الفصل 2: نموذج البيت، مفتوح (1)
الفصل 2: نموذج البيت، مفتوح (1)
كان الجزء الداخلي من الحانة يشبه ساحة معركة بعد غارة مدمرة.
طاولات وكراسي محطمة تناثرت في كل زاوية، بينما كست شظايا الأطباق المكسورة الأرضية لتضيف طابعاً إضافياً من الخراب.
'يا للروعة... لقد عاث ذلك الوغد فساداً مطلقاً هنا.'
تنهد لويد في سره بقلب يعتصره الألم والاستنكار.
وما زاد الطين بلة هو منظر صاحب الحانة، الذي كان يجاهد لترتيب الصالة المنكوبة.
"أهـ... أهلاً بك يا سيدي الشاب؟"
كان الرجل الأصلع يحاول إزالة الركام بملامح يكسوها البؤس. وما إن وقعت عيناه على لويد حتى شحب وجهه كالجثة، ولمحت عيناه شرارة غضب خاطفة ما لبثت أن تلاشت في طرفة عين، ليعلو وجهه ابتسامة مصتنعة بصعوبة.
كانت تلك ابتسامة ضعيف مغلوب على أمره، مجبر على التذلل ليضمن العيش في هذه الإقطاعية.
'لو تذكرت ما جرى ليلة البارحة، لغلا الدم في عروقي غضباً.'
لكن صاحب الحانة لم يكن يملك ترف إظهار ذلك الغضب.
أثار المشهد مرارة في حلق لويد، إذ إن ذكريات ماضيه البعيد قفزت فجأة إلى ذهنه:
'حين كنت أعمل بدوام جزئي في إحدى الحانات قديماً، واجهت الكثير من أولئك الزبائن المزعجين.'
لكسب رزقه وتدبير قوته، تنقل كيم سو-هو بين شتى الوظائف المؤقتة، وكان العمل في الحانات أحدها. وبحكم طبيعة المكان، احتك بشتى أصناف البشر، وكان من بينهم زبناء ثقلاء على القلب... بل وأوغاد بكل ما للكلمة من معنى.
كان الشتم والإهانة بأبشع الألفاظ أمراً اعتيادياً بمجرد أن يسكر أحدهم. بل إن بعضهم كان يقلب الطاولات ويحطم الزجاجات لمجرد أن سعر الخمر مرتفع، أو لأن طبق المقبلات لم يعجبه، أو حتى لأن العامل لم ينحنِ له بإجلال تام! ووصل الأمر ببعضهم إلى التلويح بزجاجات مكسورة والصراخ للمطالبة بقدوم مالك الحانة.
تنهد لويد بعمق وهو يسترجع تلك الأيام الشاقة:
'تلك الذكريات... يفضل ألا أستحضرها مجدداً.'
لقد كان هو العامل البسيط المستضعف آنذاك، ولم يكن يملك حق النطق بحرف واحد أمام زبون متجبر، وكم تجرع الغصص وابتلع غيظه بعد مغادرة أولئك الأوباش.
وبفضل تلك الخبرة، استطاع لويد تفهم ما يعتمل في صدر صاحب الحانة بدقة متناهية. ورغم أن هذا الخراب لم يكن من صنعه هو، بل من فعل المالك الأصلي لهذا الجسد، إلا أنه انحنى بخفة وتحدث بصراحة متناهية:
"لقد جئت لأعتذر منك عما حدث ليلة أمس."
"هـ... هاه؟"
"إنه خطأي بالكامل. كان يجدر بي أن أشرب بوقار دون إحداث هذه الكارثة. لن ألقي باللوم على الخمر أو الطيش، بل هو خطأي الصريح."
أودع لويد في نبرته قدراً كبيراً من الصدق والإخلاص، لكن يبدو أن هذا الصدق قُرئ بشكل خاطئ تماماً.
"سـ... سيدي الشاب؟ ما الذي تخطط له بحق الخالق؟"
ارتعد صاحب الحانة، ولم يكتفِ وجهه بالشحوب، بل مال إلى الزرقة كمن يواجه ملك الموت رأساً لرأس.
