الفصل 43
الفصل 43
وجدت إلين هيئة إدوين الحالية غريبة على نحو غير مألوف، لدرجة أثارت في نفسها شعوراً بالانزعاج.
أين ذهب ذلك الإدوين العادل وصاحب الإرادة الصلبة الذي تعرفه؟
رغم أنه كان ميالاً للخجل بعض الشيء، إلا أنه كان شديد المراعات للآخرين، ولم يكن أبداً من النوع الذي يتهاوى، حتى وإن انحنت قامته رغماً عنه.
أين هو إدوين الذي كان يرفض حتى إلقاء نظرة على طريقة تحيد ولو قليلاً عن المألوف؟
كان إدوين قد سحب يده التي مدها نحو الغولم بالفعل.
ولم تكن لديه أي نية لإطلاقه.
وعوضاً عن ذلك، حاول إدوين إقناع إلين.
"فقط، دعيني وشأني."
"نحن أصدقاء يا إلين. أنتِ تعلمين ما سيحدث لي إن انتشر هذا الأمر. أرجوكِ لا تجعليني أبدُو كقاتل."
أغمضت إلين عينيها ببطء وبعمق عند سماع تلك الكلمات.
إدوين فون بيهيتوريو. لقد تغيرت حقاً.
"سواء أكنت قاتلاً أم لا، فهذا ليس قراراً لي لأتخذه. نحن لا نعرف حتى إن كان هؤلاء الأشخاص أمواتاً حقاً أم لا.
أمسكت إلين بسيفها واتخذت وضعيتها القتالية. فقد أصبح الحديث الإضافي عديم الجدوى.
"وليس لكِ أن تقرري ذلك أيضاً يا إدوين."
وما إن تلفظت بتلك الكلمات حتى دخلت هيئة إلين في وضع القتال الكامل.
رماها إدوين بنظرة شاحبة.
كانت إلين قبل لحظات، رغم هدوئها، غاضبةً منه على الأقل بوصفه صديقاً لها.
الانتقادات والنصائح الموجهة لصديق. تلك كانت صورتها من البرود.
ولكن الآن، تخلصت إلين من كل تلك المشاعر الشخصية، وباتت تنظر إلى إدوين باعتباره عدواً فحسب.
ومع صراخ إدوين، ضرب الغولم الأرض بقدمه استجابةً لأمره.
انقضّ جسمه الثقيلة نحو إلين كالسهم المندفع.
تفادته إلين ووجدت ثغرة مناسبة.
كانت تقنية رمح الغولم دقيقة للغاية.
تلك الفجوة التي تلت طعنته تلاشت فور تفاديها له.
'إنه غولم في النهاية إذن. فهو لا يثق في متانته أو دفاعه الخاص، بل يتصرف بناءً على ما برمج عليه فحسب.'
لو كان الغولم مخلوقاً حياً، لربما استطاع إيجاد مثل تلك الثغرة بسهولة؛ فالكائنات القوية غالباً ما تعتمد على قوتها.
'فرصتي في الفوز ضئيلة للغاية. هذا الغولم هو على الأرجح صنيعة أحد الخبراء.'
باعتبارها مبارزة، تصنف إلين ضمن الطبقة العليا في كونستيل بأسرها، ولهذا السبب لم يسبق لشقيقها أستر أن تغلب عليها قط في أي قتال تجريبي.
لم يكن فن سيفها أدنى شأناً من تقنية رمح الغولم.
كل ما في الأمر تعلق بمسألة القوة.
حتى لو ركز الغولم على الدفاع وحده، لكان بإمكانه صد هجمات إلين المشحونة بالمانا بسهولة وبكل أريحية.
وحتى لو وجدت ثغرة وشنت ضربتها، فلم يكن مؤكداً ما إذا كان بمقدورها إلحاق ضرر جسيم به.
'يجب أن أنهي هذا سريعاً.'
بينما لا يزال لديها ما يكفي من المانا.
إنه لزاماً عليها توجيه ضربة حاسمة بهجوم واحد فقط.
تعقب الغولم إلين بخطواته الثقيلة.
وعندما عقدت العزم، تحولت إلين إلى الدفاع.
أخذت تترقب ثغرة في هجمات الغولم، مستهدفة ضربة واحدة قاطعة.
راحت إلين تتفادى بحفة، بينما واصل الغولم تعقبها بإصرار.
مع كل التفاف لقدمه، كان الغولم المحلق في الهواء كافياً لإصابة أي ناظر بالدوار.
لكن، إن كان الخصم يتحرك تماماً كما برمج،
خفضت إلين سيفها قليلاً عن جذعها.
