After Severing Ties - الفصل 118: آمين!

After Severing Ties
☀️🌙

الفصل 118: آمين!

استجمع تشن تشانغ آن أنفاسه، ثم نطق بكلمةٍ زلزلت أركان القاعة وألجمت الألسن: "هذا السفر يُسمى.. الكتاب المقدس!"

شهق الجميع في وقت واحد، وساد صمتٌ يملؤه الوجوم والرهبة. كانت عقولهم بسيطة وتفسر الأمور بظواهرها؛ فأن يُطلق على كتابٍ لقب "المقدس" فهذا يعني في عرفهم أنه يحوي حكم الأنبياء والمارستان العظماء، مما جعلهم ينظرون إلى ذلك المجلد بتوقير لم يعهدوه من قبل. غير أن لو تشان فان لم يستطع تقبل هذا النصر، فصاح بصوتٍ أجش: "هذا هراء! مستحيل! تشن تشانغ آن لا يعرف حرفاً واحداً من لغة الغربيين! مولاي الامبراطور، إنه يتلاعب بالكلمات ويخترع أسماءً من مخيلته ليخدعنا، فكيف لكتابٍ غريب أن يكون مقدساً؟ أرجو من جلالتكم التروي وعدم الانخداع بهذا الماكر!"

قبض الامبراطور على قبضته بقوة، ورغم أنه لا يملك وسيلة للتأكد من صدق تشن تشانغ آن، إلا أن حنقه على لو تشان فان كان يزداد؛ فكيف يجزم النائب بجهل تشن تشانغ آن وهو يراه يفيض علماً؟ تقدم تشن تشانغ آن وحمل الكتاب بكلتا يديه، ثم قدمه للامبراطور بوقار قائلاً: "مولاي، لقد أثبتُّ لجلالتكم أنني أفقه لغتهم، وأستأذنكم الآن في لفت نظركم لشيءٍ خطيرٍ يكمن بين دفتي هذا الكتاب، شيءٌ يتجاوز حدود الكلمات والقصص."

نظر تشن تشانغ آن بعينين ثاقبتين نحو الامبراطور، بينما بدت الحيرة على وجه الأخير وهو يتفحص المجلد مرة أخرى. وما إن لمست أصابع الامبراطور حواف الصفحات واقترب منها، حتى تبدلت ملامحه فجأة وصرخ بذهول: "هل وصلت مهارات الغربيين وتقنياتهم إلى هذا الحد من الدقة؟" انفرجت أسارير تشن تشانغ آن وقال بصدق: "مولاي، هنا يكمن جوهر الخطر! فلتفكروا بالأمر ملياً؛ تفصلنا عن بلاد الغرب آلاف الأميال والبحار الهائجة، ومع ذلك استطاعت سفنهم أن تشق الأمواج وتصل إلى حدودنا. ألا يستدعي هذا الحذر؟ لقد حالف الحظ دولة تشو حين غرقت سفينتهم بفعل العواصف، ولكن ماذا لو وصلوا إلينا بكامل قوتهم وجاهزيتهم؟"

لم يفهم الحاضرون سر قلق تشن تشانغ آن، فتنهد الأخير وأشار إلى الصفحات الأخيرة من الكتاب: "مولاي، انظروا إلى هذه البقع الداكنة التي تلوث الأطراف، ألا يبدو شذاها مألوفاً لجلالتكم؟" شم الامبراطور الصفحات بعناية، وسرعان ما أدرك الحقيقة: "هذا غبار النترات والكبريت.. المكونات التي يستخدمها كهنة القصر في محاولات صنع إكسير الحياة!" أومأ تشن تشانغ آن مؤكداً: "نعم يا مولاي، وهذه هي المكونات الأساسية للبارود. إنني أخشى أن هؤلاء الغربيين قد طوروا آلاتٍ حربية ومدافع نارية ضخمة يضعونها فوق سفنهم، وكانوا ينوون استخدامها لفتح أبواب دولة تشو بالقوة. فماذا ستفعل سيوفنا ورماحنا أمام قذائف تُمطرنا بالنار من بعيد؟"