"سيدي الشاب، ألم تكفك مهزلة البارحة؟ أرجوك أخبرني، ما الخطأ الذي ارتكبته هذه المرة؟"
"لا، أنا فقط..."
"ولماذا تتحدث معي بهذه اللغة المحترمة؟ هذا يرعبني أكثر والله!"
أصدر لويد صوتاً بلسانه مستنكراً، يبدو أن سمعة صاحب هذا الجسد في الإقطاعية أسوأ مما يتخيل!
"حسناً، هل التحدث بأريحية أفضل بالنسبة لك؟"
"بـ... بالطبع يا سيدي!"
"عظيم. إذن، هل تقبل اعتذاري؟"
"..."
"أفكر في تعويضك عن كل الأثاث الذي حطمته البارحة، ما رأيك؟"
"أحـ... أحقاً ما تقول؟"
'هل عاش هذا المسكين طوال حياته بين المحتالين؟'
فرقع لويد بلسانه مجدداً تعبيراً عن إحباطه، ثم قال:
"بالتأكيد حق. واعتبر التعويض عبارة عن إنشاء غرفة أوندول لك، ما رأيك؟"
"هاه؟ أوندول؟"
"غرفة تصبح أرضيتها دافئة ومريحة للغاية، ألا تعرفها؟"
"أعرف تسخين الحجارة ورش الماء عليها..."
"تلك ساونا رطبة تولد البخار. أنا أتحدث عن تسخين الأرضية نفسها بالكامل! أوندول... ألا تعرف هذا النظام؟"
وكما هو متوقع، لا يعرفه. تجمد صاحب الحانة بذهول تماماً كما حدث مع خافيير قبل قليل.
وهذا يعني أن خطته المبدئية تملك فرصة نجاح هائلة!
بلل لويد شفتيه بلسانه وقال:
"يا للخسارة أن تجهل الأوندول. سيكون هذا النظام ممتازاً للغاية لوالدتك."
"عفواً؟ والدتي؟"
"سمعت شائعات تفيد بأن صحة والدتك ليست على ما يرام هذه الأيام."
"آه... نعم، هذا صحيح."
"ولهذا السبب تحديداً أقترح عليك الأوندول."
"..."
"تخيل أن نجعل الأرضية دافئة بانتظام. لن تحتاجوا إلى أسرّة بعد اليوم، كل ما عليكم هو الاستلقاء على الأرضية الدافئة والاستمتاع بتدفئة الجسد طوال اليوم. لا مجال للمقارنة بينها وبين الساونا حتى!"
بدأت عينا الرجل تتذبذبان، لقد أخذته الحيلة والفضول، ووصل هذا التأثير ذروته حين أردف لويد بنبرة خبيرة:
"في الشتاء القارس، حين يتغلغل الصقيع في العظام، أليست الأرضية الدافئة خياراً مثالياً لكبار السن الذين يعانون من آلام المفاصل؟"
"أتقصد... كبار السن مثل والدتي؟"
"بالتأكيد! فكبار السن يعشقون الدفء الذي ينفذ إلى الأعماق."
"ولكن... هل تعطيني شيئاً كهذا حقاً؟ أنت يا سيدي الشاب؟"
"نعم، وبدقة أكبر: سأقوم ببنائها لك بنفسي."
"بنائها؟"
"بالضبط."
"..."
"ألا تصدقني؟"
"في الحقيقة... لا أدري ما إذا كنت..."
"من الطبيعي ألا تصدق. أنت تفكر الآن وتسأل نفسك: هل يخطط هذا الشاب المستهتر لنصب خديعة جديدة بلسانه المعسول؟ وتتساءل كيف لشخص مثله أن يبني شيئاً يدعى أوندول، وهل يوجد شيء كهذا في الوجود أصلاً؟ لكن بينما تستمع إلي، يتبادر إلى ذهنك وجه أمك المريضة، وتشعر بأذنيك تتطلعان لسماع المزيد، وينجذب قلبك للفكرة. أليست هذه هي الحقيقة؟"
تجمد صاحب الحانة عاجزاً عن الإنكار.
"إذن، فلنوقع عقداً فورياً!"
