الفصل 103: حامل إقطاعية ماجنتا على كاهله (1)

الفصل 103: حامل إقطاعية ماجنتا على كاهله (1)

"أتقصد أن ألسنة اللهب ستلتهم الحدود الشرقية؟ ما هذا الهراء الذي تتفوه به بحق السماء؟"

رمقته الملكة أليسيا بنظرة شزراء مشوبة بالشك؛ فمن الواضح أنها اعتبرت كلماته مجرد ترهات لا أساس لها من الصحة.

لكن لويد لم يكن في وارد التراجع أو القلق من نظراتها، بل ألقى صنارته بجرأة أكبر.

"إنها الحقيقة المحضة يا جلالة الملكة."

"الحقيقة؟"

"بلى يا صاحبة الجلالة."

"إذن دعني أسألك؛ على حد علمي، ينعم الشرق بهدوء تام حالياً. لم تصلني أي تقارير طارئة، ولا نذر حرب تلوح في الأفق هناك. ومع ذلك، تصر على التحذير من مخاطر وشيكة، فكيف لي أن أتقبل هذا الكلام؟"

"اعتبريه إنذاراً مبكراً لكارثة ستقع قريباً جداً."

"إنذار؟ كارثة وشيكة؟"

"تماماً كما أقول يا مولاتي."

(لقد ابتلعت الملكة الطعم. علقت الصنارة في حلقها تماماً. حان وقت سحب الخيط!)

"أنا، لويد فرانتييرا، أتجاسر وأقول لجلالتكِ: في غضون شهر واحد من الآن، ستتحول منطقة كرمونا الشرقية بأكملها إلى رماد. ستُحرق البيوت، وتُسفك الدماء، وستُباد الأراضي الزراعية عن بكرة أبيها."

"منطقة كرمونا بأكملها؟ وفي غضون شهر؟"

"هذا صحيح يا جلالة الملكة."

أحنى لويد رأسه بوقار مصطنع. بالطبع، لم يكن ما قاله الآن حقيقة مطلقة، فربما تقتصر الكارثة على إقطاعية البارون فرانتييرا وحدها وتنجو بقية مناطق كرمونا. لكن الموقف يتطلب تضخيماً وتويلاً لإظهار مدى الخطورة.

كان عليه جذب انتباه الملكة بأي ثمن، وانتزاع أي نوع من الدعم منها. فهل آتت المحاولة ثمارها؟

"مهلاً، ألا يجافي هذا المنطق السليم؟"

بدت ملامح الملكة أكثر جدية الآن؛ توقفت عن إمالة رأسها أو عقد حاجبيها بتهكم، وتحدثت بصرامة بالغة.

"ألعلك عانيت من كابوس مرعب؟ واعلم أولاً أنني لا أقصد إهانتك بهذا السؤال."

"أدرك ذلك تماماً يا مولاتي."

"حسناً، إذن لماذا تدلي بهذا التحذير السخيف؟ بينما تظل كرمونا الشرقية هادئة وساكنة اليوم."

"لن تظل كذلك بعد شهر."

"همم، شهر واحد. أتحسب حساب السلطنة القابعة خلف الجبال الشرقية والأراضي القاحلة؟"

(السلطنة؟)

أرهف لويد سمعه باهتمام، فتابعت الملكة أليسيا:

"في الواقع، قامت السلطنة مؤخراً بتحركات عسكرية واسعة على حدودها الغربية المواجهة لنا. لقد تابعت الأمر بنفسي، لكن لم تظهر أي مؤشرات تشكل تهديداً مباشراً."

"ألا ترجحين أنهم يمهدون لغزو؟"

"لا."

قالتها الملكة بحسم قاطع، وأردفت:

"أكدت الاستخبارات أن أنشطتهم تمت داخل حدودهم فقط، ولابد أنها مجرد تدريبات دورية ضخمة. وحتى لو فكروا في الغزو، فإن تحريك المؤن الهائلة اللازمة لحملة بهذا الحجم لن يخفى على شبكة جواسيسنا. لم نرصد شيئاً من هذا القبيل، وعلاوة على ذلك..."

