عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 46: فخ الحجرة الرابعة
الفصل 46: فخ الحجرة الرابعة
حدق سون ديلونغ في غو شينغ بعيون محقنة بالدم، كاشفاً عن أنيابه في تكشيرة وحشية، بينما كان جسده يتشنج فوق النقالة. وبحركة مفاجئة تدل على قوة عضلية هائلة، دفع بخصره للأعلى، رافعاً ساقيه عن السطح المعدني ليضرب جدار الممر الأبيض بقوة فجائية.
"دونغ!"
دوى صوت الارتطام المكتوم في أرجاء الرواق الساكن، مما أدى إلى تعديل مسار النقالة المنحرفة لتعود إلى قلب الممر المؤدي لغرفة العمليات. انغلقت الأبواب الزجاجية خلفهما بصرير يوحي بالعزلة المطلقة، وكأن المستشفى قد ابتلعهما في جوفه المعدني. لم يتوقف نبض غو شينغ المتسارع إلا عندما استقرت النقالة تماماً؛ مسح العرق البارد عن جبينه بيده المرتجفة، بينما أطلق سون ديلونغ زفيراً حاداً من بين أسنان مطبقة، متمتماً بغيظ: "ألا تنوي النزول عني؟".
اعتذر غو شينغ بابتسامة باهتة وهو يقفز عن النقالة، شاعراً بوخز الإرهاق في ركبتيه. كانت الإضاءة في هذا الطابق تعتمد فقط على الوميض الضعيف لمصابيح الطوارئ وشاشات التحكم الرقمية، مما جعل المكان يغرق في ظلال طويلة ومخيفة. بدت غرفة العمليات بتصميمها الضيق والطويل وكأنها نفق لا ينتهي؛ حيث تتوزع غرف الجراحة على الجانبين، تفصلها أبواب حديدية ثقيلة، يتوسط كل منها نافذة مراقبة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضع بوصات، كأنها عيون ميتة تراقب العابرين.
توقف غو شينغ عند الحجرة الأولى. من خلف الزجاج، لمح سرير جراحة ضيقاً يتوسط الغرفة، وبجانبه رفوف معدنية تلمع ببرودة تحت الضوء الشاحب. لم تكن هناك أدوات جراحية تقليدية فحسب؛ بل رأى مزيجاً مرعباً من السكاكين؛ من سواطير اللحوم الضخمة إلى سكاكين الفاكهة الدقيقة، كلها مصطفة بجاهزية غريبة. وفجأة، تجمدت أنفاسه؛ في زاوية الغرفة، لمح ظلاً بشرياً يرتدي ملابس فضفاضة، كان الرأس غارقاً في العتمة لدرجة تجعل من الصعب تمييز ملامحه.
"هناك شخص بالداخل!" همس غو شينغ بذعر، متراجعاً للخلف حتى اصطدم بـ سون ديلونغ.
أرخى سون قبضته عن صليبه، وألقى نظرة سريعة وخاطفة عبر الزجاج قبل أن يرد بنبرة جافة: "لا تجعل رعبك يصور لك الأوهام. هذا مجرد حامل للملابس، وُضعت عليه معاطف الجراحة.. شخص ما وضع القبعة في الأعلى ليبدو الأمر وكأنه كيان حي."
تنفس غو شينغ الصعداء، محاولاً تهدئة دقات قلبه التي كانت تقرع في أذنيه. "أنا متوتر فحسب، الأحداث تتلاحق بسرعة البرق الليلة،" قال وهو يحك رأسه بإحراج. لكن في أعماقه، لم يشعر بالراحة؛ فالمكان كان يفوح برائحة غريبة تشبه احتراق الأسلاك الكهربائية الممزوجة برائحة الدم المعدنية القديمة.
"علينا العثور على (حجرة المعدات)، هناك يكمن سر بقائنا،" قال سون ديلونغ وهو يتحرك للأمام بخطوات مدروسة.
بينما كانا يسيران، بدأ غو شينغ يشعر بشيء غير طبيعي. هواء بارد وجليدي بدأ يلامس الجانب الأيمن من عنقه، وكأن كائناً غير مرئي يقف خلفه تماماً، ينفث أنفاس الموت في أذنه. كان فاشنغ، القط البرتقالي الجاثم على كتفه الأيسر، قد تقلص تماماً ليصبح ككرة فراء صغيرة، وكان جسده يرتجف برعشة خفية لا تهدأ.
