الفصل 158: تحذير مبكر
الفصل 158: تحذير مبكر
حتى الداوي تيان مينغ شعر بأن ما رآه اليوم قد تجاوز حدود خياله، فما بالك بالجمهور الذي تسمر في مكانه من هول المفاجأة.
لقد كانت تجربة بصرية فريدة أزاحت الغشاوة عن أبصارهم، وكشفت لهم آفاقاً جديدة في عالم الزراعة.
لم يتخيل أحد قط أن العلاقة بين المزارع وكنزه الروحي قد تبلغ هذا الحد من الغرابة والتعقيد؛ فهناك من يعامل كنز الروحي كأنه جده الأكبر الذي تجب طاعته، وهناك من يدلل سيفه كأنه زوجته الفاتنة. وبناءً على هذه الروابط العجيبة، اختلفت أساليب القتال بشكل لم يعهده أحد.
فبينما يميل معظم المزارعين للتعامل مع كنوزهم الروحية كرفاق سلاح يتقاسمون معهم مرارة المعارك، كان الثنائي الواقف على الحلبة على استعداد للموت فداءً لكنوزهم.
"أتجرؤ على مد يدك على جدي؟!"
"أتجرؤ على خدش زوجتي المصونة؟!"
اشتبك الكنزان الروحيان في معركة ضارية، بينما فقد المزارعان رشدهما وشمر كل منهما عن ساعديه لينخرطا في عراك يدوي عنيف، لتختلط الفنون الإلهية بلكمات الشوارع في مشهد سريالي يخطف الأنفاس.
"إن كنت تخشى على كنزك من الضرب، فلمَ أقحمته في النزال أصلاً؟ هل تمثلان مسرحية هزلية هنا؟"
تمتم جيانغ لي بضجر وهو يراقب المهزلة.
ومع أن تعليق جيانغ لي كان ساخراً، إلا أن القوة القتالية التي أظهرها الاثنان كانت حقيقية ولا يستهان بها؛ فرغم كونهما في مرحلة النواة الذهبية العادية، إلا أنهما استطاعا تفجير طاقة قتالية تفوق مستواهما بمراحل بفضل ذلك التناغم المريب مع كنوزهما.
"تلميذ عائلة وِي يشن هجوماً برمحه كأنه تنين يسبق البرق، والومضات الباردة تتطاير كالمطر الغزير! وتلميذ طائفة لوشان لا يقل شراسة، إذ يتحد مع دميته في تناغم مذهل بين الين واليانغ ليصد الهجوم بقوة غاشمة! تراجع تلميذ عائلة وِي بعدما فقد زخمه، وانتهى به الأمر طائراً خارج الحلبة هو ورمحه!"
"الفوز لتلميذ طائفة لوشان!"
سقط تلميذ عائلة وِي على الأرض محتضناً رمحه وهو ينتحب بمرارة:
"يا سيدي الرمح، لقد خذلتك.. سامحني لأنني جعلتك تعاني الظلم على يد هؤلاء الأوغاد!"
كان نحيبه شجياً لدرجة أنه كاد يدمي القلوب، لولا عبثية الموقف.
"أسرعوا بالنزال التالي دون إبطاء."
أرسل جي تشي أمره عبر النقل الصوتي إلى المسؤولين، محاولاً الحفاظ على ما تبقى من وقار البطولة.
وبعد العرض الافتتاحي الغريب الذي قدمه مزارعو عائلة وِي وطائفة لوشان، اشتعلت معارك مرحلة النواة الذهبية بحماس مضاعف، وبدت ممتعة للعين وأكثر تعقيداً بكثير من نزالات مرحلة تأسيس الأساس.
لاحظ الجمهور استراتيجية جديدة: من يشعر بالعجز عن هزيمة خصمه بمفرده، يمكنه ببساطة أن يسلم القيادة لكنزه الروحي، أو حتى يتخذه سيداً له يأتمر بأمره في القتال.
بل إن بعض المزارعين الأثرياء أخرجوا عشرات الكنوز الروحية دفعة واحدة بمجرد صعودهم، فكان النزال الواحد يتحول إلى هجوم جماعي من عشرات مزارعي النواة الذهبية، مما أدى إلى سحق الخصوم في رمشة عين.
كانت هذه ثغرة واضحة في القواعد، وسرعان ما تدخل جي تشي لسن قوانين جديدة تحد من عدد الكنوز الروحية المسموح بها، مع اعتماد نتائج الجولات السابقة دون السماح بتكرار تلك الحيل في الأدوار القادمة.
