رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 8: خَدشُ الكبرياء.. ووهمُ القوة
الفصل 8: خَدشُ الكبرياء.. ووهمُ القوة
تسللت خيوط الفجر الأولى كأصلالٍ باردة فوق قمم "جبال الرياح العاوية". لم يكن المعسكر هادئاً كالعادة؛ فقد اصطف الرجال في حلقةٍ واسعة، عيونهم تترقب الساحة الترابية التي توسطت الخيام. في جهةٍ وقف بشير، عاري الصدر رغم الصقيع، يمسك بسيفه الطويل بمرونةٍ توحي بخبرة سنوات من الدماء.
وفي الجهة المقابلة، كان مالك يقف بصعوبة. كانت ركبتاه ترتجفان، ليس خوفاً، بل من إجهاد الأمس الذي لم يرحل تماماً. قبض على سيفه القصير، وشعر بثقل المعدن يضغط على أعصابه. كان يعلم أنَّ الجميع ينتظرون رؤيته وهو يُسحق.
سار بشير ببطء وسط الساحة، وارتسمت على وجهه ابتسامة ساخرة. "أرى أنك لم تهرب في الليل يا جرو. حسناً، سأجعل الأمر سريعاً لتعود إلى أحلامك."
لم يرد مالك. استجمع خيوط "التشي" في أسفل بطنه، محاولاً إشعال ذلك الجمر الذي لمسه بالأمس. اندفع فجأة، مسدداً ضربةً مائلة نحو خصر بشير. تفاداها بشير بحركةٍ خلفية بسيطة، ودون أن يستل سيفه بالكامل، دفع مقبض السيف ليصدم صدر مالك.
تراجع مالك للخلف، وشعر بضيقٍ في تنفسه. لم ينتظر بشير، بل تقدم ووجه ركلةً قوية لجانب مالك، أطارت به أمتاراً ليرتطم بالتراب المتجمد. تعالت ضحكات مكتومة من بعض الرجال، لكن سِنان، الذي كان يقف بعيداً يستند إلى صخرة، ظلَّ صامتاً كتمثالٍ من حجر.
نهض مالك، والدم يسيل من أنفه. في تلك اللحظة، حدث شيءٌ غريب. لم يعد يركز على قوة بشير، بل بدأ يراقب "إيقاع" حركته. لاحظ أنَّ بشير يتحرك بثقةٍ مفرطة، تاركاً فراغاتٍ بسيطة لأنه يظن أنَّ خصمه أضعف من أن يراها.
اندفع مالك مرة أخرى. هذه المرة لم يضرب عشوائياً. استعمل سيفه ليصد ضربة بشير، وشعر بالاهتزاز يخترق عظام يده، لكنه لم يتراجع. انزلق تحت ذراع بشير وسدد طعنةً استهدفت ساقه. قفز بشير بعيداً، وتلاشت ابتسامته قليلاً. "بدأتَ تتعلم الحبو إذن؟"
استمر القتال لدقائق خلدت في ذهن مالك كأنها ساعات. كان يتلقى الضربات، يسقط وينهض، وفي كل مرة يسقط فيها، كان يفهم زاويةً جديدة لهجوم بشير. كان جسده ينهار، لكن "إدراكه" كان يزداد حدة. بدأ يشعر بحركة الهواء قبل أن يتحرك بشير.
وصل القتال إلى ذروته. كان مالك يلهث بعنف، ورؤيته بدأت تتشوش. قرر بشير إنهاء المهزلة؛ رفع سيفه عالياً ليهوي بضربةٍ قاضية بظهر النصل لكسر عظام مالك. في تلك اللحظة، شعر مالك بضغطٍ هائل، كان يعلم أنَّ بشير لم يستخدم "نيته القتالية" بعد، معتمداً فقط على قوته البدنية الخام.
"الآن.. أو أبداً،" صرخ مالك داخله.
بدلاً من التراجع، ارتمى مالك للأمام، تحت النصل الهاوي تماماً. استنزف كل ذرة "تشي" بقيت في عروقه، وصبها في حركةٍ انتحارية. لم يكن يهدف لصدر بشير، بل وجه نصله بحركةٍ خاطفة، كالبرق، نحو وجه بشير الذي كان منحنياً لإنهاء الضربة.
خَدش!
توقف الزمن في الساحة. سيف بشير توقف على بُعد إنشات من رأس مالك، بينما نصل مالك القصير قد خطَّ طريقاً أحمر رفيعاً يمتد من وجنة بشير اليمنى حتى أسفل أذنه.
ساد صمتٌ مرعب. لم يُسمع إلا عواء الريح. نظر بشير بعينين متسعتين إلى قطرات الدم التي سقطت على الثلج. لم يصدق أنَّ "القمامة" قد لمست وجهه.
حاول مالك الوقوف، لكن جسده كان قد فرغ تماماً. سقط السيف من يده، وارتخت عضلاته، وقبل أن يرتطم وجهه بالأرض، غاب عن الوعي. سقط وهو ينظر لنظرة الذهول في عيني بشير، وفي تلك اللحظة، لم يعد يهمه إن كان قد خسر القتال أم لا.
تقدم عامر ببطء، ونظر إلى بشير الذي كان لا يزال مجمداً في مكانه، يلمس جرحه بيده المرتجفة. لم يقل عامر شيئاً لبشير، بل التفت نحو الرجال الذين شُلَّت ألسنتهم، وأنشد بصوتٍ خفيض هزَّ سكون الفجر:
نظر سِنان إلى جسد مالك الملقى على الأرض، ثم إلى بشير. لم يقل "ألم أخبرك؟"، بل اكتفى بهز رأسه ومشى بعيداً. لقد جرح مالك وجه "الجبل"، وبهذا الخدش الصغير، وُلد محاربٌ جديد في أعين آل سِين، ليس بالولاء، بل بالدم الذي انتزعه من نخبهم.أُعاتِبُ دَهراً لا يَلينُ لِعاتِبِ .. وَأَطلُبُ أَمناً مِن صُرُوفِ النَوائِبِ
وَتَبكي عُيوني حينَ أَرنو لِمَعشَرٍ .. يَظُنّونَ أَنَّ النَصرَ طَوعُ المَواهِبِ
تعليقات
إرسال تعليق