عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 76: سيارة الإسعاف
الفصل 76: سيارة الإسعاف
السيناريو: مستشفى الحكايات الغامضة - مناوبة الموت
ذهلت شياو يان للحظة، ثم انتفضت واقفة عن الكرسي، وحدقت بعينين جاحظتين يملؤهما عدم التصديق.
"أي مزحة ثقيلة هذه؟ لقد سُلخ جلده بالفعل، والمستشفى بأكمله تلقى إشعاراً رسمياً بذلك.."
رمق غو شينغ فتحة التهوية بنظرة خاطفة، ثم قال بنبرة واثقة: "أعلم ذلك، فقد كنت حاضراً أثناء السلخ، لكنني أجزم أن تلك الجثة الملطخة بالدماء لم تكن لسون ديلونغ."
"لماذا؟"
"بنية جسده لم تكن بتلك الضآلة، والأهم من ذلك أنني أعرف أسلوبه جيداً؛ وو تشي يونغ لا يملك تلك المهارة، وحده سون ديلونغ من يمكنه القيام بعملية سلخ مثالية كهذه لنفسه."
ساد الصمت على شياو يان؛ فهي لم تسبق لها رؤية مهارة سون ديلونغ الجراحية، فخلال تعاونهم سابقاً كانت هي المسؤولة عن التواصل مع الزبائن ولم تكن تضطر لمواجهة تلك المشاهد الدموية.
جعد غو شينغ أنفه وسأل بفضول: "ألا تشمين رائحة ما؟"
فجأة، هبت نسمة هواء خفيفة في الغرفة، وتلاشت تلك الرائحة تدريجياً حتى كادت تنعدم. رسم غو شينغ ابتسامة خفيفة تلاشت بسرعة، ثم وضع يده على كتف شياو يان وقال بثقل: "بما أنه تمكن من الهرب، فحتماً يمكننا نحن أيضاً."
عند سماع ذلك، أطلقت شياو يان شخيراً خافتاً، والتقطت دفتر مذكراتها عن الطاولة، وخرجت من مكتب الأطباء دون نطق كلمة. لم تعد إلى محطة التمريض، بل توجهت نحو الغرف المنفردة المجاورة.
فكر غو شينغ قليلاً ولم يتبعها، بل حمل فاشنغ (القط السمين) بين ذراعيه، وظل يحدق بشرود في فتحة التهوية. المكان الآن يبدو عادياً تماماً، لكن غو شينغ شعر بوضوح قبل قليل بوجود نظرة تفيض بالعداء تراقبه من هناك، خاصة عندما ذكر أن سون ديلونغ لا يزال حياً؛ حينها ازدادت رائحة الجيفة في الغرفة بشكل خانق.
"السرعوف يصطاد الدوري، والفرخ خلفهما.. لنرى من يملك مهارة أعلى يا مدير سون،" تمتم غو شينغ بأسى، وبردت نظراته.
ترددت أصوات صرخات مكتومة من الخارج؛ صوت حاد وعجوز بدا لغو شينغ مألوفاً وغريباً في آن واحد. ومع ارتفاع نبرة الصراخ، ساءت ملامحه أكثر.
"حتى أنتِ تغيرتِ.. يبدو أن هذا الفخ قد نُصب منذ البداية، ووصولي لم يكن سوى الفتيل، أو ربما كان مقدراً لغو شينغ أن يعود إلى هنا مهما حدث."
ومض وجه سائق سيارة الزفاف في مخيلة غو شينغ؛ فقد خيل إليه أنه رأى وجهاً مشابهاً بين رجال الأمن.
...
في هذه الأثناء، انشغل مشاهدو البث المباشر بمناقشة تصرفات غو شينغ، خاصة كلماته "العاطفية" التي سجلها بعض الشباب بدقة لاستخدامها في حياتهم الخاصة.
@Shadow: هل نسي غو شينغ أين هو؟ كيف يثق بامرأة من عالم الحكايات الغامضة؟!
@Hunter: الكلمات المعسولة تعمل دائماً، سواء كانت امرأة أو شبحاً.. غو شينغ "رجل لعوب" محترف!
@LOX: المتسابقون يتساقطون! الكثير منهم ماتوا أثناء محاولتهم تعليق الجلد في مكتب العميد.. المشهد كان مرعباً.
@Dark_Soul: غو شينغ هو الوحيد الذي نجا من فخ العميد بفضل ادعائه المرض.. ذكاء فطري!
...