ثغرة مصطنعة عن قصد.
ثغرة تبدو أوضح من أن تنطلي على بشر، لكن الغولم سيهاجمها حتماً لأنه برمج ليقوم بذلك.
*(ووووش!)* ومع صوت الريح المحمولة على كتفه، لوح الغولم برمحه من الأعلى إلى الأسفل.
واجهت إلين نصلها للأمام، مصادمة حافته بالرمح.
وما إن تقاطع الرمح والنصل حتى لمعت عيناها.
فنون قتالية عائلة إيفانز.
تقنية السيف الفريدة لإلين إيفانز.
تسلق سيفها، المحاط بالهالة، عمود الرمح راسماً خطاً مستقيماً.
وفي نهاية هذا المسار كان رقبة الغولم.
خط مستقيم واحد، بلغ هناك كأنه قيس بمسطرة، ليمتد بوضوح تام.
بيد أن المسار انحرف في منتصف الطريق.
فقدت إلين قبضتها على السيف.
تقنية تزيح القوة بخفة لتدخل داخل الرمح، ثم تحدث دورانًا وتأثيرًا في آن واحد لتحييد هجوم الخصم. كانت إلين قد رأت هذه التقنية شبه السحرية من قبل.
‘...هذه التقنية، إنها تخص المتقدم آزيير.’
كانت فكرتها عابرة.
فقد فقدت سيفها، ولم تكن تملك أي وسيلة لصد هجوم الغولم.
سحب الغولم رمحه بسرعة خارقة،خاقاً جسد إلين في ومضة.
لوت إلين جسدها بكل ما أوتيت من قوة.
فتحت جرح طويل على خاصرتها، وتدحرجت على الأرض من شدة الارتطام، وكاد طعم التراب يبلغ فمها لولا أن غطى عليه طعم الدماء الغزير.
تردد صدا صوت إدوين من بعيد.
صديق موثوق، لكنه جنّ فجأة. كان ذلك وحده كفِيلاً بتبديد كل النعاس الذي أثقل جفنيها حتى الآن.
وهناك ألم حارق يعتصر خاصرتها أيضا.
وكأنه يستجيب لنداء إدوين، اقترب الغولم ببطء.
كان رمحه يشير إلى الأسفل، مستهدفاً إياها وهي ملقاة على الأرض.
وحين وقف الغولم أمامها، كان الرمح قد ارتفع عالياً فوقها، كأنه مقصلة جاهزة.
'إدوين. لم أظن قط أنك ستصل إلى هذا الحد.'
لو ماتت إلين هنا حقاً.
حينها سيجتاز إدوين نقطة اللاعودة.
دون انتظار لأمر إدوين، أسقط الغولم رمحه.
أغمضت إلين عينيها.
*(طرااااخ!)* فجأة،دوى صوت معدني حاد.
وعندما فتحت إلين عينيها، كان رمح الغولم قد أخطأها واستقر مغروساً في الأرض.
عجزت إلين عن استيعاب ما جرى للحظة.
أتعرض مسار الرمح للاضطراب؟ كيف?
بدا افتراض رمي شي ما منطقياً، لكن لم يكن هناك أي شيء حولها. حتى الغولم نفسه بدا في حالة من الحيرة.
حول الغولم نظره إلى مكان ما،
ومع كل صوت معدني قاسٍ، كان رأس الغولم يتمايل يميناً ويساراً.
بوضوح تام، وكأنه تعرض للضرب بشيء ما.
شيء خفي عن أعين إلين أخذ يجلد وجه الغولم مراراً وتكراراً.
"ما هذا، ما الذي يجري! أيها الغولم! تعال إلى هنا!"
شعر إدوين بالقلق حيال الهجوم المجهول، فنادى الغولم ليعود.
قفز الغولم عائدًا إلى جانب إدوين.
وهنالك،تردد صوت غريب قادم من بعيد.
"فوووف، لقد زادت المسافة. لقد أتت التدريبات ثمارهأ."
رفعت إلين نظرها نحو الاتجاه الذي صدر منه الصوت.
بدا وكأنه وصل على عجلة، حيث كانت كتفاه تعتلان وتهبطان، واختلطت أنفاسه الأولى الخشنة بكلماته.
وقعت عيناه، المنعوستان على ضوء القمر، عليها.
ابتسامة ارتياح خفيفة. تلك البسمة الطفيفة أضاءت عتمة المساء.
رغم أنها كانت فكرة غير مناسبة في هذا الموقف المللح.
وجدت إلين نفسها تفكر.
'لقد كنت أظن أننا سنلتقي يوماً ما.'