الفصل 127: طريقة للحصول على عازل حراري (2)

الفصل 127: طريقة للحصول على عازل حراري (2)

من الناس.

حيثما نظرت، تجد زحاماً بشرياً.

وكلهم يبدون رثّي الحال.

“……”

كانت الشمس تغرب باكراً هذه الأيام.

وفي ذلك الغسق، ألقى خافيير بنظره نحو أسفل التل.

الساحة الفسيحة التي كانت موحشة في السابق، تعجّ الآن بالناس.

عدد لا يحصى من الخيام المنتشرة بانتظام.

والحشود تتقاطع بينها.

جميعهم كانوا من اللاجئين الذين تدفقوا إلى مقاطعة فرانتييرا مؤخراً.

“السير أسراهان، لقد انتهينا من الاستعداد لتوزيع الوجبات.”

“……”

التفتّ ليجد جندي الحراسة الأول في انتظاره.

أومأ خافيير برأسه بخفة.

“ابدأوا قبل أن يحل الظلام.”

“علمت.”

نزل التل رفقة الجندي.

عشرات القدور الكبيرة مصطفة في كل مكان.

رائحة الطعام تفوح مع البخار.

وأمامها طوابير طويلة من اللاجئين.

كانت عيونهم جائعة، وبقدر جوعهم كانت حاجتهم ملحة.

“ابدأوا التوزيع.”

“حاضر.”

امتلأت أطباق اللاجئين الواحد تلو الآخر.

وبقدر ما امتلأت الأطباق، قصر ذلك الطابور الطويل.

هكذا، شخصاً تلو الآخر.

ومع كل وجبة يتسلمها أحد اللاجئين، كان خافيير يسأل دون استثناء.

“أتعاني من ألم أو مشكلة ما؟”

أجاب معظمهم بأنهم بخير.

وحين يصادف مريضاً، كان يفحص حالته بدقة.

يسجل اسم المريض، وأعراضه، ورقم الخيمة المؤقتة التي يقيم فيها.

“فهمت. سيرسل الطبيب ليطمئن على حالتك مساء اليوم. حتى ذلك الحين، لا تفوت وجبتك واسترح جيداً.”

“يا الهي… شكراً لك… كيف لفارس بوجاهتك أن يهتم بعجوز مثلي……”

“لا عليك. هذا واجبي الطبيعي.”

هكذا حدد حالات المرضى وأشرف على التوزيع.

قضى الأمسية بأكملها في عمل دؤوب.

“لكن، ألا تتناول طعامك يا سير أسراهان؟”

“لاحقاً.”

بعد التوزيع، بقيت مهام التنظيف والترتيب.

رغم أن الجنود أخبروه بأنه لم يعد بحاجة للقلق، إلا أن خافيير ظل في مكانه حتى النهاية وعمل جنباً إلى جنب معهم.

لأنه اعتبر ذلك مسؤولليته المباشرة كمشرف على التوزيع.

لكن، وأثناء ترتيب مهام التوزيع المسائية تلك.

“……”

خيام اللاجئين المصطفة بانتظام.

شاهد طفلاً يحوم بينها.

بدا أن عمره لا يتجاوز السادسة أو السابعة.

لكن طريقة تجواله وحركاته كانت مريبة بعض الشيء.

كان يحمل طبق طعام.

ويتلفت هنا وهناك متفقداً الخيام.

كان يحرك رأسه بلا هوادة في كل الاتجاهات.

يمشي بخطى متسرعة بينما يرمي بنظرات تائهة وقلقة.

‘أتراه فقد طريقه ولا يدري إلى أي خيمة يعود؟’

بدا الأمر كذلك حقاً.

فهنا عشرات الخيام الكبيرة المبنية باصطفاف.

وباستثناء الأرقام المكتوبة على مداخل الخيام، كانت كلها متطابقة.

موقف يكفي ليربك الكبار أنفسهم.

“أيها الصغير.”

اقترب من الطفل.

فرفع الطفل رأسه مرتبكاً.

بذل خافيير قصارى جهده ليرسم ابتسامة دافئة على محياه.

“ألا تعرف الخيمة التي يجب أن تعود إليها؟”

“……”

اكتفى الطفل، وقد غرقت عيناه بالدموع، بالإيماء برأسه بتردد.

مد خافيير يده بحذر ليمسد رأس الطفل.

“أظنني تستطيع مساعدتك. ألا ترغب في البحث عن الخيمة معي؟”

“……”

أومأ مجدداً.

سأله خافيير.

“لكن لماذا لم تأكل طعامك؟ سيبرد قريباً. ألا تشعر بالجوع؟”

“جـ…ـائع.”