أدرك الحاضرون أن هذا الأسلوب، رغم غرابته، يمكن توظيفه في القتال الفعلي لمباغتة الأعداء، مما جعل الجميع يعيد التفكير في طبيعة العلاقة التي تربطهم بأسلحتهم.
"تبدأ الآن مباريات فئة الروح الوليدة!"
تلى الداوي تيان مينغ قائمة المشاركين بصوته الرخيم:
"المباراة الأولى تجمع بين وانغ مينغ، من طائفة النصل الهائج التابعة لإمبراطورية ووهوانغ، والمزارع الحر بايتو."
"أظن أن اسم وانغ مينغ غني عن التعريف؛ فهو صاحب فنون سيف التنين الجامح وتقنية «قوة الدم الهائج» الشهيرة. لقد استطاع حين كان في منتصف مرحلة النواة الذهبية هزيمة خصم في ذروتها. إنه مقاتل متمرد يعشق السيف كحياته، ولم يره أحد يقاتل منذ اختراقه لمرحلة الروح الوليدة، فهل سيحدث اليوم هزة تجفل السماء؟"
"أما المزارع الحر بايتو، فلا توجد لدي أي معلومات تذكر عنه. لست أدري أي مفاجأة سيجلبها لنا هذا المزارع الغامض، فلنراقب معاً!"
كان خبراء مرحلة عبور المحنة قد غيروا هوياتهم وقمعوا هالاتهم تماماً، ولم يكن هناك من يستطيع كشفهم سوى جيانغ لي. أما باي هونغتو، فقد اختار مظهراً يتسم بالوسامة والأناقة، ليبدو كأنه شاب ثري من عائلة عريقة، مما شكل تناقضاً صارخاً مع بنيان وانغ مينغ الخشن وملامحه القاسية.
شعر وانغ مينغ بالاستياء فور رؤيته لهذا "الوجه الناعم" الواقف أمامه.
"أيها الزميل، لن أبقي على ذرة من طاقتي، فكن على حذر!"
"كما تشاء."
ابتسم باي هونغتو بلا مبالاة مستفزة.
شرع وانغ مينغ في تفعيل تقنية «قوة الدم الهائج»، فغلا دمه في عروقه وارتفعت حرارة جسده حتى احمرت بشرته كالجمر، وتصاعدت خيوط كثيفة من البخار الأبيض من مسامه بينما قبض على سيفه العريض، ليبدو كأنه وحش هائج لا يقهر.
"هاه!"
"يمكن للجميع ملاحظة الضباب المنبعث من جسد وانغ مينغ؛ إنه نتاج تبخير الرطوبة في دمه لجعل تدفق الطاقة أكثر لزوجة وقوة. هذه هي جوهر تقنية قوة الدم الهائج، ونحذر السادة المزارعين من محاولة تقليدها دون أساس متين!"
قدم الداوي تيان مينغ هذا التنبيه المهني بوقار.
"هذه الضربة من وانغ مينغ ليست هينة أبداً؛ فهو الآن في منتصف مرحلة الروح الوليدة، لكن حتى خبيراً في ذروتها سيعجز عن الصمود أمام هذا الزخم."
استمر الداوي في شرحه:
"ومن المفترض ألا يمتلك وانغ مينغ القدرة على بلوغ هذا المستوى من القوة بمفرده، حتى لو كان سيفه عاقلاً ويرغب في مساعدته. يبدو أن هناك سراً خفياً وراء هذا النصل.. انتظروا! انظروا إلى تلك النقوش الدقيقة على سطح السيف، إنها صيغة تعاقد دموي!"
ولأن بصيرة الجمهور كانت أقل من أن تدرك هذه التفاصيل، تابع الداوي تيان مينغ موضحاً:
"إنه عقد دموي يربط المصير؛ حيث يعيش الطرفان ويموتان معاً. ورغم مخاطره القاتلة، إلا أنه يعزز القوة القتالية بشكل مرعب. إنه أسلوب شائع في مسار ترويض الوحوش، لكن وانغ مينغ ابتكره ليطبقه على الكنوز الروحية ببراعة."
"يا ترى كيف سيتعامل بايتو، وهو في نفس المرحلة، مع هذا الإعصار؟"
"لقد تحرك بايتو أخيراً! إنه يطأ الأرض بخطوات موزونة بين الين واليانغ، مشكلاً بيديه وضعية البداية لتقنيات الباغوا! تتراقص أطراف ثيابه بنعومة بينما يتركز ثقله كالزئبق السائل، جامعاً قواه كأنه يحتضن إكسيراً عظيماً!"
