الفصل 15

الفصل 15

كان يتحكم بجسدي بالكامل، محاولاً إجباري على الانتحار بيدي.

ذريعة مثالية لإنهاء حياتي دون أن تترك خلفها أي أثر لجريمة.

ارتجفت يدي اليمنى رغماً عني، عاجزة تماماً عن الانصياع لإرادتي.

واقترب النصل من عنقي أكثر فأكثر.

حاولت أن أجزّ على أسناني بكل ما أوتيت من قوة.

لحسن الحظ، كان لا يزال بإمكاني الضغط على أضراسي.

غيّرتُ طريقة تفكيري على الفور؛ فالمقاومة بالقوة الجسدية المحضة مستحيلة.

إذن، السبيل الوحيد هو حمله على التراجع بإرادته.

كان لا يزال بإمكاني التحدث طالما أن فمي يملك القدرة على الحركة.

ثبّتُّ نظري في عينيه الذهبيتين الثاقبتين.

حبستُ أنفاسي وحركتُ شفتيّ بصعوبة.

خرج صوتي خافتاً بالكاد تجاوز الهمس.

لكن اللعين أمامي قادر حتماً على التقاطه.

إن كان كياناً سماوياً حقاً، فلن يعجزه سماع هذا القدر.

اتسعت عيناه الذهبيتان فجأة.

وفي اللحظة ذاتها، تراجع جسد الفتى مبتعداً عني خطوة.

توقف النصل الذي كان يوشك على شق حنجرتي مكانه.

استعدتُ السيطرة على جسدي، وأطلقتُ زفيراً حاداً متقطعاً.

تباً، كدتُ أهلك قبل لحظات!

صرخ ذلك الكيان المتجسد في هيئة صبي بكلمات غاضبة في وجهي، وملامحه تشتعل ذعراً وحنقاً.

لم أفهم حرفاً واحداً مما تفوه به ذلك المعتوه.

ثم سرعان ما اعتلت وجهه أمارات الارتباك، كأنه تنبه لأمر جلل للتو.

عض شفته السفلى، ورمقني بنظرة سريعة متوجسة، ثم خطا عائداً عبر الشق الفضائي.

التأم الشق في غمضة عين، وعادت غرفتي إلى سكونها المعتاد.

جلستُ في مكاني أتنفس الصعداء، تاركاً التوتر الرهيب يتبدد من أطرافي.

سيد الموت في الأساطير الإغريقية، 'ثاناتوس'.

مع ذلك، في عالم إيتيوس، ليس هو 'الموت المطلق' كما تصوره الأساطير الأصلية.

إنه مجرد كيان علوي بالغ القوة؛ فإن فني هو، فلن يزول الموت من الوجود. فرغم أنه يجسد سلطة الموت، إلا أنه هو نفسه معرّض للفناء.

على أي حال، كنت محظوظاً للغاية لأنني تمكنت من كشف هويته.

عينان ذهبيتان، وأجنحة سوداء، وهيئة صبي صغير.

لا توجد كيانات سماوية كثيرة تجتمع فيها هذه الخصال الثلاث، لكن كان عليّ أن أقامر بحياتي لأتأكد.

والدليل الحاسم كان أسلوبه في القتل.

تماماً كما حدث الآن؛ حين يتقمص جسد بشري ويدفعه لإنهاء حياته بيده، فلا يبقى أدنى دليل، وتبدو الحادثة انتحاراً صريحاً.

هذا هو أسلوب ثاناتوس، حاكم الموت، بلا ريب.

بين تلك الكيانات، قلة نادرة فقط تعرف هيئة ثاناتوس الحقيقية. وهؤلاء القلة هم ذوو المراتب الأسمى منه بكثير.

لقد كانت رمية من غير رامٍ، مقامرة أطلقتها في العتمة، لكن من منظور ثاناتوس، يستحيل أن تبدو كذلك.

بالنسبة له، حقيقة معرفتي بوجهه وهيئته تعني حتماً أنني على صلة وثيقة بكيانات عليا تفوقه مكانة.

لذا، فإن قتلي الآن يمثل مجازفة كبرى لا يقوى على عواقبها.

لهذا السبب نطقت باسمه تحديداً، مراهناً على أن يقوده تفكيره إلى هذه النتيجة.

ورغم نجاتي، إلا أن الموقف...

يبدو أزمة طاحنة تكاد تقتلعني، لكنه في الوقت ذاته فرصة هائلة لا تُعوض.

محاولة اغتيالي كانت ناجمة دون شك عن استخدامي لقدرة 'النسيج'.

لماذا أثار 'النسيج' سخط كيان علوي إلى هذا الحد؟ لست أدري بعد.

لكن لم يسبق في تاريخ إيتيوس بأكمله أن تمكن بشري من استفزاز مشاعر تلك الكيانات بتلك الطريقة.

