عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 35: نصف جثة
الفصل 35: نصف جثة
ظل "غو شينغ" واقفاً أمام لوحة التعريف لعدة دقائق دون حراك، والكلمات التي ألقاها "سون ديلونغ" تدور في رأسه كإعصار من الشك. كان يحاول جاهداً تكذيب ادعاءات سون، لكن كل شيء رآه منذ الصباح كان يؤكد الحقيقة البشعة؛ من "اليوتاو" الصباحية إلى "شرائح الدم" الغريبة، وصولاً إلى امتناع الممرضة عن أكل اللحم تماماً.
لقد كان سون ديلونغ محقاً؛ المرضى في هذا المكان ليسوا مجرد حالات للعلاج، بل هم "المخزون الاحتياطي" لمطبخ المستشفى.
تنهد سون ديلونغ بنبرة مليئة بالأسى وقال: "لقد ضاع كل شيء.. لن نعود أبداً!"
"ماذا تقصد؟ هل تناول ذلك الطعام يؤدي لنتائج لا يمكن عكسها؟" سأل غو شينغ بلهفة، محاولاً استغلال "الفرصة"؛ فبسبب تدخل لي دونغ لين، لم يتناول غو شينغ أي طعام فعلياً حتى الآن.
استعاد سون ديلونغ هدوءه المصطنع، ورسم علامة الصليب أمام صدره وقال: "ليحفظك الرب.." وقبل أن يكمل، قطع صمتهما صوت صرير حاد.
التفت غو شينغ ليرى رجلاً ضئيلاً يخرج من إحدى الغرف بضحكة هيستيرية، يمسك في يده اليمنى فردة حذاء قديمة ومقطوعة، وفي يده اليسرى، وبين أظافره المليئة بالقذارة، كانت تقبع حبة دواء بيضاء.
"أنت.. أنت من جعلني آكلها.. خذ!"
صرخ الرجل وبدأ لعابه يتطاير، ثم قذف فردة الحذاء نحو غو شينغ. تفادى غو شينغ الهجوم بسهولة وحاول ركله ليبعده عنه.
"توقف! الاشتباك هنا سيعني نقلك لغرفة العلاج القسري فوراً!" صرخ سون ديلونغ محذراً. تراجع غو شينغ في اللحظة الأخيرة، لترتطم قدمه بحافة الممر الحديدية.
لكن الرجل المجنون لم يتوقف؛ اندفع بأظافره السوداء نحو وجه غو شينغ وهو يزمجر بجنون: "كُل.. سأجعلك تأكل لحمك!"
لم تكن هذه سوى البداية؛ فصرخات الرجل كانت بمثابة شرارة أشعلت فتيل الفوضى في الطابق بأكمله. بدأت الأبواب تفتح واحداً تلو الآخر، وخرج منها مرضى يحملون أسلحة بدائية غريبة؛ حوامل محاليل، طاولات صغيرة، أحذية، وحتى أوعية التبول. جميعهم كانوا ينظرون لغو شينغ بحقد وكأنه العدو الذي سلبهم حياتهم، وهم يلوحون بأقراص الدواء البيضاء والرمادية.
"اركض! لا تحاول قتالهم، هؤلاء فقدوا عقولهم ولا يخشون العقاب، لكنك لست مثلهم!"
أمسك سون ديلونغ بذراع غو شينغ وجره بقوة نحو نهاية الممر. كان الممر يضيق، وأمامهم لم يكن هناك سوى جدار أبيض مصمت وبجانبه المرحاض القديم.
"لا يوجد مخرج! نحن محاصرون!" صرخ غو شينغ وهو يتفادى بصقة نتنة طارت بجانب أذنه.
"ثق بي، هذا المكان ليس بالبساطة التي تظنها،" همس سون ديلونغ بأسنان مشدودة، ثم اندفع بكل قوته نحو الجدار الأبيض على اليمين.
كاد غو شينغ أن يصرخ ظناً منه أن سون قد انتحر، لكنه شعر بجسده يخترق الجدار وكأنه يعبر غشاءً مائياً رقيقاً دون أي مقاومة تذكر، ليجد نفسه ساقطاً على أرضية صلبة وباردة.
