عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 45: غرفة العمليات - محراب الموت
الفصل 45: غرفة العمليات - محراب الموت
ألقى غو شينغ نظرة خاطفة نحو سون ديلونغ، الذي كان يستمع بتركيز مريب إلى الأصوات القادمة من خلف الزجاج المنقوش. تجمدت الدماء في عروق غو شينغ وهو يلاحظ ابتسامة عريضة وغريبة بدأت ترتسم على وجه سون؛ لم تكن ابتسامة ارتياح، بل كانت تشنجاً عضلياً يوحي بنوع من اللذة المشوبة بالجنون. في تلك اللحظة، اخترق صوت الصراخ القادم من الداخل جدار الصمت، ليعيد توجيه أفكار غو شينغ نحو الخطر المحدق.
"لقد تضاءلت أعداد القادمين من الطابق الرابع مؤخراً،" زأر الصوت الحاد من الداخل، "لا يمكنكم الاستمرار في هذا العبث! كل من يستوفي المعايير يجب إرساله فوراً إلى الطابق الثاني. هذه أوامر عليا لا تقبل النقاش!"
توقف الصوت لبرهة، ثم أضاف بنبرة أكثر تهديداً: "ولا تظنوا أن امتلاككم لحبوب السيرترالين سيجعلكم في مأمن من المحاسبة. بالأمس فقط، تم استبدال أحد الأطباء بكيان آخر.. عليكم الحذر، فالمعاطف التي ترتدونها قد تصبح أكفاناً لكم في أي لحظة."
عند سماع كلمة "استبدال"، شعر غو شينغ بقشعريرة تسري في عموده الفقري. لم ينتظر سماع المزيد؛ أدرك أن الأطباء بالداخل سيهرعون للخارج قريباً. أشار لـ سون ديلونغ بالتحرك، وبخفة مذهلة، انسحب الاثنان مع القط فاشنغ نحو المصعد. ضغط غو شينغ على زر الطابق الثالث بيدين ترتجفان، بينما كان قلبه يدق كطبول حرب في صدره الضيق.
"لماذا الطابق الثالث؟" همس غو شينغ، وعيناه تراقب لوحة الأرقام التي تتحرك ببطء مستفز.
"غرفة العمليات،" أجاب سون ديلونغ بصوت لاهث ومتحشرج، "هناك نجد مفتاح الخلاص.. الأدوات الجراحية."
"أدوات جراحية؟ هل جننت؟"
"ليست مجرد أدوات،" قال سون وهو يقلب صليبه بحدة جعلت مفاصل أصابعه تبيضّ، "فقط المشارط والمعدات الموجودة في غرفة العمليات، أو سكاكين المطبخ في الطابق السفلي، هي القادرة على تمزيق أجساد هؤلاء الأطباء. أي سلاح آخر هو مجرد دعابة أمامهم."
توقف المصعد في الطابق الثالث. حاول غو شينغ الاعتراض، فالدخول إلى غرفة العمليات دون أن تكون جزءاً من الطاقم الطبي هو انتحار صريح، لكن سون ديلونغ وقف عند مخرج المصعد، مخفياً وجهه في الظلال الكثيفة، وقال بصوت يشبه فحيح الأفاعي: "إما أن تأتي معي الآن، أو تعطيني القط."
"مستحيل!" رد غو شينغ بصلابة، وهو يخبئ فاشنغ خلف ظهره. كان يشعر بخوف القط ورجفته، ولن يسمح لـ سون باستخدام هذا الرفيق كطُعم مرة أخرى.
"طك... طك... طك..."
فجأة، اخترق صوت وقع أقدام حاد سكون الرواق. لم يكن وقع أحذية طبية، بل كان اصطدام كعوب عالية بالأرضية الرخامية. تجمد الاثنان في مكانهما، ثم اندفعا للاختباء خلف حاويات النفايات السوداء الضخمة.
"هل أنا جميلة؟.. هل أنا جميلة؟.."
انبعث صوت عجوز متهالك، يقطر بؤسًا ورعبًا. هذه المرة، أيقن غو شينغ أنها ليست هلوسة كيميائية؛ لأن وجه سون ديلونغ قد استحال لونه إلى شحوب جنائزي غريب. استرق غو شينغ النظر، ليرى مشهداً يتجاوز حدود الكوابيس.