"عقداً؟"
"نعم، عقد تنفيذ مشروع بناء وتشييد. أحضر لي ورقة وقلم حبر."
ورغم الحيرة البالغة التي ارتسمت على وجه صاحب الحانة لعدم استيعابه تسارع الأحداث، إلا أنه جلب الورقة والقلم بطواعية.
أخذ لويد يكتب صيغة العقد بمهارة وسلاسة هندسية:
'صياغة العقود وتحديد النطاق هي ملعبي الأصلي على أي حال.'
المستفيد: صاحب الحانة.
المنفذ: لويد فرونترا.
موقع العمل: المساحة الفارغة خلف الحانة.
"ليكن إجمالي قيمة العقد شاملاً تكاليف التشييد كالتالي: تسوية وإلغاء كامل مبلغ التعويض عن الأثاث المحطم ليلة أمس. ما رأيك؟"
"أتقصد أن تبني لي هذه الغرفة المسماة 'أوندول' مقابل إعفائك من دفع قيمة الأثاث المحطم؟"
"بالضبط!"
أومأ لويد برأسه برضا.
في الحقيقة، كانت عائلة البارون ترزح تحت ديون طائلة، ولم يكن لدى لويد فلس واحد يدفعه كتعويض نقدي لصاحب الحانة. لكن إن نفذ هذا المشروع بإتقان وتسلّم المهمة بنفسه؟
'سأستطيع محو هذه الديون والتعويضات دون أن أدفع قرشاً واحداً من جيبي!'
ولم يقتصر الأمر على سد العجز المالي، بل إن أحسن التدبير، ستكون هذه أول خطوة لدحرجة كرة الثلج وتحقيق أرباح استثمارية فلكية فيما بعد!
تلك هي الصورة الكبرى التي رسمها لويد في مخيلته.
'لأن هذا هو المجال الذي أتقنه أفضل من أي شيء آخر!'
لقد كان كيم سو-هو طالباً في قسم الهندسة المدنية، ودرس هذا المجال بجد واجتهاد على طريقته الخاصة. صحيح أنه لم يملك أحلاماً وردية خرافية، واختار التخصص بناءً على درجات الاختبار كبقية زملائه لضمان وظيفة مستقرة، لكن تلك العلوم والمعارف المتراكمة ستتحول هنا إلى سلاح فتاك!
'في النهاية، أضخم الثروات تُجنى من العقارات وشركات المقاولات!'
الشقق السكنية، الأبراج، الجسور، الطرق، السدود، القنوات المائية، والموانئ... أي مشروع إنشائي يدر أموالاً طائلة، وشركات المقاولات تجلس دائماً على عرش الثروة.
وكان لويد يلمح هذا المنجم الذهبي بوضوح.
"إذن، لهذا السبب أقترح عليك العقد. ما قولك؟"
"إذن... هل ستبنيها حقاً يا سيدي الشاب؟"
"قلت لك سأبنيها! أم إنك لا تريد؟"
"لـ... ليس الأمر هكذا، ولكن..."
تردد المالك ملياً، لكنه في النهاية وضع توقيعه على 'عقد إنشاء غرفة الأوندول'.
كيم سو-هو، طالب الهندسة المدنية الكوري، ولويد، الابن الأكبر لبارونية فرونترا... وقعا أول عقد مشروع إنشائي في هذا العالم الجديد!
قد تكون البداية متواضعة، لكنها الخطوة الأولى في رحلة الألف ميل.
"إنه رجل بائس وصادق، يمر بضائقة شديدة."
لم يبتعدا عن الحانة سوى لدقيقة واحدة حتى باغت خافيير السكوت بصوته الهادئ.
"ما الذي تقصده بهذا الكلام؟"
التفت لويد ليرى وجه خافيير الخالي كالعادة من أي تعابير. بل إن هواء المكان بدا وكأنه ازداد برودة، أم أن هذا مجرد وهم؟
تابع خافيير بنبرة صقيعية:
"من يحاصر في الزاوية يصبح يائساً، وبقدر ذلك يضيق نطاق رؤيته وتتأثر قدرته على التمييز. ويصبح أمثال هؤلاء صيداً سهلاً لأصحاب النوايا الخبيثة... مثلك."
