رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 9: نُدبةُ القبول.. وميزانُ الانتماء
الفصل 9: نُدبةُ القبول.. وميزانُ الانتماء
لم يكن صرير الرياح العاوية فوق القمم هو أول ما استقبله مالك عند استيقاظه، بل كان الألم الذي يسري في مفاصل جسده كأنه مساميرُ محماة تُدقُّ في أعماق عروقه. حاول تحريك ذراعه اليمنى، فانطلقت من حنجرته حشرجة مكتومة؛ فالعضلات التي استنزفها بالأمس لتوجيه "التشي" نحو النصل كانت متصلبة تماماً، كأنها تحولت إلى قطع من الحديد الصدئ.
فتح عينيه ببطء ليرى سقف الخيمة المهترئ، لكنه لاحظ شيئاً غريباً؛ لم يكن يرتجف من الصقيع كما اعتاد في لياليه الأولى. لقد كان مغطىً بجلود ذئب ثقيلة ودافئة، والنار التي كانت تخبو عادةً عند الفجر كانت تشتعل بجانبه بعناية، وكأن يداً خفية كانت تعتني ببقائها حية طوال الليل. لقد كان هذا أول غيث "الاحترام" الذي انتزعه بنصله.
تحامل مالك على نفسه ونهض مترنحاً، وكان كل جزء في جسده يصرخ احتجاجاً على هذا التحرك. خرج من الخيمة يجرُّ قدميه جراً، والضباب الكثيف يلف المعسكر برداء رمادي بارد. لم تعد الأجواء هي نفسها؛ فالمحاربون الذين كانوا يتجاهلونه كأنه طيف عابر، أو يرمقونه بنظرات الازدراء، صاروا يراقبون مروره بصمت مهيب. لم يقل أحدٌ كلمة، لكن إيماءات رؤوسهم كانت تقول الكثير. لقد جرح هذا الصبي المشرد وجه أحد "الخمسة وعشرين"، وهذا في عُرفهم يعني أنه لم يعد "نكرة".
عند نارٍ جانبية في طرف المعسكر، كان بشير يجلس بظهره العريض الذي يشبه صخرة صماء. كان يلمس بيده الضخمة تلك النُّدبة الرفيعة التي شقت وجنته بالأمس، والدماء كانت قد تجمدت فوقها لتصنع خطاً قادماً من ملاحم القتال. توقف مالك مكانه، وشعر بتوتر غريزي يجعل يده تتحرك نحو موضع سيفه الغائب.
التفت بشير ببطء، ونظر إلى مالك بعينين خلت من ذلك الاستهزاء القاتل الذي ميز لقاءهما الأول. دفع بشير وعاءً خشبياً فيه مرقٌ ساخن نحو مالك وقال بصوتٍ خشن يتردد في أرجاء الصمت: "اجلس يا صبي. الجسد المنهك لا يبني محارباً، والمرق أفضل لصوتك من صرير الأسنان".
جلس مالك بحذر، وتناول الوعاء بيدين لا تزالان ترتجفان بوضوح. قال بشير وهو ينظر للنار: "لا تظن أنَّ قسوتي كانت حقداً. نحن هنا 25 رجلاً فقط، كل واحد منا مطلوبٌ رأسه بذهبٍ وفير، والموت يقتفي أثرنا منذ أن أحرقت الإمبراطورية ديارنا. كنتُ أريد ثنيك عن هذا الطريق صوناً لحياتك؛ فأن تموت جوعاً في زقاق، أرحمُ من أن تُعلق مشنقتك في ساحة العاصمة لأنك تبعتَ آل سِين".
صمت بشير قليلاً، ثم أكمل وهو يلمس جرحه مجدداً بنظرة تقدير مكتومة: "لكنك اخترتَ أن تشقَّ طريقك بنصلك، وجعلتني أضطر للدفاع بجدية. لقد أثبتَّ أنك تملك شيئاً لا يشترى، فكُل طعامك، فأمامك ما هو أصعب من خدش وجنتي".