كان المكان عبارة عن غرفة مظلمة وضيقة، يتسرب إليها خيط ضئيل من الضوء عبر شقوق الباب المغلق. كان ممراً ضيقاً لا يتجاوز طوله عشرين متراً، وفي بدايته يقبع مبرد مياه قديم من الفولاذ يومض ضوءه الأحمر بانتظام كنبضات قلب محتضر.
على طول الممر، كانت هناك سبع أو ثماني غرف صغيرة مائلة نحو الأسفل بشكل غريب.
"ما هذا المكان؟" سأل غو شينغ بذهول.
"لا تسأل، ولا تحاول التقدم خطوة واحدة؛ هذا المبرد هو الحد الفاصل الأخير،" حذر سون ديلونغ بملامح متشنجة.
وقف غو شينغ مكانه وبدأ يتفحص المحيط بمهارته. كانت الأبواب تحمل لوحات مغطاة بمادة سوداء لزجة تخفي ما تحتها، لكن الأرضية كانت تعج بـ أكياس ملفات صفراء مبعثرة؛ وهي الحقائب التي كانت تستخدمها المستشفيات قديماً لحفظ سجلات المرضى.
فجأة، تناهى إلى مسامعهما صوت احتكاك معدني ثقيل على الأرض.. صوت يأتي من عمق الممر المظلم، يرافقه وقع أقدام ثقيلة ومضطربة. ظهر ظل في نهاية الممر؛ كان ظلاً محنياً قليلاً، يجر وراءه شيئاً ضخماً يترك أثراً سائلأً ومقززاً.
"اختبئ الآن!"
كان صوت سون ديلونغ يرتجف برعب حقيقي لأول مرة. وبما أنه لا يوجد مكان للاختباء، التصق سون ديلونغ بخلف مبرد المياه، محاولاً تقليص جسده الضخم في الفراغ الضيق، واضعاً يديه فوق فمه وأنفه ليكتم أنفاسه.
قلد غو شينغ حركة سون، وحشر نفسه في الجانب الآخر خلف المبرد. كان خزان المياه ساخناً جداً لدرجة أنه شعر بلسعات مؤلمة في ظهره، لكنه لم يجرؤ على الحراك.
اقترب الظل أكثر، وأصبح صوت الاحتكاك "سحب.. كراك.. سحب" يمزق الصمت. ثم فاحت رائحة دم نفاذة وكريهة جداً جعلت غو شينغ يضغط على أنفه لدرجة الألم كي لا يعطس.
مرّ الكائن من أمام المبرد. كان يرتدي معطفاً أبيض ملطخاً بالدماء بالكامل، وكأنه غُمس في حوض من الدماء الطازجة. كانت الأكمام طويلة جداً والبدلة لا تناسب حجمه الصغير المحني. وفي يده اليمنى، كان يقبض على سكين ضخمة (ساطور) مليئة بالثقوب والصدأ، لكن حدها كان يلمع ببريق قاتل.
أما في يده اليسرى، فقد كان يجر نصف جثة بشرية.
رأى غو شينغ الأمعاء المتداخلة، والرئة التي تشبه بالوناً ممزقاً، وبقايا المادة الدماغية البيضاء التي تلطخ الأرضية خلفه. كان المشهد يفوق قدرة العقل البشري على الاستيعاب.
حبس غو شينغ أنفاسه لدرجة أن دقات قلبه أصبحت تدوي في أذنيه كقرع الطبول. وبينما كان الكائن يهم بتجاوز المبرد، فعل غو شينغ مهارته المطورة (المستوى 2) ليفحصه:
فجأة، توقف الكائن عن المشي. التفت ببطء مرعب نحو مبرد المياه. كان وجهه عبارة عن كتلة من الندوب والجروح المتقاطعة، وخلف نظاراته الصغيرة المستديرة والسميكة، كانت تقبع عينان خاليتان من أي بريق إنساني، تحدقان مباشرة في الفراغ الذي يختبئ فيه غو شينغ.
تعليقات
إرسال تعليق