"صيداً سهلاً؟"
"نعم."
"آه، تقصد أن صاحب الحانة هو الضحية المسكينة، وأنا ذلك المحتال الحقير الذي يبتزه؟"
"ما إذا كنت محتالاً أم لا، فهذا يعتمد على أفعالك القادمة يا سيد لويد."
"يا لك من رجل..."
بدا الجو أكثر شحناً بالتوتر، وأدرك لويد أخيراً ما يدور في رأس فارس حراسته.
"هل تعتقد حقاً أنني أنوي خداع صاحب الحانة؟"
"ليس تماماً، ولكن..."
"إذن؟"
"أعتقد أنك تستغل موقف رجل مستضعف مأزوم."
'... هذا نفس المعنى تماماً يا أحمق!'
تنهد لويد بعمق. يبدو أنه منذ احتلاله لهذا الجسد، بات يثير سوء الفهم في كل حركة وسكنة.
"حسناً، لنلخص الأمر: أنت تفترض أنني لن أبني غرفة الأوندول لصاحب الحانة، أليس كذلك؟"
"هذا صحيح."
"ولماذا؟"
"لأن السيد لويد لم يسبق له أن لطخ يديه بالتراب في حياته قط."
"وكيف عرفت ذلك؟"
"سمعت ذلك من شتى الأماكن."
"إذن أنت لم ترَ ذلك بنفسك؟"
"هذا صحيح، ولكن..."
"أنت تفتقر إلى المنطق يا خافيير، على عكس ما تظهره."
"عفواً؟"
تغصن حاجبا خافيير الوسيمان لأول مرة بشرارة استنكار.
نظر لويد إلى خافيير الذي كان يفوقه طولاً بنحو خمسة سنتيمترات وقال بثبات:
"أنا خائب الأمل بك يا خافيير. أتحكم على الآخرين بناءً على الشائعات والأقاويل فقط؟"
"هذا..."
"هذا يسمى تحيزاً وأحكاماً مسبقة!"
"..."
"وحتى الآن، سلوكك خاطئ تماماً. لقد رأيتني أوقع العقد مع صاحب الحانة بنفسك، أليس كذلك؟ برأيك، ماذا سأفعل بهذا العقد؟"
"بالتأكيد..."
"هل ظننت أنني سألقي بالعقد في زاوية مهملة وأذهب لاللهو والعبث؟"
"لم أكن أعني ذلك..."
'أي نفي هذا! أنت تفكر بهذا بالضبط!'
وكما لاحظ لويد سابقاً، خافيير فاشل تماماً في الكذب؛ إذ يملك عادة إشاحة بنظره بعيداً عن عيني محدثه كلما حاول الكذب، وهذا ما فعله للتو بالضبط.
"كنت تظن أنني سأستغل العقد كذريعة للمماطلة وخداع صاحب الحانة، وأقول له إنني سأبني الغرفة يوماً ما، كي أتهرب من دفع تعويض الأثاث المحطم إلى الأبد."
"أنا فقط..."
"هذا هو التمييز والتحيز بعينه! أن تحكم بسطحية على الآخرين بناءً على ظنونك الخاصة. وبسبب هذه الممارسات تندلع النزاعات، ويسود التمييز، وتتفكك العائلات، وينهار المجتمع بأسره!"
يبدو أن خافيير لم يتوقع مثل هذا الهجوم المضاد الكاسح، فأطبق فمه تماماً. ربما اعتبر كلام لويد مجرد سفسطة ومراوغة كلامية، ولم يتكبد لويد عناء تغطية ذلك، بل أشار بذقنه نحو خافيير قائلاً:
"على أي حال، بما أنك أفصحت عن أفكارك، ألا يمكنك التنحي جانباً القليل؟"
"هاه؟"
"خطوتين إلى اليمين فقط... نعم، هناك. فأنا أقوم لقياس مساحة قطعة الأرض الآن."
وكان كلامه جاداً تماماً.
لقد بدأ لويد العمل بالفعل حتى قبل أن يفتح خافيير فمه. كانت هذه الساحة الخلفية هي الموقع المخصص لتشييد غرفة الأوندول، وكانت معاينة التربة والأرض الخطوة الأولى الحاسمة قبل البدء في التصميم وجلب المواد.