حينها فقط انطلق لسانه.

لكنه تفاجأ بالكلمات التي تلت ذلك.

“أنا جائع، لكني لن أأكله.”

“لماذا؟”

“أمي ستجوع أكثر.”

“أمك؟”

“أجل.”

“……”

بما أن لديه والدة، فلماذا تخرج طفلة بهذا الصغار لتسلم وجبة الإغاثة بنفسها؟

شعر أن ثمة خطباً ما.

مد خافيير يده.

“سأحمل عنك الطبق.”

“……”

“لن أسكبه، وعد.”

“……حسناً.”

تلقى الطبق.

وأحاط الطفل بيده الأخرى.

نادى بعض الجنود الذين كان منهمكين في أعمال الترتيب.

كما استدعى بعض ممثلي اللاجئين النافذين في مخيمهم.

ولحسن الحظ، تمكنوا بعد السؤال والبحث من العثور على الخيمة التي يقيم فيها الطفل، ومعرفة سبب خروجه لتسلم الحصة بمفرده.

“ألين؟”

صوت امرأة تردد فور دخوله الخيمة.

استطاع خافيير تمييز ذلك الصوت بوضوح وسط ضجيج اللاجئين داخل الخيمة.

وبدا أن الطفل الذي يُدعى ألين قد فعل المثل أيضاً.

“أمي!”

ركض الطفل بسرعة.

وارتمى في أحضان والدته بعنف.

لكن نظرات المرأة بدت غريبة بعض الشيء.

‘عيناها لا تركزان على الطفل. إنها لا تبصر.’

كفيفة.

لكنها لم تكن تبدو معتادة على عاهتها.

فكل إيماءة، وكل حركة بسيطة، شابها التوتر والغرابة.

أدرك السبب بمجرد رؤيتها.

‘إنها لم تولد كفيفة. لقد فقدت بصرها مؤخراً.’

ارتسمت مسحة من الأسى على وجه خافيير.

على الأرجح، فقدت بصرها أثناء فرارها من هجوم الوحوش. ومع ذلك، استطاعت حماية طفلها حتى وصلت إلى هنا بهمة شاقة.

ذلك الصغير كان يحمل طبق الطعام بيده الصغيرة ليعتني بتلك الأم، محاولاً إطعام أمه المنتظرة قبل إشباع جوعه الخاص.

شعر بغصة حارقة في حلقه وهو ينحني على إحدى ركبتيه.

مد طبق الطعام الذي بات بارداً بحذر.

“هذا لكما.”

تحدث موجهاً كلامه للمرأة التي انتفضت ذعراً لصوته وحركته.

“لا تقلقي. أنا خافيير أسراهان، أقود حراس المقاطعة. رافقت الطفل لأنه بدا كمن فقد طريقه.”

“أهـ… أهذا صحيح؟”

“نجل. وأحضرت طعام العشاء معاً.”

“يا لها من منّة……”

“لا عليك، دعيني أساعدك. حسناً، ببطء.”

التقط الملعقة.

ألان الدوافع الإنسانية فاضت من داخله؟

ربما لهذا السبب.

أو لربما لأنه رأى ملابس المرأة ملطخة بحساء جاف.

وإن لم يكن ذلك، فلعل طفولته الخاصة قد ومضت في ذهنه فجأة.

“هيا، افتحي فمك.”

“كيف لي أن أجرؤ على قبول هذا……”

“لا بأس، الطعام وفير. طعام الطفل أيضاً.”

“آه……”

اطمأن قلب الأم أخيرًا على طفلها وارتسمت الراحة على محياها.

بدأ يطعمها الطعام بروية وبطء.

ملعقة تحمل الطعام.

وملعقة تحمل الذكرى.

وحين فرغ من إطعامها، التفت إلى الطفل قائلاً:

“أيها الصغير؟ أترى هذه العلامة عند مدخل الخيمة؟”

“أجل، أراها.”

“هذه تقرأ (أيه-3).”

“أيه-3……”

“احفظها جيداً. ابتداءً من صباح الغد، عد إلى الخيمة التي تحمل هذا الرمز. أيمكنك فعل ذلك؟”

“نعم! أستطيع.”

“أحسنت، يا بني.”

مسح خافيير رأس الطفل وهو يفكر:

واقعياً، هذا أقصى ما يمكنه تقديمه من مساعدة.

لذا تمنى لو يجد لويد حلاً لمشكلة عزل الأنابيب التي يشغل باله بها بأسرع وقت. فبهذه الطريقة، سينعم هذا الطفل وأمه الكفيفة، وجميع اللاجئين الآخرين براحة أكبر.