لم يكن غو شينغ يعلم ما يدور في البث، كان يراقب النافذة بتركيز، وتحديداً سيارة الإسعاف التي تومض بأضوائها الحمراء والزرقاء في الأسفل. كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها سيارة الإسعاف عياناً، رغم ذكرها في قواعد الأطباء.
تقدم خطوتين للأمام، لم يسمع صوت محرك السيارة، فقط الأضواء تومض بصمت. وبعد فترة وجيزة، انفتح الباب الخلفي للسيارة، وقفز منها عدة أشخاص يرتدون بدلات وقاية كاملة. فور ذلك، ظهر سبعة أو ثمانية من رجال الأمن وأحاطوا بمؤخرة السيارة وكأنهم ينتظرون شيئاً ما.
أُنزل محفة طبية (ترولي) من الباب الخلفي، وعليها كومة ضخمة من الأشياء المغطاة بملاءة بيضاء. بدا الحمل ثقيلاً جداً، واضطر رجال الأمن للتعاون معاً لدفع المحفة داخل مبنى الأجنحة. بعد تفريغ الحمولة، لم تغادر سيارة الإسعاف، بل أطفأت أضواءها وتوقفت في الظل قريباً من البوابة.
بدت السيارة من الأعلى كوحش رابض في العتمة، يفتح فكاً مليئاً بالأنياب بانتظار من يلقي له الطعام. لم يعرف غو شينغ إن كان وصول السيارة مرتبطة بكلماته، أم أنه موعد ظهورها الدوري، لكن طنيناً مفاجئاً بدأ يدوي في أذنيه.
كان الصوت خافتاً في البداية كالهلوسة، ومع مرور الوقت صار أعلى، حتى تماهى فيه بكاء رضع مع أنين عجائز. رفع غو شينغ رأسه ببطء، ليجد أمامه ظلي شخصين؛ زوجان عجوزان يحملان رضيعاً. كانت المرأة مغطاة بالتجاعيد، باستثناء عينيها اللتين لا تزالان تشعان ببريق ما.
لمح الرجل غو شينغ، فاعتلت وجهه ملامح الفرح، وأمسك بزوجته وركض نحوه وهو يصرخ بشيء ما. في البداية لم يفهم غو شينغ، ومع اقترابهما سمع بوضوح: "يا دكتور، أرجوك أنقذنا.. الطفل.. أصيب بحمى مفاجئة.."
كانت المرأة تفيض قلقاً أيضاً، ومدت يدها لتدفع الرضيع نحو غو شينغ، وكاد الاثنان أن يجثوا على ركبتيهما أمامه. شعر غو شينغ بشيء يتحرك في داخله؛ إحساس بالواجب والمسؤولية، خاصة وهو ينظر إلى معطفه الأبيض، فلم يستطع المقاومة ومد يديه لاستلام الطفل.
"لا تقلقا، بمجرد وصولنا للمستشفى سيكون كل شيء بخير.." طمأنهما غو شينغ بمهارة.
"شكراً لك يا دكتور، أرجوك انظر لطفلنا، لقد رزقنا به في خريف عمرنا، لم يختبر هذا العالم بعد.."
استلم غو شينغ الطفل، ورأى وجهه الصغير قد تحول للزرقة، وأنفاسه تكاد تنعدم. وضع يده على جبهة الصغير، فلم يجد أي حرارة، بل برودة قارصة.
"أبلغوا الطوارئ فوراً، جهزوا.."
انقطعت كلمات غو شينغ في حنجرته؛ فقد انقض فراء أصفر على يده وعضها بقوة. اخترقت الأنياب الحادة كفه الشاحبة، وامتلأت عينا القط الزمرديتان بقلق بشري النزعة.
"من أين أتى هذا القط الضال؟ اغرب عن وجهنا، لا تعطل الطبيب عن إنقاذ طفلنا!" صرخ الرجل وهو يحاول طرد فاشنغ.
"يا له من ذوق سادي حقاً.. في بيئة كهذه، أي شخص يملك ذرة من الضمير سيتحول إلى مجنون."
نظر غو شينغ إلى الاثنين بوجه ساكن لدرجة مرعبة، ونيران الغضب في عينيه تكاد تنفجر، بينما برزت العروق في ظهر يده الشاحبة.
"أنتما.."
صرخ الرجل صرخة مكتومة، وتلاشى هو والمرأة والطفل الذي في يد غو شينغ تدريجياً، ليختفوا تماماً تاركين وراءهم رنيناً خافتاً في الأذنين. نظر غو شينغ إلى وجهه الشاحب المنعكس على الزجاج، وكان يصطك بأسنانه غضباً.
تعليقات
إرسال تعليق