رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 7: نُذرُ العاصفة.. وموعدٌ مع الصخر

رماد النبل وجمر التمرد
☀️🌙

الفصل 7: نُذرُ العاصفة.. وموعدٌ مع الصخر

كان الضباب يزحف كالأشباح بين خيام المعسكر، يلف المكان ببرودةٍ تجعل الأنفاس تخرج كدخانٍ كثيف. وقف سِنان عند حافة الجبل، صامتاً كعادته، يراقب المدى البعيد بعينين لا تفصحان عن شيء.

خلفه، كان بشير يذرع الأرض جيئة وذهاباً، يفرك يديه الخشنتين ببعضهما، وعلامات الضيق واضحة على وجهه المليء بالندوب. لم يحتمل بشير الصمت أكثر، فتوقف ونظر إلى سِنان بحدة وقال: "زعيم، الرجال يتساءلون. نحن نخبة 'آل سِين'، خضنا معارك لا ينجو منها إلا الشجعان، والآن نفتح معسكرنا لهذا الصبي؟ انظر إليه، إنه حطام إنسان. ماذا سيفعل جرو شوارع مثله وسط ذئابنا؟".

سِنان لم يلتفت، بل ظلَّ ناظراً إلى الفراغ، وردَّ بجملةٍ قصيرة جافة كأنها صفعة: "إذا كان حطاماً كما تقول، فسيذروه الريح قريباً. فلتنظر بنفسك.".

ترك سِنان بشيراً وابتعد في الضباب، فما كان من الأخير إلا أن استدار متوجهاً نحو النار حيث كان مالك يرتمي بجثته المنهكة. كان مالك يشعر أنَّ كل عضلة في جسده قد تحولت إلى رصاص ثقيل، ويداه اللتان قبضتا على السيف لأول مرة لا تزالان ترتجفان بوضوح.

وقف بشير فوق رأس مالك، ضخماً كالجبل، ونظر إليه باحتقار قبل أن يركز نظره على السيف الملقى بجانبه. ركله بطرف حذائه وقال بسخرية: "هذا هو 'المحارب' الجديد إذن؟ يبدو أنك بالكاد تقوى على حك رأسك، فكيف تظن أنك ستحمل هذا الحديد؟ الزعيم ربما أشفق عليك، لكن العالم لا يشفق على القمامة".

رفع مالك رأسه ببطء، كانت عيناه محمرتين من التعب والغبار، لكن نظراته لم تكن منكسرة. مسح الدم الجاف عن شفته وقال بصوتٍ مبحوح: "القمامة التي تتحدث عنها هي من صعدت هذا المنحدر بوزن صخرتين فوق ظهرها. إذا كنتَ تظن أنَّ كلامك سيخيفني، فأنت لا تعرف شيئاً عن الجوع الذي يجعلك تأكل الجذور لتعيش".


ضيق بشير عينيه، واقترب من وجه مالك حتى شمَّ الصبي رائحة الفراء والحديد المنبعثة منه. "لسانك طويل يا جرو، لكن النصال لا تقاتل بالألسنة. قف وأرني ماذا رأى الزعيم فيك، أم أنك ستبكي الآن وتطلب منه أن يحميك؟"

لم ينهض مالك، بل ظلَّ متكئاً على الأرض، ونظر إلى بشير ببرودٍ غير متوقع. "لستُ غبياً لأبارزك وأنا بهذه الحالة. أنا متعب الآن، لكن غداً عندما تشرق الشمس، سأكون قد استعدتُ أنفاسي. إذا كنتَ شجاعاً كما تدّعي، فانتظرني عند الشروق أمام الجميع. حينها سأريك من هي القمامة."

ضحك بشير ضحكةً خشنة تردد صداها بين الخيام، وجذبت أنظار الرجال الذين بدأوا يخرجون من خيامهم لاستطلاع الأمر. "غداً؟ حسناً يا جرو. سأعطيك ليلة لوداع أحلامك. غداً عند الشروق، سنرى إن كان هذا السيف يليق بك حقاً، أم أنك ستعود لسرقة الخبز في القرى".

نادى بشير بصوتٍ مرتفع ليسمعه الجميع: "يا رجال! غداً عند الفجر، سنرى مبارزة بيني وبين ضيف الزعيم الجديد! استعدوا لنرى كيف تتهاوى الأوهام!"

انسحب بشير وسط همسات الرجال وسخريتهم المكتومة، تاركاً مالكاً وحده وسط العتمة. اقترب عامر بخطواتٍ هادئة وجلس بجانب مالك، وضع يده على كتفه وقال بهدوء: "لقد ألقيتَ بنفسك في بئرٍ عميقة يا مالك. بشير لا يمزح، وهو من نخبة فرساننا".

تنهد عامر، ونظر إلى النجوم البعيدة، وكأنه يستذكر أياماً خلت في حرس الحدود، ثم تمثل ببيت:

تأنَّ ولا تعجل بلومكَ صاحباً .. لعلَّ له عذراً وأنت تلومُ

نظر مالك إلى عامر، ثم إلى يديه المرتجفتين من البرد قبل أن يقول: "لا يهمني ما يقوله هو أو غيره. لقد عشتُ عمري كله والناس يدهسونني كأنني حشرة. غداً.. حتى لو كسر عظامي، سأجعله يندم على كل كلمة رماها في وجهي. لستُ هنا لأكون تابعاً لأحد".

قبض مالك على حفنة من التراب المتجمد، وعيناه مثبتتان على السيف. لم يكن هناك ولاء، ولا نبل، بل كانت هناك غريزة بقاءٍ شرسة بدأت تتحول إلى رغبةٍ عارمة في تحطيم "ذلك الرحى" المسمى بشير. وفي تلك الليلة، كان الكل في المعسكر متشوقاً للمباراة، ليتعرفوا على الصبي الجديد الذي جلبه زعيمهم.

تعليقات