أيعقل أن فرونديير، لافتقاره إلى القوة الإلهية، منبوذ ومحتقر من قِبلهم؟

في الأصل، البشر الذين يحوزون قوة إلهية عملة نادرة، ومن المستبعد تماماً أن يُجمعوا كلهم على احتقار فرونديير وحده.

مهما يكن، يبدو أن هذه القدرة المسماة 'النسيج' أكثر خطورة وفتكاً مما تخيلت بكثير.

نظرتُ بتمعن إلى كفي؛ لم يتوقف ارتعاشها بعد.

يبدو أن عليّ الاعتياد على ترويض هذا الخوف.

لا أدري إلى أي مدى سيبلغ بي هذا التحدي.

لن يجرؤ ثاناتوس على استجواب الكيانات الأرفع شأناً بشأني مباشرة، لذا كسبتُ على الأرجح بعض الوقت للمناورة.

لكن يتعين عليّ الاستعداد بأقصى ما أملك حتى يحين ذلك اللقاء مجدداً.

داخل قاعة الدرس، كانت كوينوي غارقة في التفكير بشأنه.

فرونديير دي روش، الابن الثاني لعائلة روش العريقة.

وهي الآن في عامها الثالث في كونستيل، ظنت أنها لن تضطر للقلق بشأن عائلة روش بعد الآن.

ولم يطرق اسم فرونديير مسامعها إلا بعد التحاقه بالأكاديمية.

كانت تعلم أن أزيير لديه شقيق أصغر، لكنها لم تعره اهتماماً قط.

وحين حاولت تقصي أخباره تحسباً للظروف، لم تعثر على شيء ذي بال، سوى شائعات تؤكد أنه فتى خامل ومتقاعس، وهو ما بدا منطقياً ومقبولاً للجميع آنذاك.

"كوينوي، فيمَ أنتِ سارحة بهذا العمق؟"

قاطعتها صديقتها الجالسة بجوارها.

رمقتها كوينوي بطرف عينها وسألت بهدوء:

"آني، ما رأيكِ في فرونديير؟"

"ماذا؟! لا تقولي لي يا كوينوي... هل أوقعكِ وسامته في الحب أخيراً؟ هل داهمتكِ تلك المشاعر العذبة المشتعلة؟! تلك اللوعـ..."

"أريد معلومات فقط."

ضحكت آني بخفة واستدركت:

"فرونديير؟ حسناً، لا أعلم الكثير. كان يقضي معظم الحصص نائماً على مقعده، وإن كان لا يبدو كذلك مؤخراً."

"أريد شيئاً يتجاوز ما يتداوله الجميع في كونستيل."

"هذا كل ما في جعبتي أنا أيضاً."

أومأت كوينوي:

"مم، هذا متوقع."

كان من الطبيعي ألا تعرف آني شيئاً خافياً عن فرونديير.

لذا غيّرت كوينوي مسار حديثها وسألت:

"أنتِ على علم بالحادثة التي وقعت مؤخراً، أليس كذلك؟ حين حطم فرونديير الصندوق البلوري الذي يحوي ميستيلتين."

"أوه، بالتأكيد! لقد ضجت الأكاديمية بالقصة لأيام متواصلة."

"وما رأيكِ في تصرفه؟"

أمالت آني رأسها مفكرة للحظة، ثم علت وجهها ابتسامة مرحة وأجابت بملء فيها:

"طيش أهوج وغباء مطبق!"

أجل، كان ذلك انطباع الجميع بلا استثناء عن تصرف فرونديير في ذلك اليوم.

فحتى لو كان بدافع إنقاذ والده، فماذا لو كانت القطعة ملعونة حقاً؟

أي أبٍ يرضى أن يرى ابنه يلقى حتفه بدلاً عنه؟

لكن بالنسبة لكوينوي، كان تصرفه نابعاً من ثقة مطلقة ويقين لا يتزعزع.

لا بد أنه كان واثقاً تماماً، وإلا فما كان ليجرؤ على الإقدام على فعلة كهذه دون ذرة تردد.

'لم أكن خائفاً قط من أمور كهذه.'

ابتسمت كوينوي في سرها؛ كانت تلك المرة الأولى التي تصادف فيها شخصاً يتحدث بهذه اللهجة الواثقة.

خاصة هنا، في وكر يعج بمن حظوا برعاية وحظوة الكيانات السماوية الشهيرة.

'حسناً، لقد حسمتُ أمري.'

إن كانت ترغب في شيء، فعليها أن تسعى لانتزاعه بنفسها.

عقدت ذراعيها والأفكار تموج في عقلها، ثم التفتت نحو آني وعيناها تلمعان ببريق استثنائي.

راقب تها آني بريبة وتوجس، وحدثت نفسها في حيرة:

'أيعقل أن كوينوي تضع عينها على فرونديير حقاً؟'