خفضت بصرها نحو لويد وتابعت:

"يوجد بين حدودنا وسلطنة الشرق حاجزَان جغرافيان مهولان. وأنت تدرك ذلك، أليس كذلك؟ الأراضي القاحلة التي تعج بالوحوش الضارية، وتلك الجبال الشرقية الشاهقة والوعرة التي يستحيل على الجيوش عبورها. لذا، فإن الزعم بأن السلطنة ستهاجمنا عبر الشرق هو أمر يجافي المنطق. ربما لو كان الحديث عن الشمال حيث تتلامس الحدود لكان ممكناً."

تحدثت بيقين تام، وفكرت الملكة أليسيا في سرها: (يا لويد فرانتييرا، لقد أخطأت التقدير هذه المرة).

وبالفعل، كان لويد يكتفي بحني رأسه، وبدا عاجزاً عن الرد. رغم ذلك، رمقته الملكة بنظرة دافئة.

(لعلها مجرد نزوة شبابية أوقعته في هذا الخطأ. لقد أظهر حتى الآن نباهة وقدرات استثنائية، وكان الموهبة الأكثر إثارة للإعجاب، لكنه يظل شاباً في النهاية، تفيض دماؤه حماسة، ولابد أن هذا الاندفاع هو ما جعله يستبق الأمور. ربما سمع إشاعة مغلوطة وبالغ في تفسيرها فهرع إليّ).

(هل عليّ تهدئته قليلاً؟) فكرت الملكة. إنه خطأ نابع من الولاء والحماس. في مواقف كهذه، يجب على الحاكم احتواء الأخطاء وتوجيه تلك الطاقة نحو مسار أفضل، لا قمعها وتحطيمها. هذه هي القيادة والشمولية التي تليق بالحاكم.

"يا لويد فرانتييرا، ارفع رأسك."

رفع لويد رأسه ببطء، لكن نظرته كانت غريبة؛ كانت حدقتاه تضطربان، وكأنه غارق في حسابات معقدة. في الواقع، كان عقله يعمل بسرعة البرق.

لم يكن يبحث عن أعذار، بل كان يحلل المعلومات التي سمعها للتو من الملكة. وبفضل تلك الكلمات، أدرك سبب الكارثة القادمة بوضوح.

(سحقاً! إذن هذا هو السبب!)

التدريبات العسكرية للسلطنة، والأراضي القاحلة المليئة بالوحوش. بمجرد سماع هذين الأمرين، تذكر تفاصيل من رواية [فارس الدم الحديدي].

(دومينو الوحوش.. استراتيجية الحفاظ على القوة الابتدائية).

لقد كانت عقيدة عسكرية مبتكرة ستكشف عنها سلطنة الشرق. متى؟ بعد عامين ونصف. وأين؟ في غزو حدود ماجنتا من جهة الشمال. لكن الموعد تقدم، والمكان تغير! سيحدث الآن، وفي الشرق لا الشمال.

(لماذا؟ ما السبب في هذا التغيير؟) راودته التساؤلات حول نوايا السلطنة وسبب تبدل الخطط، ولم يجد إجابة واضحة مهما فكر. ومع ذلك، تملكه يقين بضرورة إطلاع الملكة على الحقيقة الآن.

"جلالة الملكة، لدي ما أقوله مجدداً."

"همم، ألا تزال مصراً على موقفك؟"

بدت الحيرة على وجه الملكة، وكأنها تسأل: ألم ينتهِ الحديث بعد؟

لكن لا، لم ينتهِ. لقد بدأ للتو.

قال لويد:

"التدريبات العسكرية التي ذكرتها جلالتُكِ للسلطنة، هي الشرارة التي ستشعل بحار الدماء في كرمونا الشرقية."

".... ماذا؟"

"إنها الحقيقة يا جلالة الملكة."

"حقيقة؟ كيف تجزم بذلك؟ تدريبات داخل حدودهم تسبب دماراً في شرقنا البعيد خلف الأراضي القاحلة؟ هذا كلام لا يستوعبه عقل."