'بما أن المبنى ليس ضخماً، فلا داعي لحسابات فائقة التعقيد، لكن الأرض مائلة قليلاً، لذا سأحتاج لتسوية التربة وتعديل الأساسات.'
كانت الحانة تقع على أحد جوانب قطعة الأرض، وفي الجانب المقابل يقع منزل صاحب الحانة الخاص. وكان الخيار الأمثل هو بناء غرفة الأوندول في المساحة الفاصلة بينهما.
'لنلقِ نظرة على طبيعة التربة.'
انحنى لويد، وأخذ يقلب التراب في موقع البناء، يلمسه ويعجنه بين أصابعه.
'آه... هذا يذكرني بأيام الدراسة الجامعية.'
تذكر تلقائياً محاضرات ميكانيكا التربة التي كانت تتناول خصائص الحبيبات ونسبة الفراغات، وكم المرات التي اضطر فيها لنقل أكياس التراب واختبارها!
ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل كان يفرك التربة حتى تتفتت كأنها فتات ممحاة، ويقوم بشويها في الفرن، وغليها، وتبخيرها لتقييم صلابتها. وبطبيعة الحال، تحولت تلك الخبرة العملية الشاقة إلى كنوز لا تُقدر بثمن بالنسبة للويد الحالي!
'التربة هنا ممتازة جداً!'
بل كانت أفضل مما توقع! فأسفل الطبقة السطحية الداكنة ببضعة سنتيمترات، ظهرت تربة ذات لون أحمر قانٍ... لقد كان طيناً أحمر نقياً عال الجودة!
'هذا حظ يبتسم لي بكرم!'
نفض لويد يديه ووقف منتصباً، ليلتقي بنظرات خافيير المندهشة التي كانت تراقبه بصمت.
"ماذا؟ لماذا تنظر إلي بهذه الطريقة؟"
"..."
"هل تثير دهشتك رؤية رجل يعبث بالتراب؟"
"على الأقل... هذه أول مرة أرى فيها السيد لويد يفعل شيئاً كهذا."
"إذن اعتَد على المنظر، لأنك ستراه كثيراً في القريب العاجل!"
اتسعت نظرات خافيير بالذهول، بينما تجاهله لويد ومضى يجوب الإقطاعية ببطء.
كانت خطواته تبدو كنزهة هادئة للناظرين، لكن عينيه الهندستين كانتا تفحصان تضاريس الإقطاعية بدقة فائقة، وخاصة ضفاف النهر الذي يشق وسط الإقطاعية، لاختيار الموقع الأنسب لاستخراج كميات ضخمة من الطين الأحمر لاحقاً.
"حسناً، فلنعد إلى القصر الآن."
وحتى بعد وصوله إلى القصر، لم يتوقف لويد عن العمل.
'من الضروري إتقان الخطوة الأولى لضمان نجاح المشروع بأكمله.'
أي عيب في التشييد سيلطخ سمعته الإنشائية، وسيصعب عليه جذب عملاء جدد في المستقبل، وتلك ستكون ضربة قاضية لخططه الاستثمارية. ولضمان عدم حدوث ذلك، كان عليه تقديم أعلى معايير الجودة.
'رضا العملاء يعني دخول الأموال إلى جيبي!'
كان السهر طوال الليل أمراً أليفاً بالنسبة له بفضل سنوات الدراسة والعمل الجزئي. ومنذ هبوط الليل وحتى ساعات الفجر الأولى، عكف لويد على رسم المخططات الهندسية بدقة متناهية على الأوراق الفارغة.
وما إن بزغ الفجر، حتى توجه مباشرة إلى مكتب الإداري المسؤول في القصر.
"كم تبلغ كمية الأخشاب المخزنة في المستودع؟"
"عفواً؟"
كان الوقت مبكراً جداً، ولم يكن الإداري قد تناول فطوره أو غسل وجهه بعد، فأخذ يميل برأسه بذهول، متسائلاً عما إذا كان السيد الشاب يهذي تحت تأثير الثمالة في الصباح الباكر!
