عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 47: الهروب من المذبح
الفصل 47: الهروب من المذبح
"ماذا تعني بقولك إننا لن نخرج؟!"
اندفع غو شينغ نحو سون ديلونغ، وقبض بكلتا يديه على ياقة قميصه المتسخة، محدقاً في عينيه المظلمتين بذهول يمتزج بالرعب. كانت حدقتا غو شينغ تتسعان بمرور الثواني، وجسده يرتجف برعشة هستيرية لم يستطع السيطرة عليها، بينما كان عقله يرفض فكرة البقاء محبوساً في هذا المسلخ البارد.
كان سون ديلونغ يستند بظهره إلى لوحة التحكم المعدنية، بينما غرق وجهه بالكامل في الظل، ما جعل ملامحه تبدو كتمثال حجري مهجور. وببرود قسري، أزاح يد غو شينغ عنه، قائلاً بنبرة تقطر موتاً: "لقد أُغلق المخرج. ما لم يدخل طبيب من الخارج ويفتح الأبواب برمز التفويض، فسنظل هنا حتى تتحول عظامنا إلى جزء من هذا الأثاث المعدني. إذا كنت لا تزال تعيش في إنكار، فانظر إلى الباب بنفسك."
التفت غو شينغ ببطء، وشعر بفقرات رقبته تصدر صريراً من شدة التشنج. اخترقت نظراته العتمة الكثيفة، وهناك، فوق النسيج الجلدي الثقيل الذي يغطي أبواب غرفة العمليات، بدأت تظهر آثار أقدام صغيرة.. صغيرة جداً.. آثار أقدام رضع وأطفال بدأت تنطبع ببطء وكأن هناك جيشاً غير مرئي يزحف نحوهم.
تجمدت ملامح غو شينغ، وعاد ذلك الضحك الطفولي يدوي في أذنيه، لكنه لم يعد ضحكاً بريئاً؛ كان محملاً بمرارة وضغينة تجعل الدماء تتجمد في العروق. تذكر فجأة لافتة "قسم الجراحة النسائية" التي رآها عند المدخل، وأدرك أن كابوسه الأسوأ قد بدأ يتجسد.
"أليس هناك أي وسيلة أخرى؟" سأل غو شينغ بيأس، وهو يتراجع خطوتين للخلف.
"إلا إذا تم تشتيت انتباههم بشيء أكثر إثارة من وجودنا هنا،" رد سون ديلونغ وهو يرسم إشارة الصليب على صدره بسرعة. "تقول الشائعات إنهم لا يهاجمون ما لم تأخذ عتاداً زائداً عن الحاجة، لكن يبدو أن القواعد في هذا الصدع قد تغيرت الليلة."
وقبل أن يكمل سون جملته، اهتزت الأرضية تحت أقدامهم بفعل وقع أقدام ثقيلة ومكتومة، تبعها صوت اصطدام ضخم هز جدران الممر.
"تحرك! هناك كيان كبير يقترب!"
تحول سون ديلونغ فجأة من الجمود إلى حركة انسيابية مذهلة تشبه حركة الحيوانات الضارية. احتضن اللفافة التي سرقها، واندفع نحو الممر الخارجي حيث تقبع النقالة المعدنية. لم يكن غو شينغ أقل سرعة؛ فغريزة البقاء جعلته يسبق سون بخطوات، واضعاً يده على زر التحرير اليدوي للأبواب.
في تلك اللحظة، هبت ريح باردة جداً سكنت عظامهم، وجعلت فاشنغ يطلق صوتاً مكتوماً من الحلق. ومن بين شقوق الحجرة الأولى، بدأ شيء ما بالخروج؛ لم يكن بشراً، بل كان قطعة رقيقة من الجلد البشري الشاحب، تتحرك بليونة مريبة كأنها ورقة تطير في الهواء. كانت "بشرة" كاملة تفتقر للهيكل العظمي، بفتحات عيون سوداء غائرة تنضح بالظلام، تسبح في الهواء وتتجه نحوهم.
لم ينتهِ الرعب عند هذا الحد؛ فجأة أضاءت أنوار الحجرة الثانية بوهج فوسفوري مزعج، وانفتح بابها الحديدي بصرير حاد. خرج ظل طويل ونحيل بدأ يتمدد على الجدران، مصحوباً برائحة اللحم المحروق.