ولعل هذا هو السبب الذي جعله مستغرقاً في مشاعره وتأملاته.

تلك الليلة، حين أخبره لويد أنه عثر على حل لمشكلة عزل الأنابيب وبحاجة للمساعدة، أومأ خافيير برأسه دون تردد، مرتكباً خطأً بغيضاً في السذاجة.

♣

“إذن، تقصد أن نذهب إلى غابة إيفرجلو، موطن الجان، للحصول على عصارة شجرة تُدعى (إيلينسيا)؟”

“أجل.”

“أي هراء هذا الذي تقوله……”

هز خافيير رأسه.

ورمى بنظرة حازمة نحو لويد الذي جاء لتلاوة تهويدته (؟).

“إن كان هذا قصدك، فلن أساعدك.”

“واو. ولماذا؟”

“أي لماذا تسأل، لأنها مساعدة مستحيلة.”

“لكنك أومأت برأسك موافقاً قبل قليل.”

“لأنك لم تذكر أننا سنذهب إلى غابة إيفرجلو وقتها.”

“آها. ظننته أمراً يسيراً فأومأت بلا تفكر، وحين تبيّن لك العكس تريد سحب كلامك والتراجع خطوة للوراء؟”

“ليس الأمر هكذا……”

“ليس هكذا وكأنك حمار! بل هو كذلك.”

“……”

“أيها الخافيير العظيم، ما بال لسانك طويلاً هكذا؟”

“……”

“ماذا؟ أأنا مخطئ فيما قلته؟”

“……”

صمت خافيير مطبقاً شفتيه لبرهة.

لأن لويد لم يكن مخطئاً البداية.

“لكن يا سيدي لويد.”

“أجل، دافع عن نفسك.”

“هذه محاولة مستحيلة منذ البداية.”

“استخراج عصارة شجرة إيلينسيا من غابة إيفرجلو؟”

“نجل.”

“أتظن ذلك حقاً؟”

“نجل.”

“ولماذا؟”

“لأن الجان جنس يستحيل التفاوض معهم أصلاً. محاولتك ستؤدي حتماً إلى إهدار الوقت والجهد في أمر محال. ألا يكون بناؤنا وتركيزنا على إيجاد حل هنا والعناية باللاجئين أكثر بناءً وجدوى؟”

هذه هي الحقيقة.

لمدة خمسمائة عام على الأقل.

لم يقم أي إنسان بأي تبادل أو تواصل مع الجان، وهو الرأي الراسخ في أكاديمية علوم الأجناس اللوراسية.

“إنهم متصلبون. يرفضون أي تواصل مع البشر. ولم أسمع بمثل هذا الأمر إلا في مكان واحد فقط. كتب القصص الخيالية التي يقرأها الأطفال.”

“……”

“وإن آمن أحدهم بإمكانية حدوث ذلك، فلا يسعني إلا افتراض أن عقله قد توقف عند سن السادسة.”

“السادسة؟ ما دليلك؟”

“لأنني كنت أؤمن بأنني أستطيع مصادقة الجان حتى بلغَتْ سني السادسة تحديداً.”

“حسناً، أتراني تتلقى هجوماً مبطناً على عمري العقلي الآن؟”

“كلا.”

“إذن؟”

“أرمي بالحقيقة في وجهك مباشرة.”

“يا للهول. هجوم مباشر جهاراً نهاراً.”

“لأنها الحقيقة.”

“لكن كلمة هجوم مباشر باتت تُستخدم في غير محلها هكذا؟”

“بما أنك استخدمتها مرات عديدة يا سيدي لويد، فقد بدأت أخيراً أستوعب معناها.”

“……تباً. لكن ما العمل، يبدو أنك مخطئ هذه المرة.”

“مخطئ، ماذا تقصد؟”

“أعني أن هناك طريقة للحصول على عصارة شجرة إيلينسيا من تلك الغابة التي يسكنها الجان. وأي هراء تقصد بـ (أي هراء)؟”

“……”

“ماذا. لماذا. لماذا تحدق بي مجدداً بعيون السمكة الميتة تلك؟”

“لا شيء، كنت أفكر فحسب إن كان يجدر بي استدعاء طبيب نفسي لجلالتك صباح الغد.”

“……”

تخخ.

أصدر لويد صوتاً بسخرية من فيه.

خافيير لا يصدق كلامه البتة كعادته.

لأنه يعلم جيداً سبب اتخاذ ذلك الوغد لهذا الموقف.

‘صحيح أن العلاج النفسي تعبير قاسٍ بعض الشيء، لكن ردة فعله ليست بلا مبرر.’