"ستدركين ذلك تماماً يا مولاتي، لأنها استراتيجية عسكرية جديدة وغير مألوفة."

"اشرح لي بالتفصيل."

تصلبت ملامح الملكة، فبلل لويد شفتيه وقال:

"هذا ما يُعرف بتأثير الفراشة."

"تأثير الفراشة؟"

"نعم يا مولاتي. حين ترفرف فراشة بجناحيها في مكان ما، فإن سلسلة من الأسباب والنتائج تخلق إعصاراً في الجهة الأخرى من العالم. هذا هو جوهر الظاهرة."

"فكرة مثيرة للاهتمام. ولكن، هل ستحدث بين السلطنة وشرقنا؟"

"أجل، هكذا هو الأمر. لن يكون إعصاراً، بل هجوماً كاسحاً من الوحوش."

"الوحوش؟"

"نعم يا جلالة الملكة. واستفاضةً في الشرح: كما تعلمين، تعيش أسراب هائلة من الوحوش في مواطنها داخل الأراضي القاحلة الشرقية."

"صحيح."

"ستستغل السلطنة ذلك. ستقوم بمهاجمة وتطهير مستعمرات الوحوش الملاصقة لشرق حدودها، وتضغط عليها لتنتقل مواطنها نحو الغرب."

"وإن فعلت؟"

"مهما بلغت قوة الوحوش، فلن تصمد أمام زحف الجيوش المنظم. ستضطر لتغيير موطنها هرباً، وهنا يبدأ [دومينو الوحوش]."

"دومينو؟"

"تماماً يا مولاتي. الوحوش التي تهرب غرباً ستكتسح مواطن وحوش أخرى، مما يضطر الأخيرة للهرب أيضاً. سيتكرر الأمر بشكل متسلسل، كقطع الدومينو التي تسقط تباعاً، حتى تصل تلك الأمواج الهائجة من الوحوش إلينا في الغرب."

"أتقصد أن الضغط المستمر للسلطنة سيجعل تداعيات تلك الهجرة تجتاح منطقة كرمونا؟"

"بالضبط يا جلالة الملكة."

تماماً كما حدث في تاريخ الأرض القديم؛ قبائل الجرمان التي فرت غرباً هرباً من "الهون"، فدمرت هجرتهم حدود الإمبراطورية الرومانية. سيحدث سيناريو مشابه هنا في الشرق.

"همم."

غرقت الملكة في تفكير عميق، ثم سألت:

"وما مكسبهم من كل هذا؟"

"الحفاظ على القوة الابتدائية."

أجاب لويد بلا تردد:

"بينما تغرق حدودنا في الفوضى والدمار بسبب الوحوش، سيحتفظون هم بقواتهم كاملة دون خوض معركة واحدة. وسيمكنهم ذلك أيضاً من قياس مدى قوتنا."

"قياس قوتنا؟"

"نعم. إذا فشلنا في صد أمواج الوحوش، فسيكشرون عن أنيابهم ويغزوننا فوراً. وإذا نجحنا، سيكتفون بسحب قواتهم وكأن شيئاً لم يكن."

"منطقي جداً.. ولن نتمكن من لومهم، فهم لم يهاجمونا مباشرة."

"هذا هو لب الموضوع. وحتى لو واجهناهم بالحقيقة، سيتحججون بأنها مجرد تدريبات داخلية، وقد يتهموننا بالتدخل في شؤونهم."

"......"

صمتت أليسيا. كلام لويد منطقي ويحمل وجهاً قوياً من الصحة. وإذا كانت السلطنة تخطط لهذا فعلاً، فإن الشرق ينتظره جحيم حقيقي. لكن، ثمة سؤال يطرح نفسه.

