الفصل 3

After Severing Ties
☀️🌙

الفصل 3: كشط العظم ردّاً لفضل الأم!

نام تشن تشانغ آن ليلته تلك نوماً هنيئاً لم يعرف له مثيلاً؛ فالحياة دون الحاجة للتودد لسكان قصر أمير هواينان، ودون العيش في وجل دائم، كانت تفيض بسكينة غير متوقعة.

في اليوم التالي، لم يستيقظ إلا وقد ارتفعت الشمس في كبد السماء. تحسس عقد قطع العلاقات المخبأ في ثنايا ثوبه، وانطلق بخطى وئيدة نحو القصر.

عند البوابة، أبصر مدير المنزل العجوز، العم هو، وهو يخرج بظهره المحني. في تلك اللحظة، تحركت المياه الراكدة في قلب تشن تشانغ آن الذي لم يعد يبالي بشيء.

"العم هو."

كان العم هو هو النسمة الوحيدة في ذلك القصر القاحل؛ فكلما نال منه بطش الأخوات، سارع العجوز لمواساته، وكان يذرف الدموع سراً وهو يراه يُعامل كالدواب.

لكن يا للأسف، فالأخيار لا يعمرون طويلاً؛ ففي حياته السابقة، تسبب تشن فوشنغ في موت العم هو غرقاً في بئر الفضلات، نكالاً له لأنه تجرأ يوماً وطلب منه الرحمة بـ تشن تشانغ آن.

─── ◈ ───

حين لمح العم هو الفتى، اعتلت وجهه علامات الاضطراب.

"يا سمو الابن التاسع، أين تواريت بالأمس؟ لقد كدت أموت هماً عليك!"

"الحمد لله على سلامتك.. هل أكلت شيئاً؟"

أخرج العجوز رغيفاً بسيطاً وقال بإلحاح: "كلْ هذا بسرعة! لقد عاد والدك، اذهب إليه واستعطفه، وسينقضي هذا البلاء."

لم يملك العم هو ما هو أغلى من ذلك الرغيف الذي يحمل دفء جسده. اهتزت مشاعر تشن تشانغ آن، لكنه هز رأسه بجمود.

"لن أستعطف أحداً."

"يا بني..."

"العم هو، استمع إليّ جيداً،" قاطع الفتى نصيحة العجوز بلهجة قاطعة.

"إن استطعت، فغادر بلاد 'تشو' وابحث عن غابة نائية تقضي فيها ما تبقى من عمرك. أنا الآن لا أملك من أمري شيئاً، ولستُ في حال يسمح لي بأخذك معي."

تسمر العجوز مكانه؛ فقد قضى عمره في خدمة عائلة تشن، فكيف له أن يرحل؟

لم يزد تشن تشانغ آن كلمة واحدة، فغياب القوة يجعل الحديث لغواً. سار نحو فناء القصر، فتردد في أذنيه صوت الأميرة تشو وهي تشكو بمرارة.

"أيها الأمير، انظر كيف تمرد ذلك الأبله؛ سألتُه إن كان هو من كسر ساق الجواد، فصمت بوقاحة؛ وحين جثا ابننا الحادي عشر ليتوسل له، ضربه بلا رحمة."

"بل وزاد على ذلك أن غاب عن القصر ليلة كاملة، الله وحده يعلم في أي مكان قذر كان يلهو!"

─── ◈ ───

كان تشن تشان، أمير هواينان، رجلاً في الخامسة والأربعين، ذو سحنة عسكرية صارمة وملامح توحي بالهيبة والجبروت؛ كانت شفتاه المطبقتان تنذران بأوامر قتالية وشيكة.

ابتسم تشن تشانغ آن ببرود: "يا سمو الأميرة تشو، من أين لي بالمال حتى ألهو في الخارج؟"

التفت الأمير بزيّه العسكري نحو الصوت، بينما رمقته الأميرة تشو وتشن تشون هوا بنظرات ساخرة؛ ظنتا أنه عاد ذليلاً لطلب الصفح.

حاول العم هو تدارك الموقف: "أيها الأمير، السيدة كانت في غاية القلق..."

قاطعه تشن تشانغ آن: "العم هو، سمو الأميرة تشو صاحبة مقام رفيع، فكيف لها أن تأبه لحياة أو موت نفاية مثلي؟"

دوى صوت ضربة قوية! استشاط تشن تشان غضباً، وانفجرت منه هالة مرعبة.

"تشن تشانغ آن! اِجثُ على ركبتيك فوراً!"

جثا الفتى بهدوء أمام الأمير وقال بنبرة خاوية: "الرعية تشن تشانغ آن يحيي أمير هواينان، دمتَ في عزّ ومنعة لألف عام!"