في تلك الأثناء، وفي الخيمة الرئيسية التي تزدحم بالخرائط القديمة ولفافات القانون المهترئة، كان سِنان يقف أمام رجلٍ يفيض وقاراً وحكمة. كان هذا الرجل هو "إسحاق"، الذي عمل لسنوات طويلة مستشاراً ومحامياً لآل سِين قبل ليلة الإبادة الغادرة، وهو الآن العقل المدبر لهذه المجموعة الصغيرة.
"لقد فعلها الصبي إذن،" قال إسحاق وهو يضع نظارته الطبية فوق طاولة خشبية بسيطة. "المعسكر كله يتحدث عن خدش بشير. هل ستضمه لرجالك؟ هل سيكون الرقم السادس والعشرين في مجموعتنا؟".
"الرغبة موجودة،" رد سِنان وهو ينظر عبر فتحة الخيمة إلى مالك الذي كان يتناول طعامه مع بشير. "لكن الأهلية للانضمام لآل سِين لا تُثبت بالصدفة. لن أحمله على عاتقي كمحاربٍ رسمي لمجرد أنه جرح بشيراً بضربة يائسة. أريد أن أعرف إن كان هذا الجمر سيصمد أمام ريح اليأس، أم أنه مجرد دخان عابر".
مشى سِنان نحو سيفه الحديدي البسيط المستند إلى الركن. "إسحاق، أنت تعلم أنَّ بقية الرجال في مجموعتنا هم إخوتي في السلاح، أعمارهم متقاربة مني، وكنا معاً قبل السقوط العظيم. أما مالك.. فهو جيلٌ جديد. إنه نتاجُ الظلم الخالص الذي نعيشه الآن. لم يعرف قلاعنا ولا نبلنا، بل عرف سياط الجنود وجوع الزقاق. لديه 'جوع' للقوة لا يملكه أحد، ورأيتُ فيه إمكانية الجمرة التي ستولد ناراً تحرق العالم".
ضيق إسحاق عينيه متسائلاً: "إذن، ستختبره ليكون واحداً منا؟".
"نعم،" أوضح سِنان بنبرة جافة. "يجب أن أتأكد من معدنه قبل أن يُحسب علينا رسمياً. سأضعه أمام اختبارٍ يحدد إن كان صالحاً ليكون فرداً في مجموعتنا الـ 25، أو مجرد عابر سبيل أنقذناه من الموت ليموت في غياهب النسيان".
في زاوية المعسكر، كان عامر يراقب الرجال وهم يبدأون تدريباتهم الصباحية بانضباط حديدي. وعندما رأى نظرات مالك التائهة نحو القمم، تمثل ببيتين من الشعر جرا على لسانه كأنهما نبوءة او ربما مجرد امل:
شعر مالك بنظرة سِنان تخترقه من بعيد، نظرة لم تكن تحمل فخراً ولا تشجيعاً، بل كانت باردة وفاحصة، كأنها ميزان يزن روحه قبل جسده. لم يكن مالك يشعر بالولاء بعد، ولا بالانتماء لهذا المعسكر المنظم بدقة تثير الريبة.أرى تحتَ الرمادِ وميضَ جمرٍ .. ويوشكُ أن يكونَ لهُ ضرام
قبض مالك على حفنة من التراب المتجمد تحت قدميه، وأدرك أنَّ المواجهة مع بشير كانت مجرد مقدمة، وأنَّ سِنان ليس رجلاً يكتفي بالنتائج البسيطة. لقد أصبح الآن تحت المجهر، والخطوة القادمة لن تكون مبارزة خشبية، بل ستكون اختباراً يقرر فيه سِنان إن كان هذا الصبي يستحق أن يكون واحداً مع 25 الذين يتهيب العالم من ذكر اسمهم، أو أن يبقى مجرد "جرو شوارع" تائه.
كان الجمر في صدره يشتعل مع كل شهيق بارد، ورغم الألم الذي يكاد يفتك بعضلاته، إلا أنَّ رغبته في تحطيم "ذلك الرجل" المسمى بشير قد تحولت إلى رغبة أعمق: الرغبة في أن يُثبت لـ سِنان وللعالم أجمع، أنَّ الرماد الذي داسوا عليه طويلاً، يخفي خلفه ناراً لا تُبقي ولا تذر.
تعليقات
إرسال تعليق