عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 53: البحث عن المفتاح
الفصل 53: البحث عن المفتاح
السيناريو: مستشفى الحكايات الغامضة - ممر الأموات
على الأرضية السوداء القذرة، تمددت كومة من اللحم المفروم؛ لم يكن هناك دماء، بل بدت ككتلة من القطن المتسخ، فوضوية وبلا ملامح.
وفوق ذلك اللحم، طاف جلد بشري غريب في الهواء. استدار الوجه الذي غطته ثقوب سوداء ليعكس ملامحه نحو غو شينغ، وبدا وكأن مكاناً ما عند الشفتين قد تقوس بابتسامة مرعبة.
"غو شينغ.. ضربتك آلمتني بشدة..."
"دكتور غو، تعال.. أنا المدير، ألم تنسني؟"
تداخل صوت رجل وامرأة وخرجا من ذلك الجلد، ليحيطا بأذني غو شينغ في حلقة مفرغة لا تنتهي.
أمسك غو شينغ بإطار الباب بيد مرتجفة، بينما تعرقت يده الأخرى الممسكة بالمطرقة، مما جعل مقبضها المعدني زلقاً للغاية.
قشعريرة الرعب غطت جسده بالكامل، وأراد التراجع لكن قدميه تيبستا في مكانهما، فبقي يشخص ببصره نحو ذلك الكيان المخيف وهو يلوح له بيده.
كأنه شبح يطارد الروح.. لا، بل كان أكثر رعباً من أي شبح صائد للأرواح.
بعد ثوانٍ معدودة، لم يعد غو شينغ قادراً على الاحتمال؛ رفع قدميه المرتعشتين وهرب دون التفات، متسلقاً الدرجات نحو الخارج، متجاهلاً تماماً عناكب الوجوه البشرية عند المخرج.
فالتعرض لامتصاص الدماء من العناكب كان أرحم بكثير من التحول إلى عصير لحم بشري على يد ذلك الكيان.
داست أحذيته الرقيقة فوق العناكب الناعمة، فدوى صوت انفجار أجسادها تحت قدميه. وبعد خطوات قليلة، شعر بلزوجة غريبة تملأ حذاءه، وكأن سوائلها قد تسربت للداخل.
بمجرد خروجه من الدرج، خفتت أصوات النداء خلفه، حتى تلاشت تماماً ولم يتبقَ منها سوى زمجرة لا تكاد تُسمع.
"إذن هذا الشيء لا يمكنه الخروج."
استند غو شينغ إلى الجدار الأبيض، متمسكاً بمطرقته وزفر الصعداء الطويل. طالما أن الكيان محبوس في الداخل فلا خوف منه، لكن سرعان ما تقطب جبينه؛ فهذه المرة نجا، ولكن ماذا عن المرات القادمة؟ إذا أراد الحصول على سجل طبي "سليم"، فعليه العودة إلى هناك عاجلاً أم آجلاً.
عندما هدأ روعه، بدأ غو شينغ يسترجع أحداث ما جرى كشريط سينمائي يمر أمام عينيه إطاراً تلو الآخر.
"هذا الكيان الغريب لم يظهر من فراغ، وإلا لما سمح لي بالمرور في البداية."
"هل فتح باب غرفة المدير هو السبب؟ أم أن المعطف الأبيض أو الدم الطازج كان بمثابة الطعم؟"
توالت التكهنات في عقله حتى وصل إلى غرفته، وبينما كان يمر بمحطة التمريض، لمح الممرضة مرة أخرى.
كانت كعادتها، تخفض رأسها وتكتب شيئاً ما، وعندما رفعت رأسها للحظة، ظهرت بوضوح بقع الموت الأرجوانية التي امتدت لتغلف عنقها بالكامل.
حدق غو شينغ فيها بتركيز، وبدا له أن تلك البقع تشبه فماً كبيراً ينهش عنق الممرضة بقسوة.
وبينما كان مستغرقاً في تأملها، رفعت الممرضة رأسها بغتة، وصوبت عينيها الرماديتين نحوه دون أن ترمش، بينما تقوست شفتاها الشاحبتان بابتسامة مريبة.
"أيها المريض.. إياك.. أن تتجول عشوائياً..."
تجمدت الأنفاس في صدر غو شينغ، فهز رأسه واندفع داخل غرفته. ومن خلال انعكاس الزجاج على الباب، رأى بوضوح أن الممرضة ظلت تلاحق ظهره بنظراتها.
استلقى غو شينغ على السرير، لم يفهم سبب تحذيرها، لكنه كان يدرك أمراً واحداً: الساعة الآن الحادية عشرة والربع، وبقيت ربع ساعة فقط لبدء تحركه.
الانتظار دائماً ما يجعل الوقت يبدو دهراً.
ظل يراقب عقرب الدقائق وهو يتحرك ببطء نحو الرقم ستة. ومع مرور الثواني، تسارعت دقات قلبه؛ لم يكن ذلك خوفاً، بل توتراً يشبه حالة ما قبل الامتحان؛ قلق، واضطراب، وانتظار للمجهول.
*كليك!*
حلت الحادية عشرة والنصف. قفز غو شينغ من سريره واندفع نحو الخارج، لكن المشهد الذي رآه جعله يتسمر في مكانه مذهولاً.