"من أين لك هذه المعلومات؟"

صارت نظرات الملكة حادة كالنصل. "كل ما قلته منطقي وممكن، ولهذا يساورني الفضول. كيف تمكنت من معرفة ما عجزت استخباراتنا عن كشفه؟"

كانت تريد الحقيقة، والشك ينهش عقلها. حتى لو كان كلامه صحيحاً، فكيف لشاب مثله أن يعرف أسراراً غابت عن جواسيس البلاط؟

لكن لويد ظل هادئاً، وأجاب بنظرة يلفها الغموض:

"أخبرني أصدقائي في الأراضي القاحلة الشرقية."

"أصدقاء في الأراضي القاحلة؟ أتقصد...؟"

"تخمينك في محله. العفاريت.. وتحديداً قبيلة الرمال الحديدية."

"هذا صحيح يا جلالة الملكة."

بالطبع، كانت كذبة بيضاء. لم يسمع شيئاً من العفاريت، لكنه لو قال: (أعرف لأنني قرأت الرواية)، لزجوا به في المصحة العقلية. لذا واواصل نسج كذبته:

"أنتِ تعلمين أن إقطاعيتنا عقدت حلف دم معهم، ونحن نتبادل الزيارات والأخبار باستمرار. وبطبيعة الحال، نقلوا لي ما يحدث في الجانب الآخر من الأراضي القاحلة."

"همم، العفاريت عرفوا الاستراتيجية ونقلوها لك؟"

"بالضبط."

"وما دليلك على أنها ستنفذ في غضون شهر؟"

"إنه حدسي يا مولاتي."

"حدسك؟"

"نعم."

رفع لويد رأسه، والتقت عيناه بعيني الملكة مباشرة بيقين تام. "محاولة الاغتيال الفاشلة التي استهدفت جلالتكِ مؤخراً جعلت العاصمة في حالة اضطراب، ولابد أن هيبة التاج اهتزت قليلاً في عيون بعض النبلاء."

".... ولن تفوت السلطنة فرصة كهذه؟"

"هذا ما أقصده تماماً. إنهم أعداء قدامى، وجواسيسهم في البلاط لن يغفلوا عن استغلال هذا الوضع."

"همم. وتريد مني تصديقك بناءً على هذا؟"

"هذا ما أرجوه."

"لكنها مجرد تخمينات بلا أدلة مادية. هل أُحرك الجيوش بناءً على ظنون؟"

"عليكِ تصديقي يا جلالة الملكة."

"وإذا صدقتك، ما المقابل؟"

"سأحرص على إعلان أن جلالة الملكة هي من استشرفت الخطر واستعدت له بحكمتها، وسأتنازل لكِ عن كل المجد."

"ستعطيني الفضل كله؟"

"بكل سرور."

"وإن لم يحدث شيء مما توقعت؟"

"عاقبيني بأشد العقوبات."

"هاه."

ابتسمت أليسيا بذهول، لكن عينيها كانتا تحسبان الأرباح والخسائر بدقة. لقد رمى لويد طعماً لا يقاوم لأي حاكم. (على الأقل، لن تخسر الملكة شيئاً). فالاستعداد للخطر سيهدئ الأجواء المضطربة بعد محاولة الاغتيال، وسيوجه الرأي العام نحو عدو خارجي، وهي ورقة رابحة للملكة في كل الأحوال.

(وهذا ضروري بالنسبة لي أيضاً). عليه إنقاذ الإقطاعية من التهديد الوشيك. حماية "وعاء العسل" الخاص به تتطلب دعم الملكة. فبدل أن يركض هو وخافيير وحدهما، سيكون وجود جيش مدعوم من التاج أكثر فاعلية. لهذا لم يتسرع بالعودة، بل جاء للملكة ليفتح طاولة مفاوضات جريئة.

(هيا، وافقي.. أرجوكِ يا جلالة الملكة.. يا أختي الكبرى.. وافقي!)

انتظر لويد القرار وهو يعض على شفتيه خشوعاً. وفي تلك اللحظة...

*(رنين!)*

أمنيتك توقظ مديحاً معيناً تمتلكه.

المديح [حامل إقطاعية ماجنتا على كاهله] يبدأ في ممارسة تأثير قوي على الملكة أليسيا.