اندفع السيف العريض بقوة ساحقة، لكن بايتو استخدم خطواته البارعة ليتفادى الضربة بانسيابية مذهلة، ثم رفع كفه نحو السماء ليطيح بذقن وانغ مينغ في حركة خاطفة!
"هذه هي تقنية «استخدام أوقية لزحزحة أطنان» الخاصة بطائفة الداو! إنه السر العظيم للانتصار على القوة الغاشمة بأقل مجهود! بل يبدو أنها نسخة مطورة وأكثر إتقاناً من الأصلية!"
صاح الداوي تيان مينغ بدهشة:
"من الصعب تصديق أن مزارعاً في مرحلة الروح الوليدة يمكنه إتقان هذه الأساليب بهذا الكمال!"
تقيأ وانغ مينغ لعاباً ممتزجاً بدم لزج ولطخه على نصل سيفه؛ شحب وجهه فوراً بشكل ملحوظ، وبالمقابل توهج السيف العريض بضراوة مضاعفة، وتلألأت عليه ومضات قاتلة تفيض بنية القتل.
لوح بسيفه مجدداً في هجوم انتحاري نحو بايتو.
"هذه طريقة التضحية بالدم؛ وعادة ما تُصنف ضمن المسالك الشيطانية، لكن بما أن وانغ مينغ يستخدم دمه الخاص لتعزيز نية السيف، فهي تُعتبر من مسار الزراعة القويم."
أضاف الداوي تيان مينغ بلهجة وعظية:
"نرجو من الجميع فهم المسار الشيطاني بشكل صحيح؛ فالشيطنة فكر ونية وليست مجرد تقنية. متى استُخدمت التضحية بالدم لأهداف نبيلة، فهي إنجاز عظيم، وما يفعله وانغ مينغ هو المثال الأسمى على ذلك."
ثم جزم قائلاً:
"هذه الضربة تتجاوز حدود مرحلة الروح الوليدة، ومن المستحيل لأي شخص في مستواه أن يتصدى لها!"
لكن باي هونغتو اكتفى بابتسامة خفيفة، ونقر بإصبعه نقرة واحدة دقيقة على نقطة محددة من نصل السيف، ففقد وانغ مينغ السيطرة تماماً وانحرف سيفه ليضرب الهواء بعيداً. لم يستسلم وانغ مينغ وواصل الهجوم بلا هوادة، حتى إن أي خبير في مرحلة تحول الروح كان سيشعر بالعرق البارد لو اضطر لمجاراة هذه الشراسة.
إلا أن باي هونغتو ظل هادئاً كالجبل، وتتابعت حركاته البسيطة والبارعة لتسقط وانغ مينغ أرضاً بكل سهولة.
لقد حافظ طوال الوقت على استخدام طاقة تعادل منتصف مرحلة الروح الوليدة فحسب، متحكماً بكل ذرة من قوته بدقة متناهية.
علق الداوي تيان مينغ بعد انتهاء النزال:
"رغم قوة طاقة وانغ مينغ، إلا أنها افتقرت للمرونة والمهارة، وهي ضريبة تبخير الرطوبة في الدماء. نأمل أن يتدارك هذا القصور في المستقبل."
وكالعادة، بدأ المزارعون المنهزمون في تدوين نصائح الداوي لتعديل مسارهم.
"أما المتسابق بايتو، فقد أدى بصورة مثالية لدرجة أنني لا أجد ثغرة واحدة لأنقدها في تقنيته. بيد أن موقفه الاستهزائي وروح السخرية التي تغلبه تشي بأنه ليس مزارعاً رصيناً، وآمل أن يتخلص من هذه الخصلة السيئة ليرتقي في طريق الداو."
تحدث الداوي تيان مينغ بنبرة المتعالي الذي يوزع الحكمة.
كان برج السماء يمارس تقنية «السيطرة على أسرار السماء»، والتي تمنح صاحبها قدرة على الاستشعار المسبق بالحظ العظيم أو السوء المطبق.
وفي تلك اللحظة، بدأت حواس الداوي تيان مينغ تطلق إشارات إنذار خفية ومبهمة.
لم يستطع فهم السبب؛ فشك في أن خللاً ما قد أصاب تدفق طاقته، فتفقد باطنه وقام بدورة كاملة لتدوير التشي، لكنه لم يجد أي خطب.
"يا للعجب، ما هذا الشعور؟"
"هه، موقفي استهزائي ها؟"
سخر باي هونغتو في قرارة نفسه وهو يلمح نظرات الداوي، ثم قفز من فوق الحلبة بخفة، تاركاً خلفه الداوي المسكين غارقاً في هواجسه دون أن يدرك أنه كان ينتقد لتوه زعيم طائفة الداو العظيم.