خيم صمتٌ موحش، وتطلعت العيون نحو الامبراطور الذي غرق في تفكيرٍ عميق. حاول لو تشان فان التدخل مجدداً لإحباط هذا الشعور بالخطر وصاح: "تشن تشانغ آن، كفَّ عن ترويع الامبراطور بأوهامك! دولة تشو هي مملكة السماء المهيبة، وإن تجرأ هؤلاء الغرباء على الاقتراب، فإن جيوشنا الباسلة ستجعلهم عبرة لمن يعتبر!" لم يلتفت تشن تشانغ آن إليه، بل اكتفى بهز رأسه يائساً؛ فكيف يقنع هؤلاء أن الشعر والبلاغة لن يوقفا قذائف المدافع؟

التفت الامبراطور نحو أمير هواينان وسأله عن رأيه، فجز الأمير على أسنانه وقال: "مولاي، أنا لا أعرف إن كان ما يقوله تشن تشانغ آن حقاً أم زيفاً، ولن أقبل بهزيمتي إلا إذا واجهناه بالحقيقة. لقد أحضرتُ معي الغريبين اللذين وُجد معهما الكتاب، فليواجههما تشن تشانغ آن أمام الجميع، ولنرى إن كان يفقه لغتهما حقاً أم أنه يخدعنا!" تهلل وجه تشن تشانغ آن؛ فهذا ما كان يصبو إليه، فهو يعرف "أليكس" و"لي مادوا" جيداً من ذكريات حياته السابقة.

أذن الامبراطور بإحضار الغربيين، وبعد لحظات، دخل وانغ منغ ومعه رجلان مقيدان بالأغلال، أحدهما أشقر الشعر والآخر ذو عينين زرقاوين وبشرة ناصعة البياض. ضجت القاعة بالذهول والصراخ؛ فهذه هي المرة الأولى التي يرى فيها الكثيرون بشراً بمثل هذه الملامح! ارتمى الغربيان على الأرض رعباً، وظنا أن هذه المحشودات والوجوه الصارمة تعني نهاية حياتهما، فأخذا يصرخان بكلماتٍ مبهمة وتوسلاتٍ لم يفهمها أحد.

تقدم تشن تشانغ آن بوقار وقال للامبراطور: "مولاي، إنهما يتوسلان إليكم طلباً للرحمة والنجاة. وأقترح على جلالتكم إرسالهما إلى كلية الهندسة لأتولى أنا الإشراف عليهما وتعليمهما لغتنا، لعلنا نستفيد من خبراتهما في تطوير تقنياتنا." ضحك لو تشان فان بسخرية وحاول تقليد الحركات والكلمات المبهمة مدعياً أنه هو الآخر يفهمهما، وبدأ يصرخ فيهما بكلماتٍ مضحكة مهدداً إياهما بالقتل إن لم يمتثلا. تسبب هذا المشهد في ارتباك الغربيين وزيادة رعبهم، فجثوا ثانية يطلبون العفو.

أراد الامبراطور أن يتأكد بنفسه، فأشار إلى الكتاب المقدس وسأل الغربيين بلغة الإشارة إن كان هذا الكتاب يخصهم. ما إن وقعت أعين أليكس ورفيقه على السفر المقدس، حتى تبدلت ملامح الخوف إلى خشوعٍ تام. شبكا أيديهما فوق صدورهما ورسما علامة الصليب بوقار، ثم رفعا عيونهما نحو السماء وأخذا يتمتمان بصلواتٍ خاشعة باللغة اللاتينية، وبدت على وجوههما مسحة من الأمل والسكينة. وفي نهاية صلاتهما، نظرا إلى الامبراطور بعيونٍ تفيض بالرجاء وقالا بصوتٍ واحد:
MaytheLordbewithyou ("ليكن الرب معكم!")
ثم ختموا قولهم بكلمةٍ رنت في أرجاء القاعة وفهمها تشن تشانغ آن تماماً: "آمين!"

تعليقات