بشكل مفاجئ، انقض سون ديلونغ على غو شينغ، وبقوة هائلة ضغط على زر الفتح. وفي اللحظة التي انفتح فيها الباب، دفع سون النقالة المعدنية اللامعة بكل قوته، لتصطدم ببطن غو شينغ وتدفعه بقوة خارج منطقة الخطر، بينما ظل سون واقفاً في مواجهة الأبواب التي بدأت تنغلق.
"أنت.. ماذا تفعل؟!" صرخ غو شينغ وهو يسقط أرضاً.
"أهرب أيها الأحمق!" زأر سون ديلونغ، ملامحه كانت تتشنج وهو يرى الجلد الطائر وآثار أقدام الأطفال تقترب منه. "تذكر جيداً.. لا تثق بـ لي دونغ لين! ارحل الآن!"
انغلقت الأبواب. لم يجد غو شينغ خياراً سوى الجري نحو المصعد وهو يحتضن فاشنغ واللفافة الثقيلة، تاركاً وراءه ذلك الرجل الذي ضحى بنفسه في مشهد لم يعتد عليه في هذا العالم الموحش.
بعد ساعات من القلق النفسي القاتل، وجد غو شينغ نفسه مستلقياً على سريره في غرفته. كان يحدق في السقف بعيون غائرة، محاولاً استيعاب ما حدث. كيف يمكن لشخص مثل سون ديلونغ، في مكان يسوده الغدر، أن يخاطر بحياته من أجل "زميل" في الغرفة؟
"كلاك!"
انفتح الباب ببطء. انتفض غو شينغ، ليرى ظلاً ضخماً يدخل الغرفة. إنه سون ديلونغ! كان وجهه شاحباً كالكفن، وجسده يرتجف برعشة خفيفة، لكنه كان حياً.
"أنت بخير؟" همس غو شينغ بفرحة لم يستطع كتمانها.
أومأ سون برأسه بضعف، مشيراً بعينيه نحو لي دونغ لين المستلقي بجانبهما، محذراً من الكلام. غرق غو شينغ في نوم عميق من شدة الإرهاق، ليستيقظ في الصباح على صوت الجرس اللعين.
كان لي دونغ لين كعادته يندفع للخارج كالممسوس. لكن ما لفت انتباه غو شينغ هو دخول الممرضة، حاملة معها صينية علاجية تحتوي على زجاجة سائل عكر جداً، يميل لونه للصفرة القبيحة، متصلة بأنبوب برتقالي باهت.
توجهت الممرضة نحو سون ديلونغ، ودون أي تعقيم، غرزت الإبرة في يده الضخمة. شعر غو شينغ بانقباض في قلبه؛ لقد أدرك أن هذا هو "الثمن" الذي دفعه سون للنجاة من غرفة العمليات ولإنقاذه.
راقب غو شينغ السائل العكر وهو يتسرب إلى أوردة سون، وشعر بمرارة لا توصف. في تلك الأثناء، كان لي دونغ لين يجلس في الزاوية، يلتهم شيئاً أحمر ينزف دماً بوقاحة، وكان هناك ذيل طويل يتدلى من فمه.. ذيل جرذ أو سنجاب.
"سأكب هذا السائل اللعين في المرحاض!" قال غو شينغ بغضب وهو يحاول النهوض.
"لا تفعل،" رد سون ديلونغ بهدوء غريب، وعيناه مغلقتان. "هذا هو الثمن الذي قبلت به. الألم ليس سوى طريقنا نحو الخلاص، مجرد أشواك في ممر الجنة."
ضحك لي دونغ لين بصوت عالٍ وهو يمسح الدماء عن وجهه: "تستحق ذلك.. تستحق ذلك! من لا يطيع القواعد يُضرب على مؤخرته.. ها ها ها!"
تطايرت شرارات الغضب في عقل غو شينغ. نظر إلى لي دونغ لين باشمئزاز، وشعر برغبة جامحة في تحطيم ذلك الوجه المشوه. لكنه تذكر تحذير سون. أغلق الباب، وفتح سون ديلونغ عينيه فجأة، مرسلاً نظرة حادة نحو غو شينغ.
"يجب أن نتحرك الآن. كلما أسرعنا في تنفيذ الخطة، زادت فرصتك في الهروب من هذا الجحيم قبل أن يبتلعك بالكامل."
تعليقات
إرسال تعليق