ولم تكن بلا مبرر حقاً.

أنساب الجان في غابة إيفرجلو التي ذكرها.

لم يكونوا ليقيموا أي نوع من التواصل مع البشر.

ناهيك عن تبادل الحديث.

حتى أنهم كانوا يقتلون بلا رحمة كل من تجرأ على دخول الغابة عشوائياً.

لذلك، بالنسبة لسكان قارة لوراسيا هنا، فإن عبارة ‘سأتفاوض مع الجان’ تعني ماذا؟

تساوي حرفياً تصريحاً بالرقص حافياً بملابس داخلية تاركاً السافانا الإفريقية في القرن الحادي والعشرين ودون أن يصيبك أذى!

‘لأن حقيقة أن أحداً لم ينجح في التحدث معهم طوال مئات السنين هي ثابت لا غبار عليه. لا أقوى الملوك، ولا حتى الأباطرة أو سادة السيوف.’

فشل الجميع.

وحتى قوة سادة السيوف لم تكن ذات جدوى.

أمام الجان الخاطفين للأبصار في الغابة، بدا سيد السيف مجرد باحث بطيء وبليد.

‘والشخص الذي سيحطم هذا الإدراك المطلق لأول مرة هو خافيير بالذات.’

رائد غابة إيفرجلو.

خافيير أسراهان.

ذلك الوغد الذي يلقي عليّ الآن حقائق لاذعة مؤكداً استحالة التفاوض مع الجان، سينتهي به المطاف لاحقاً بمصادقتهم. سيخوض شتى المغامرات، بل وسيدخل في علاقات عاطفية مبهمة.

‘حين أفكر في الأمر، أشعر بالغيظ قليلاً.’

رواية فارس الدم الحديدي.

استرجع لويد محتواها، فحدق بحدة وغضب ملقياً نظرة جانبية نحو خافيير.

‘حين أتأكد من الأمر، أجد أن هذا الوغد في الرواية كان يقيم علاقات غرامية أينما حل. أهذا قاذف قنابل مشاعر أم ماذا؟’

لكن الأكثر إضحاكاً هو أن خافيير ضرب جداراً جليدياً بجنوب القطب المتجمد في وجه كل أولئك النسوة.

وتذكر تلك النقطة زاد من غيظه أكثر فأكثر.

“لهذا أنت تبقي وحيداً يا هذا.”

“……أبقى وحيداً، ماذا تقصد؟”

“ألست عدو منظمة العُزّاب…… لا، أقصد استخدم خيالك قليلاً يا رجل.”

“خيالاً؟”

“نعم.”

طوى لويد أفكاره الجانبية.

واستحضر مجدداً ذكريات غابة إيفرجلو التي كانت موضوعه الأساسي.

“جان غابة إيفرجلو؟ لا مشكلة. عصارة إيلينسيا؟ يمكنني جلبها. حقاً.”

إن سارت الأمور وفقاً لذلك.

وإن تمكن حقاً من استخراج عصارة شجرة إيلينسيا.

فهو واثق تماماً من حل مشكلة عزل الأنابيب التي كان يشغل بها تفكيره حالياً.

عصارة شجرة إيلينسيا المذكورة في رواية فارس الدم الحديدي.

المادة المتصلبة الناتجة عن تلك العصارة أظهرت قدرات فائقة في صد الحرارة تُعد الأقوى في العمل الأدبي.

‘وبالطبع، فقد صنع خافيير في الرواية درعاً وخوذة خاصتين من تلك العصارة المتصلبة. وارتداهما ليواجه التنين.’

كان الخصم تنيناً نارياً ينفث لهيب الجحيم.

ومع ذلك، لم يستطع ذلك النَفَس الجهننمي المدمر إذابة الدرع المصنوع من عصارة إيلينسيا المتصلبة. بل على العكس، حجب الحرارة المنتقلة للداخل بنسبة تجاوزت التسعة وتسعين بالمائة.

‘لقد تلقى ثلاث ضربات تنفسية متتالية ومباشرة. ومع ذلك كانت همهمة خافيير بعد ذلك أسطورية. لقد قال شيئاً مثل: آاه، الجو دافئ لطيف.’

حتى إنه شعر بالنعناع وكأنه يشعر بالدفء كبطانية قرب الموقد في الشتاء.

وبهذه الطريقة، أصبح خافيير في مأمن تام من لهيب التنفس الناري، وبعد معركة قتالية ضارية استمرت ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، قطع قرني التنين.

فارس الدم الحديدي.

كانت تلك صفحة مجيدة من مغامراته العظيمة.