"ألا تشعر بأن هناك من يتبعنا؟" سأل غو شينغ وصوته يرتجف قليلاً.
"قلت لك سابقاً، لا تغذي أوهامك بالخوف. الأبواب هنا موصدة بإحكام ولا تفتح إلا أثناء الجراحات،" رد سون بحدة، لكنه أضاف فجأة بنبرة تحذيرية عميقة: "ولكن، إياك والاقتراب من الحجرة الرابعة."
تزايدت برودة العنق، وأصبح فاشنغ يغرس مخالبه في سترة غو شينغ حتى شعر بالألم يخترق جلده. وفجأة، تلاشى صوت سون ديلونغ ليصبح وكأنه يأتي من قعر بئر عميقة. تطلع غو شينغ للأمام، ليجد سون يقف متسمراً أمام باب مفتوح، وعيناه مثبتتان بجمود على ما بداخله.
"لماذا لا تدخل؟" سأل غو شينغ باستغراب.
استدار سون ببطء مريب، وكانت أسنانه تلمع ببرودة قاسية في الظلام. "سأدخل أولاً، وعليك أنت أن تحرس الباب،" قالها بنبرة مشوهة، ثم دفع غو شينغ بقوة نحو مدخل الحجرة.
في تلك اللحظة، شعر غو شينغ بوخز حاد في كتفه؛ لقد غرس فاشنغ أنيابه في لحمه. صرخة الألم أعادت له وعيه، لينهار الوهم أمام عينيه. لم تكن تلك "حجرة المعدات"، بل كان يقف أمام الحجرة الرابعة المشؤومة. كان سون ديلونغ هو من يتعرض للهجوم؛ كان نصف جسده قد سُحب بالفعل داخل الغرفة المظلمة، وكان يتشبث بإطار الباب بجنون، بينما كانت أصابعه تُجبر على الإفلات واحدة تلو الأخرى بفعل قوة خفية.
"هي هي هي... ها ها ها..."
دوت ضحكات أطفال عالية وشيطانية في الرواق، وعلى الأرضية الرخامية، بدأت تظهر آثار أقدام صغيرة وشفافة، وكأن أطفالاً غير مرئيين يتدافعون لسحب سون إلى الداخل. "لا تقف هناك! ساعدني!" صرخ سون بوجه مشوه من الرعب والألم.
انقض غو شينغ للأمام، محتضناً خصر سون ديلونغ بكل قوته، وغرس قدميه في الأرضية اللزجة. شدّ بكل ما يملك من عزم، حتى شعر بفقرات ظهره تكاد تنفصل. وبدفعة واحدة عنيفة، سقط الاثنان للخلف، ليتدحرجا على أرضية الممر بعيداً عن فوهة الجحيم تلك.
"أركض! لا تسأل، ولا تلتفت!" صرخ سون وهو ينهض بجنون، منطلقاً نحو نهاية الممر. لم يتردد غو شينغ؛ حمل فاشنغ وانطلق خلفه بسرعة فاقت سرعة سون نفسه.
انعطفا نحو اليمين بقوة، ليجدا نفسيهما في غرفة صغيرة مكتظة، مضاءة بوهج أصفر ضعيف ينبعث من لوحة تحكم قديمة. كانت الغرفة تعج بالرفوف التي تحمل لفافات قماشية خضراء وسوداء.
"خذ واحدة فقط،" قال سون وهو يلهث بعنف، ممسكاً بلفافة صغيرة كان قد اختارها بعناية وكأنه يعرف مكانها مسبقاً. "إذا أخذت أكثر من واحدة، فلن تخرج من هنا حياً."
التقط غو شينغ أقرب لفافة إليه، كانت ثقيلة بشكل مفاجئ، ومكتوب عليها: طقم الأدوات الجراحية العامة - قسم الجراحة الخارجية. وضع اللفافة تحت إبطه، وشعر ببرودة المعدن تخترق القماش.
تطلع غو شينغ نحو الباب، متوقعاً الهرب فوراً، لكن سون ديلونغ جلس على الأرض ببطء، وعيناه مسمرتان على ساعة الحائط التي كانت عقاربها تتحرك للخلف.
"لقد تأخرنا..." همس سون بيأس، "الأبواب قد أُغلقت بروتوكولياً.. يبدو أننا لن نتمكن من الخروج من هذا الطابق لفترة ليست بالقصيرة."
تعليقات
إرسال تعليق