"فيما ستستخدم هذه الأخشاب يا سيدي الشاب؟"
"وفيما تُستخدم الأخشاب برأيك؟ للبناء بالطبع! خذ هذه."
"ما هذه؟"
"انقل كميات الأخشاب المحددة في هذه الورقة إلى الفناء الخلفي لحانة القرية... أفهِمت؟"
'إذا أردت إنجاز عمل، فعليك تنفيذه بسرعة وحزم كالبلدوزر!'
وبفضل أسلوب لويد القاطع هذا، أومأ الإداري برأسه مأوذاً بالصدمة، وقبل حلول الظهيرة، كانت الأخشاب المحددة متراكمة بكثرة في الفناء الخلفي للحانة!
"بما أن المواد قد وصلت، فلنبدأ العمل فوراً!"
خلع لويد معطفه الثقيل، وارتدى قميصاً خفيفاً وقفازات عمل محكمة، وحين أمسك بيد الفأس والمجرفة، شعر براحة لا تُوصف.
'تلك الأعمال الشاقة... كم عانيت منها في كل عطلة صيفية وفي الخدمة العسكرية!'
لكونه طالباً في الهندسة المدنية، كان ضابط الإمداد يستدعيه في الجيش لكل مشروع تشييد صغيراً كان أم كبيراً، حتى حاز لقب 'آلة العمل المعتمَدة في الكتيبة' قبل تسريحه!
'حقاً... العمل البدني الشاق هو اختبار الرجال الحقيقي!'
بدأ بتمهيد موقع البناء، فحفر الأرض في الفناء ونقل التربة الزائدة، ثم أخذ يدك التربة ويرصها بجهد وعناية.
'لأن دك كميات ضخمة من التراب دفعة واحدة يتسبب بكارثة مستقبلاً!'
كان ذلك خطأ شائعاً في أعمال التمهيد الإنشائي؛ إذ يتم دك الطبقة السطحية بشكل جيد، بينما تظل الطبقة السفلى رديئة ورخوة، فإذا بُني منشأ فوقها، ينتهي الأمر بانهيار المبنى أو ميلانه بعد سنوات قليلة!
ولأن لويد يعلم هذه القواعد الهندسة جيداً، فقد كرر عملية نقل التراب ودكه طبقة تلو الأخرى.
وفي أثناء ذلك، التفت فجأة نحو خافيير الذي كان يقف بجانبه صامتاً كأنما تؤدي دور الحارس الشخصي بصرامة.
"أيها الفارس."
"هل تستدعيني يا سيد لويد؟"
"نعم ناديتك."
"هل هناك أمر تأمرني به؟"
"نعم، أريدك أن تشاركني أعمال الحفر والدك."
"..."
توقف خافيير دون إجابة.
"ماذا؟ ألا يعجبك الأمر؟"
"..."
"إذا حفرت معي، ستتضاعف سرعة العمل مرتين!"
"..."
"آه... لا شك أن والدة صاحب الحانة تعاني من الصقيع في هذه اللحظات أيضاً! لو أنها استلقت في غرفة أوندول دافئة لزالت آلامها فوراً... لكن ذلك مستحيل حالياً! ولماذا؟ لأن الفارس النبيل السير خافيير يأنف من وضع يده في التراب والحفر!"
"..."
"آه... لو أنها حظيت بتدفئة الأوندول لانحلت مفاصل الأم العجوز المتيبسة ولارتسمت البسمة على شفاهها... لكن هذا حلم بعيد المنال! ولماذا؟ لأن السير خافيير المحترم يرفض المساعدة!"
"..."
"آه... تلك الأمنية البسيطة لامرأة مريضة..."
"أعطني الفأس."
في النهاية، لم يستطع خافيير التحمل أكثر، فانتزع الفأس من يد لويد!
ارتسمت ابتسامة شيطانية ماكرة على وجه لويد... وهكذا، بدأ ابن البارون المستهتر والسيّاف الفذ مرحلة التشييد الفعلية لغرفة الأوندول، وسرعان ما انتشر هذا الخبر الغريب بسرعة البرق في أرجاء الإقطاعية بأكملها!