“لذا، كل ما علي فعله هو الذهاب إلى غابة إيفرجلو وجلب عصارة شجرة إيلينسيا. وبمجرد الحصول عليها وطلاء أنابيب العزل بها، يمكننا نقل حرارة غرفة التدفئة المركزية إلى الشقق بأكملها دون أي خسارة في الطاقة. أنا متأكد.”

وما يتبقى من العصارة، سيخزنه لاستثماره في أرباح مالية أكبر.

رمق لويد خافيير بنظرة محملة بالدوافع الخبيثة والثقة المطلقة.

بادله الآخر نظرة حازمة وثابتة.

“……”

“……”

كم تداخلا بنظراتهما يا ترى.

أخيراً، بادر الأخير بفتح فمه أولاً.

“أكلامك هذا جاد؟”

“أجل.”

“أليس هراء طفولياً؟”

“بالتأكيد جاد.”

“حسن إذن. إن كنا سنذهب حقاً إلى غابة إيفرجلو، فكيف تنوي إقناع جان هناك وجعلهم يتفاوضون لنيل عصارة إيلينسيا؟”

“سأخبرك حين تعدني بالتعاون.”

“أتعني إن أعطيتك وعداً؟”

“أجل. فلدي سر لا أود إفشاءه لأي كان. إذن؟ لن تذهب؟”

“……”

“إن لم ترغب فارفض. سأذهب وحدي إذن. لكن بالطبع، سيتأخر الحصول على عصارة إيلينسيا كثيراً. ولن يتمكن اللاجئون من الانتقال إلى الشقق العام القادم أيضاً. آه، ليتها من مأساة. لو أن سير أسراهان القاسي قدم بعض التعاون لكان اللاجئون قد قاسوا معاناة أقل العام القادم.”

“……”

“بمجرد بناء الشقق، سيقضي الجميع يوماً دافئاً يوم تساقط الثلوج الأولى. سيبني الأطفال رجال ثلج، ويتبادلون قذف الكرات الثلجية، ويضحكون مرحين وهم يتزلجون. لكن ذلك سيظل مجرد أمل خيالي محزن لن يتحقق أبداً. لماذا؟ لأن سير أسراهان القاسي لا يتعاون معنا.”

“……”

“لذا، سيقف طفل لاجئ ما في برد الشتاء القارس العام القادم متمتماً: (آه، باتوراش……) ويسقط رأسه بيأس. أيكتفي الأمر بهذا؟ فتاة مسكينة ستصرخ: (اعرضوا كبريت… آآه، اعرضوا كبريت……) لتفقد الأمل وتغمض عينيها وسط البرد متدفئة بلهيب كبريت واهٍ. ألا تعتقد أن كل هذه المآسي تنبع من سبب بسيط؟ لأن سير أسراهان القاسي لا يتعاون معنا.”

“……”

“آه، لكن رغم هطول تلك المآسي بلا رحمة، فإن سير أسراهان القاسي……”

“سأذهب. سأذهب.”

قال خافيير من بين الأسنان وهو يضغط عليها بقوة.

تألق بريق الحياة في عيني لويد.

“أستذهب؟”

“أجل.”

“معي؟”

“……أجل.”

“إلى غابة إيفرجلو؟”

“تبّاً، أجل.”

أألطمه ضربة واحدة؟

أجاب خافيير بينما يفتح ويغلق قبضته.

فيما أشرقت زهرة ابتسامة راضية على شفتي لويد.

“كان يجب أن تفعل ذلك منذ البداية.”

“إذن أخبرني الآن.”

“بماذا؟ بالطريقة التي ستجلب بها عصارة إيلينسيا من غابة إيفرجلو؟”

“أجل.”

كان متحرقاً شوقاً لمعرفة الإجابة.

يا ترى، أي طريقة جهنمية ومبتكرة يمتلكها؟

وأي أسلوب فريد سيمكنه من انتزاع عصارة إيلينسيا من أولئك الجان المتشددين بلا حدود؟

كان خافيير ينتظر بترقب شديد.

وفي الوقت ذاته، قطع عهداً على نفسه.

بأن يكرس قصارى جهده لخدمة وتفانٍ أولئك التعساء، طفل اللاجئين وأمه الكفيفة اللذين رآهما في المساء. وبأنه سيفعل أي شيء عدا السرقة التي تسيء لشرف الفارس.

وفي اللحظة التي كان يجدد فيها خافيير تصميمه الصارم.

انحرفت زاوية فم لويد بابتسامة خبيثة دقيقة.

قال متذكراً أحداث الرواية:

“الطريقة بسيطة للغاية.”

“سرقتها.”