عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 55: الطريق المسدود
الفصل 55: الطريق المسدود
السيناريو: مستشفى الحكايات الغامضة - ممر العمليات
راقب غو شينغ بعينين شاخصتين الدماء القرمزية وهي تنضح من سبابته، لتسقط قطرة تلو الأخرى في الوعاء المصنوع من الفولاذ المقاوم للصدأ.
كان صوت كل قطرة وكأنها تسحب معها جزءاً من حيويته؛ شحب وجهه أكثر، واجتاح الوهن جسده النحيل.
تذكر غو شينغ فجأة تلك التجربة الشهيرة عن الإيحاء وسيلان الدماء؛ الفارق الوحيد أن صاحب التجربة كان معصوب العينين، أما هو، فكان يشاهد استنزافه حياً.
لم يفهم كيف يمكن لسبابة أن تنضح بكل هذا الكم من الدماء؛ ففي غضون دقائق، امتلأ نصف الوعاء الصغير.
عندما رأى الملتحي أن الكمية كافية، سحب فجأة تكشيرة وجهه القاسية واستبدلها بابتسامة دافئة مصطنعة، لكن نظرة فاحصة كانت كفيلة بكشف الحقد الدفين الذي يغلي تحتها.
كان يشبه أولئك الذين ينحنون اعتذاراً بتبجيل زائف، بينما يضمرون أسوأ النوايا؛ يلتزمون بصغائر الآداب ويفتقرون لعظائم المبادئ.
جلس غو شينغ على الطاولة ضاغطاً على إصبعه، محاولاً العثور على صاحب النظرة الحاقدة التي تخترق ظهره، لكنه لم يجد شيئاً؛ الجميع هنا كانوا يحدقون في إصبعه وهم يبتلعون لعابهم بنهم.
حتى أصحاب المعاطف البيضاء لم يكونوا استثناءً.
بعد دقائق معدودة، خرج الملتحي حاملاً وعاءً أبيض صغيراً، ووضعه على حافة نافذة التوزيع.
"أيها المريض.. طبقك جاهز."
نظر غو شينغ إلى تلك الكتلة الدموية المهتزة التي لم يتغير شكلها تقريباً، وشعر بغثيان شديد جعله يتقيأ عصارة معدته سراً.
"هل أنت غير راضٍ عن مهارتي في الطبخ؟" سأل الملتحي بنبرة محملة بالتهديد.
وضع غو شينغ يده على فمه، وباليد الأخرى حمل الوعاء الصغير واتجه نحو الطاولة. كانت أصابعه ثقيلة لدرجة العجز، وكل عضلة في جسده تصرخ بالرفض.
وعندما رأى المرضى من حوله يمدون أعناقهم بجنون، لدرجة كادت رقابهم تنكسر، تذكر فجأة ما فعله لي دونغ لين في البداية.
وضع الوعاء بعيداً قليلاً، ثم تظاهر بأنه يضربه بقوة ليسكبه.
"لا تفعل!.."
"هل تجرؤ؟.."
تعالت الصيحات من كل جانب. كان المريضان اللذان يرتديان نظارات الأسرع حركة؛ إذ انقضا مباشرة لانتزاع الوعاء الصغير.
كانت حركتهما بمثابة صاعق فجر آلة الرعب؛ حيث انقض بقية المرضى فوقهم كأنهم قطيع من الضباع والنسور التي عثرت على جيفة في قلب الفلاة.
سند غو شينغ ظهره إلى الكرسي، عاقداً ذراعيه فوق صدره، وراقب هؤلاء المرضى وهم يتصارعون على الطعام بنظرات تملؤها الشفقة والأسى.
وصل الأمر بأحدهم أن عض يد الشخص الذي كان يمازحه قبل قليل بقوة، ولم يتركها إلا عندما تذوق دماءً طازجة، ليزداد جنوناً وهيجاناً.
أما الأطباء، فقد وقفوا جانباً يبتلعون لعابهم، وكشفت تفاحات آدم التي تتحرك صعوداً وهبوطاً عما يدور في عقولهم الجائعة.
في أقصى زاوية من المطعم، ضرب ذلك الظل المألوف بعيدان الطعام فوق الطاولة بعنف، وكاد الغضب المتفجر في عينيه الرماديتين يخرج عن السيطرة، فظل يفرك الصليب المعلق في عنقه بتوتر.
في النهاية، لم يحتمل المشهد، وغادر المطعم وهو يكز على أسنانه غيظاً.
بسبب الفوضى العارمة، لم يلحظ غو شينغ ذلك الظل المغادر، وإلا لما أضاع وقته في البحث عن ذلك الوجه المألوف وسط الحشود الهائجة.
انتهت المسرحية الهزلية في المطعم بمجرد أن لُعق الوعاء حتى نظف تماماً من دماء البشر.
قبل ذلك، كان غو شينغ قد تسلل مغادراً؛ فهو يحتاج لاستغلال هذه الفوضى ليجد مخبأً مناسباً في الطابق الثالث.
أثبتت الوقائع أن الوقت في هذا المستشفى يسير بتزامن غريب؛ فالطابق الثالث كان خالياً تماماً الآن، باستثناء ذلك الظل المنحني في محطة التمريض.
لم يجرؤ غو شينغ على الظهور أمام المحطة؛ فصورة ممرضة الطابق الثالث في تلك الليلة تركت في نفسه ندبة من الرعب، لدرجة أن رؤية طيفها من بعيد تجعل فرائصـه ترتعد.