الممرضة لم تغادر، كانت لا تزال جالسة في محطة التمريض.
"أنت.. ماذا تريد أن تفعل؟" كان صوت الممرضة آلياً وبطيئاً.
شعر غو شينغ ببرودة تسري في أطرافه. فكر في احتمالات كثيرة، لكن الفكرة التي سيطرت عليه كانت أن لي دونغ لين قد خدعه؛ فالممرضة لم تغادر في الحادية عشرة والنصف.
"لا.. لا شيء." زم غو شينغ شفتيه وتظاهر بالهدوء متسائلاً: "ألا تتناولون الغداء في منتصف النهار؟"
"هل تهتم بهذا الأمر كثيراً؟"
وقفت الممرضة، وانحنت بجسدها فوق منصة التمريض، موجهة عينيها الرماديتين نحوه دون حراك، وقالت ببطء: "ما الذي تنتظره؟"
رغم أنها كانت تبدو ككائن حي، إلا أن حركاتها في نظر غو شينغ كانت تشبه دمية خشبية صلبة، وعيناها تفتقران لأي مشاعر بشرية؛ حتى تشو زيبينغ المزعج كان يملك مشاعر بشرية مقارنة بها.
صمت غو شينغ، بينما ظلت الممرضة على وضعيتها، ونصف جسدها يبرز خارج المنصة، وأصابعها الشاحبة الطويلة تحمل بقعاً سوداء صغيرة.
فجأة، دوى صوت نحاسي في الممر، محطماً جو التوتر بينهما.
وكأنها مبرمجة على هذا الصوت، اعتدلت الممرضة في وقفتها، ورمقت غو شينغ بنظرة حادة، ثم استدارت واتجهت نحو غرفة المناوبة خلفها.
نظر غو شينغ إلى الساعة الجدارية؛ كانت تشير إلى الحادية عشرة والنصف تماماً، مما يعني أن ساعة غرفته كانت تسبق الوقت الفعلي بدقيقة واحدة.
بمجرد اختفاء الممرضة، انحنى غو شينغ وتسلل داخل محطة التمريض. كانت المنصة الحجرية التي يبلغ طولها متراً واحداً كافية لإخفاء جسده.
كانت المحطة بسيطة؛ مجلدات زرقاء للسجلات الطبية وبعض الأوراق التي تسجل بيانات المرضى.
وفي مقدمة سجلات البيانات، ظهر اسم لي دونغ لين المألوف.
"الغرفة رقم 3، هل هي غرفة فردية؟" سجل غو شينغ رقم الغرفة في ذاكرته، متمنياً أن يزور الطبيب العجوز بمجرد استعادته لهويته كطبيب.
بدأ غو شينغ بتفتيش الأدراج من تحت مكتب الكمبيوتر في أقصى اليسار، واحداً تلو الآخر، لكنه لم يجد سوى سجلات لا حصر لها، ولم يعثر على أي قطعة معدنية، ناهيك عن المفتاح.
مرت دقيقتان بالفعل.
"بقي ثلاثون ثانية." همس غو شينغ لنفسه وهو يحني رأسه.
رغم أن لي دونغ لين قال إن لديه خمس دقائق، إلا أن هذا الوقت يجب أن يشمل التسلل لمكتب الأطباء وسرقة سجله الطبي؛ لذا لا يمكنه قضاء أكثر من دقيقتين ونصف في محطة التمريض.
عقارب الساعة كانت تكتك بلا توقف، وتصبب العرق من جبهة غو شينغ منزلقاً فوق بشرته الشاحبة. بقيت عشر ثوانٍ، ولم يجد المفتاح بعد، رغم أنه فتش جميع الأدراج.
المكان الوحيد الذي لم يفتشه كان صندوقاً أبيض يحتوي على الأدوية، مغلقاً بختم رسمي أحمر.
في لحظات الأزمة، يزداد غو شينغ هدوءاً؛ لم يمزق الختم بعنف، بل بدأ بسحبه ببطء من حوافه حتى انفصل النصف السفلي للختم عن الصندوق.
"بالفعل، إنه هنا."
ابتسم غو شينغ بارتياح، والتقط مجموعة كبيرة من المفاتيح بحذر شديد من داخل الصندوق.
وعندما أخرج المفاتيح تماماً، انقطع الختم فجأة من المنتصف، وانقسم إلى جزأين، ليتأرجح النصف السفلي ويسقط نحو الأرض.
"تباً!"
شتم غو شينغ سراً، والتقط الختم الممزق محاولاً إعادة تثبيته، لكنه فشل.
ومع مرور ثلاث دقائق، كز غو شينغ على أسنانه، وبصق على الختم ثم ضغطه بقوة ليعيده لمكانه.
*صرير!*
دوى صوت قفل غرفة مناوبة الممرضات، وتبعته أصوات خطوات تقترب.
تصلبت حركة غو شينغ، فدفع المفاتيح في جيبه، ودون أن يلتفت ليرى حال الختم، انطلق على أطراف أصابعه من محطة التمريض نحو مكتب الأطباء.
لم يتبقَ لديه سوى دقيقة واحدة.
تعليقات
إرسال تعليق