اكفهر وجه الأمير بصورة مخيفة: "أيها العاق! أتريدني أن أؤدبك بنفسي لتعرف قدرك؟"

رد الفتى بجمود: "أيها الأمير، أنا مجرد فرد من العامة، ولم أقترف إثماً يحاسب عليه القانون، فلماذا تتوعدني بالبطش؟"

شد الأمير قبضته على سيفه: "أنا والدك، وسلطتي عليك مطلقة! لماذا تناديها بـ 'الأميرة تشو'؟ ألا تستحق منك كلمة 'أمي'؟ ولماذا تناديني بلقبي؟"

أخرج تشن تشانغ آن نسختي عقد قطع العلاقات ورفعهما بيدين ثابتتين.

─── ◈ ───

عقد قطع العلاقات
أرفع هذا العقد إلى السماء وأشهده في الأرض. أعلم به القديسين في العلياء وأعلنه في العوالم الثلاثة، لتكون السماوات والأرض شاهدة على ما أقول.

أنا، تشن تشانغ آن، أنفصل طواعية وإلى الأبد عن قصر أمير هواينان، ولا تربطني به صلة بعد اليوم. إن التقينا في مستقبل الأيام، فنحن أغراب لا كلام بيننا. وإن أصر أمير هواينان على البحث عني، فهو تحدٍ للسماء، وعقوبة تحدي السماء هي الهلاك والزوال من العوالم الثلاثة، دون أمل في التناسخ أو الرجوع.

تسمرت تشن تشيو يوي مكانها؛ لم تكن الكلمات هي ما صدمها فحسب، بل ذلك الخط المتقن.. هل يعقل أن هذا من صنع يده؟

استشاط الأمير غضباً؛ فكلمات الفتى كانت كطعنات موجهة لروحه. "العم هو! أحضر سوط العائلة فوراً! إن لم أقتلك اليوم، فلن أكون أمير هواينان!"

قالت تشن تشيو يوي بخبث: "أبي، سأحضره أنا!"

سأل تشن تشانغ آن ببرود: "لقد نلتُ عقابي بالأمس من الأميرة تشو. وهي من وعدتني بإنهاء الأمر بتوقيع العقد عند عودتك، فلماذا تُنفذ فيّ حكم العائلة الآن؟ هل يبطش أمير هواينان بالضعفاء، أم أن الأميرة تشو تنكث وعودها؟"

لقد حاصره الفتى بمنطقه. لكن الأمير استل سيفه وهو مغمد وضرب به رأس تشن تشانغ آن بكل قوته!

لم يتفادَ الفتى الضربة، بل مد عنقه ليتلقاها مباشرة! دوى صوت الارتطام، وسقط تشن تشانغ آن مترنحاً، بينما انفجر جرح غائر في رأسه قذف بالدماء لتلطخ غمد السيف.

ذهل الأمير، وتجمدت الأميرة تشو وتشن تشون هوا.. لماذا لم يتهرب؟

─── ◈ ───

"سمو الابن التاسع!" صرخ العم هو وهو يهرع إليه: "ارحمه أيها الأمير! سأستدعي الطبيب حالاً..."

"توقف!" استجمع تشن تشانغ آن قوته رغم الدوار الشديد.

"أنا مجرد رعية، وحياتي لا قيمة لها. أيها الأمير، لقد نزفتُ اليوم ما يكفي لرد دين الدم الذي جرى في عروق الأميرة تشو حين ولدتني."

مسح الدماء عن وجهه وتابع بصوت أجش: "أما عن نفقات السنوات الست، فخمسة تيلات في الشهر تعني ثلاثمائة وستين تيلة. وفي غضون أشهر، سأعيدها لكم خمسمائة تيلة مع الفائدة."

"وقع العقد الآن، ولينقطع ما بيننا!"

جاء الطبيب مسرعاً، لكن الفتى صده بيد ملطخة بالدماء وقال بلهجة انتحارية:

"إن كان هذا لا يرضيكم، فاحسبوا كل لقمة مالاً وسأدفعه! وإن عزّ عليكم المال، فلا يتبقى لي إلا أن أفعل ما فعله 'نه زا' في الأساطير.."

"سأكشط لحمي رداً لفضل الأب، وأقطع عظمي رداً لفضل الأم! فقط دعوني أرحل!"

• نه زا (Ne Zha): بطل أسطوري في الثقافة الشرقية، اشتهر بتمزيق جسده لإعادة "اللحم والعظم" لوالديه كتعبير عن قطع صلة الدم والوفاء بالدين.

تعليقات