امرأة تمشي ببطء، ترتدي ملابس المرضى المخططة، وتنتعل حذاءً ذا كعب أحمر قاني. كان جسدها مشوهاً بشكل سريالي؛ تملك ساقين طويلتين جداً تتجاوز المتر، وفوقهما جذع عجوز منحني بزاوية تسعين درجة. لكن الرعب الحقيقي كان في رأسها؛ لم يكن فوق عنقها، بل كان مغروساً في منتصف صدرها، وجهٌ يشبه الجلد المتغضن لشجرة ميتة، وعيون صغيرة كحبات الخرز تلمع ببريق مفترس.
كانت تفتح فمها المليء بالأسنان الصفراء، وتخرج لسانًا طويلاً تلعق به وجهها المغروس في صدرها، بينما يتساقط لعابها على الأرض ليحدث صوتاً كفحيح الأحماض الحارقة وهي تذيب الرخام.
اقتربت "الجميلة" من مخبئهما. كانت رائحة العطر الرخيصة تخنق الأنفاس، ممزوجة برائحة الموت. مدّت المرأة يدها التي تشبه غصناً جافاً نحو حافة الحاوية. كان سون ديلونغ يرتجف بعنف، وعيناه تصرخان بالرعب، بينما كتم غو شينغ أنفاسه لدرجة شعوره بضغط هائل في أذنيه.
"دينغ!"
انفتح باب المصعد في اللحظة الأخيرة. خرج طبيبان بمعاطفهم البيضاء الناصعة، وتجمدا عند رؤية المرأة.
"تباً، الممرضة تشانغ نوبة جنونها عادت! بسرعة!" صرخ أحدهما.
"استخدم الشرشف! إذا غطينا وجهها ستفقد الوعي فوراً!"
اندفع الأطباء نحوها، لكن المرأة كانت أسرع؛ انقضت عليهم بقوة وحشية، قابضة على أعناقهم بأصابعها النحيلة. تعالت صرخات الأطباء: "الدواء! ضعوا الحبوب في فمها!"
بصعوبة بالغة، أخرج الطبيب الشاب حفنة من الحبوب البيضاء (سيرترالين) وضغط بها على صدر المرأة حيث يقع وجهها. خمدت حركتها تدريجياً، وبدأ جسدها يرتخي. "احملاها إلى غرفة التمريض فوراً!" صرخ الطبيب الأكبر، وغادرا وهما يجران ذلك الكيان المشوه.
بمجرد اختفائهم، قفز سون ديلونغ من خلف الحاوية بمرونة غير متوقعة، وارتمى فوق النقالة المركونة أمام غرفة العمليات. "بسرعة! ادفعني للداخل! لن يعودوا الآن، الأطباء لا يدخلون غرف العمليات إلا لإجراء الجراحات!"
أدرك غو شينغ أن هذه فرصته الوحيدة. وضع يديه على حافة النقالة المعدنية الباردة، وبكل ما أوتي من قوة، دفعها نحو الأبواب الزجاجية لغرفة العمليات. كان يشعر باحتكاك العجلات بالأرضية واهتزاز عضلات ذراعيه المتعبة.
"اصعد! بسرعة!" صرخ سون وهو يشد ذراع غو شينغ.
اقتربت النقالة من الأبواب، لكن الزجاج لم ينفتح آلياً كما توقعوا. كانا على وشك الاصطدام العنيف. في تلك اللحظة الحرجة، مد غو شينغ يده وضغط بجنون على زر الطوارئ الجانبي.
"كلاك!"
انفتح الباب قبل الاصطدام بسنتيمترات قليلة. قفز غو شينغ فوق النقالة بجانب سون، لتندفع بهم داخل الغرفة المظلمة. تعثرت النقالة بحامل معدني، مما أصدر صوتاً مدوياً في أرجاء المكان. تجمد الاثنان؛ إذا سمع الأطباء هذا الضجيج، فلن يكون هناك مهرب من "الجراحة" القادمة.
تعليقات
إرسال تعليق