عاد إلى ردهة الطابق الثالث، واختبأ خلف حاوية النفايات ذاتها، ممسكاً بمطرقته الصغيرة، منتظراً في صمت. هو لا يملك بصيرة سون ديلونغ ليعرف مواعيد العمليات الجراحية، لذا لم يكن أمامه سوى الانتظار القاتل.
فجأة، دوى صوت جرس حاد، وبدأت جميع أضواء الطوارئ في الممر تومض باللون الأحمر القاني، تلا ذلك صوت جهير ومنفر يتردد صداه في الأرجاء:
[red]بيانات النظام: فُقد السجل الطبي للمريض "غو شينغ" من الطابق الرابع. على الجميع العثور عليه فوراً.[/red]
تغيرت ملامح غو شينغ بشدة؛ لقد قابل من قبل أشخاصاً استعادوا هوياتهم، لكن لم يحدث أي ضجيج كهذا، فلماذا هو الاستثناء؟
رغم حيرته، لم يكن لديه وقت للبحث عن إجابات؛ حشر جسده الضئيل خلف الحاوية، وأرهف سمعه لكل حركة أو همسة في الخارج.
لقد دُفع الآن إلى حافة الهاوية؛ إذا استعاد هويته قبل أن يعثر عليه الأطباء والممرضات، فسينجو، أما إذا فشل.. فلن تنفعه حتى مهاراته الأسطورية.
*بوم.. بوم.. بوم!*
دوت أصوات خطوات ثقيلة متلاحقة، وشم غو شينغ رائحة عفونة قوية؛ كانت رائحة فئران ميتة، وهي رائحة لا تزال محفورة في ذاكرته منذ يومه الأول.
"يبدو أن هؤلاء مجموعة من المرضى أيضاً."
تمتم غو شينغ في سره؛ فحتى الآن لم يشم أي رائحة غريبة من الأطباء، رغم أنه لم يحتك بهم كثيراً.
*غرور.. غرور..*
عند سماع هذا الصوت، لمعت عينا غو شينغ، وكاد يندفع للخارج، لكنه كبح جماح نفسه؛ الحذر مطلوب أولاً، ولأن الصوت كان يتجه نحو الداخل.
"لا تستعجل.. انتظر قليلاً.. اقترب الوقت.."
ظل غو شينغ يردد هذه الكلمات في عقله، قامعاً رغبته في استراق النظر.
هبت موجة أخرى من العفونة الشديدة، ثم سمع أخيراً صوت دوران العجلات؛ لم يكن حاداً كالبداية، بل كان يحمل نبرة من الثقل والخمول.
بمجرد أن دوى صوت فتح باب المصعد، انطلق غو شينغ كالسهم؛ فجرت بنيته النحيلة قوة هائلة، واندفع داخل المصعد بسرعة تفوق الفهد الصياد.
"من أنت؟"
سأل طبيب ذو وجه كالح على الجانب الأيسر بصوت بارد، ومد يده الشاحبة الملطخة بالدماء ليمسك بشعر غو شينغ، بينما حاول طبيب آخر بدين قليلاً الالتفاف حول سرير النقل للإمساك بذراعه.
"لا تلوماني!"
زمجر غو شينغ بصوت منخفض، وهوى بمطرقته الصغيرة بكل قوته نحو رأس الطبيب النحيف، وفي الوقت نفسه اندفع بجسده للأمام ليتفادى يد الطبيب الآخر.
"كيف تجرؤ.. أنا آمرك..."
انحبست كلمات الطبيب النحيف في حنجرته؛ حيث استقرت مطرقة غو شينغ بقسوة فوق رأسه، لتتناثر الدماء فوراً وتلطخ جدران المصعد.
لم يكن الطبيب البدين بطيئاً؛ فبمجرد رؤية زميله يُصاب، انقض على غو شينغ، وسحب سماعة الطبيب من عنقه ليلفها حول رقبة غو شينغ ليخنقه.
"أنت جراح، ما حاجتك لسماعة الطبيب؟ هاتها!" صرخ غو شينغ وهو يمسك بمنتصف السماعة بقوة، بينما هوت مطرقته الملطخة بالدماء مرة أخرى: "هذا هو الشيء الوحيد الذي يجب أن تلعب به!"
*بام.. كراك!*
حطمت عنق الطبيب البدين، ليسقط جثة هامدة، وفي الوقت نفسه، انتهت مهمة مطرقة غو شينغ، حيث تحطمت إلى شظايا متناثرة.
"هاه.. هاه..."
ارتمى غو شينغ وسط بركة الدماء، يلهث بأنفاس متلاحقة، بينما امتلأ فمه وأنفه برائحة الدم القوية التي لم تتبدد.
ورغم تلك الرائحة المقززة، ابتسم غو شينغ؛ ابتسامة جمعت بين الفرح العارم والعجز المطلق.
@Hunter: يا إلهي! هل رأيتم كيف استخدم دمه كطعم؟ تضحية مرعبة لتجنب خرق القواعد!
@Shadow: إنه الآن في المصعد مع جثتين.. والمطرقة تحطمت! كيف سيواجه سون ديلونغ الآن؟
@LOX: النظام أعلن عن فقدان سجله.. المستشفى كله الآن في حالة استنفار للقبض عليه. السباق ضد الزمن بدأ!
@Dark_Soul: ابتسامته في النهاية مخيفة.. لقد كسر هيبة الأطباء وقتلهم بدم بارد. دكتور غو يعود للساحة!
تعليقات
إرسال تعليق