاه. حان الوقت لنعود إلى الإقطاعية، فالأعمال التي تركتها هناك تتراكم بشكل لا يستهان به، والناس ينتظروننا".

وكان الأمر كذلك حقاً في ذهن لويد المتقد. فمن منجم الفحم القيري الذي بدأ يدر ربحاً، إلى أراضي ماريهز المستصلحة التي تحتاج لزراعة، وحتى شبكة مياه الشرب التي خطط لتوسيعها، كانت هناك أمكنة لا حصر لها تحتاج إلى إدارته المباشرة وإشرافه الهندسي الدقيق.

"ناهيك عن أنني جمعت المال الكافي لسداد الديون اللعينة التي أثقلت كاهل والدينا. فإن تلكأت هنا وتجاوزت موعد الفائدة، سأضطر لدفع مبالغ إضافية لا داعي لها للمرابين. لذا، يجب أن أعود قبل حلول موعد السداد لأصفي الديون تماماً وأحرر أرضنا".

"أجل، هذا صحيح. لكن......"

حك جوليان وجنته بحرج، وبدا عليه التردد مرة أخرى.

"في الواقع، لم أكن أعلم بكل ذلك".

"لا تعلم ماذا؟"

"ديون عائلتنا التي ذكرتها للتو، وحجم الكارثة التي كانت تهددنا".

"آه، تلك؟ ظننتك تعرف".

"نعم، لم أكن أعلم حقاً حجم المعاناة. لأنني كنت منشغلاً بأنانيتي ودراستي هنا فقط، أعيش في عالمي الخاص. وعلى الرغم من أن أمي وأبي كانا يرسلان لي رسائل شهرية بانتظام، إلا أنهما لم يذكرا ذلك قط حرصاً على مشاعري. لم أكن أحلم قط بأن الجميع في البيت كانوا يعيشون في مثل تلك الظروف العصيبة والفقر المدقع".

انحنى رأس جوليان إلى الأمام، وغطى الظل عينيه. وبصراحة، شعر بخجل يمزق أحشاءه. طوال الفترة الماضية، كان يظن بغرور أنه الوحيد الذي يعاني أكثر من الجميع، بأنه يتحمل الأمرين بعيداً عن وطنه في أرض غريبة مليئة بالأعداء، وبأنه يتحمل الضغوط النفسية للدراسة بجدية بالرغم من كل المضايقات. وكان فخوراً بنفسه لكونه يتحمل كل ذلك بصمت ودون أن يزعج عائلته، ظاناً أنه البطل المضحّي.

لكن الحقيقة المتأخرة التي علم بها كانت مختلفة تماماً وصادمة. فقد عرف من خافيير، في لحظة صراحة نادرة، كيف تعرض والده لعملية نصب واحتيال دنيئة كادت تفقده كل شيء، وكيف غرقت عائلته في جبال من الديون التي لا تنتهي، وكيف بدأ لويد يتغير تدريجياً وسط تلك الظروف القاسية ليتحمل المسؤولية وحده.

"بصراحة، لم أصدق الأمر في البداية حين سمعته. كيف لي أن أصدق بسهولة أن أخي الوغد قد تغير هكذا وأصبح منقذاً؟ لكني التقيت بالسيد خافيير وأخبرني بكل شيء بالتفصيل. قال لي إن أخي كان رائعاً حقاً في مواجهة الأزمات، وإن كان أنانياً في أسلوبه أحياناً، إلا أنه كافح وبذل جهداً مضنياً لا يتخيله بشر. وأنه لو لم يكن أخي موجوداً في تلك اللحظة الحرجة، لانهارت عائلتنا وتشتت شملنا منذ زمن بعيد".

ولا يعلم لويد كم تفاجأ جوليان حين استمع إلى تلك الكلمات من فم فارس الدم