رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 6: نصلُ الإرادة.. وحِدَّةُ الشك

رماد النبل وجمر التمرد
☀️🌙

الفصل 6: نصلُ الإرادة.. وحِدَّةُ الشك

"الآن؟"

خرجت الكلمة من بين شفتي مالك كحشرجة ذبيح. كان جسده لا يزال يرتجف من مجهود سحب الصخور، وأنفاسه تخرج كالبخار الكثيف في هواء الجبل الذي يزداد برودة مع غياب الشمس. نظر إلى سِنان الذي كان قد غرس سيفه في الجليد، وانتظر رداً لم يأتِ. لم يكن هناك أي منطق في هذا الطلب؛ فمالك بالكاد يستطيع الوقوف، وعظام ركبتيه تشعر وكأنها طُحنت تحت وطأة الحبال الغليظة.

تحرك سِنان ببطء، وانتزع سيفه الحديدي البسيط من الأرض. لم يكن السيف يشع ضياءً، لكنه في يد سِنان بدا وكأنه يملك وزناً معنوياً يضغط على صدر مالك. مد سِنان قبضته بالسيف نحو مالك. "خذه. الدرس الأول ليس في القتال، بل في القبض على نيتك قبل القبض على المعدن."

تردد مالك، ثم مد يده المرتجفة وأمسك بعبء السيف. كان بارداً لدرجة أنها لسعت جلده المدمى. "أنت لا تفهم.." قال مالك وصوته يرتجف حنقاً، "أنا لا أشعر بأصابعي، وقلبي يكاد ينفجر من صدري. هل تريد مني أن أحارب وأنا في هذه الحالة؟"

نظر سِنان إليه بعينين خاويتين من أي تعاطف. "العدو لن ينتظر حتى تستعيد أنفاسك، والجوع الذي هربت منه لم يعطِك مهلة لتأكل. ارفع النصل، ووجه تلك الحرارة التي لمستَها منذ قليل نحو ذراعك. إذا خمد الجمر الآن، فلن يشتعل مرة أخرى."

في تلك الأثناء، كان عامر يجلس على صخرة قريبة، يراقب المشهد بصمت وهو يمسح نصل خنجره بقطعة قماش مهترئة. لم ينظر إليهما، لكن صوته انطلق هادئاً، رزيناً، وكأنه يلقي حكمة أزلية تليق بجلال هذا الجبل الضخم:

"وإذا كانت النفوسُ كباراً .. تعبت في مرادها الأجسامُ"

تردد صدى البيت في أذني مالك. لم يعرف من قاله، لكنه شعر بالمعنى يغرس نفسه في جرحه. "النفوس الكبار.." همس لنفسه. هل يملك نفساً كبيرة؟ أم أنه مجرد طفل يهرب من زقاق ضيق؟ نظر إلى سِنان الذي كان ينتظر ببرود لا يطاق. لم يكن مالك يشعر بالولاء تجاهه، بل كان يشعر برغبة عارمة في تحطيم ذلك الكبرياء الذي يحيط بسِنان. أراد أن يثبت له أنه ليس مجرد "طريدة" ألقى بها القدر في طريقه.

قبض مالك على السيف بكل ما تبقى له من قوة. بدأ يحاول استحضار تلك "الخيوط" التي شعر بها عند وصوله للقمة. كان الأمر يشبه محاولة إشعال نار في حطب مبلل؛ المقاومة كانت عنيفة داخل عروقه، وآلام عضلاته كانت تصرخ لتشتت تركيزه.

"ركز على الفراغ الذي في داخلك، لا على الألم الذي في جلدك،" جاء صوت سِنان هادئاً خلفه.

أغمض مالك عينيه. لم يعد يرى الثلج أو الضباب. بدأ يشعر بتلك النقطة الدافئة في أسفل بطنه تتوهج مرة أخرى. دفعها. لم يدفعها بالحب أو الولاء، بل دفعها بكل الحقد الذي يكنه للجنود الذين ركلوه، وبالغضب الذي يشعر به تجاه سِنان الذي يعذبه الآن. وببطء شديد، بدأت الحرارة تسري في ذراعه المتيبسة.

فجأة، شعر مالك بشيء غريب. السيف الذي كان يزن قنطاراً في يده، بدأ يفقد وزنه. لم يصبح أخف فحسب، بل صار يشعر به وكأنه قطعة من عظامه. فتح عينيه، ورأى نصل السيف الحديدي يرتجف، ليس من ضعف يده، بل من طاقة كانت تتسرب من مسامه لتغلف المعدن بهالة غير مرئية من الضغط الروحي.

"هذا هو.." همس سِنان، ولأول مرة لم يجد مالك في صوته ذلك البرد القاتل. "إدراك التشي من المستوى الأول. لقد جعلت نيتك تتصل بالمادة."

رفع مالك السيف بوضعية هجومية، وشعر بقوة غريبة تجعله ينسى آلام جسده للحظات. كان النصل ثابتاً، يخرق الرياح العاوية دون أن يهتز. لكنه سرعان ما شعر بالدوار؛ فاستنزاف الطاقة كان هائلاً على جسد لم يعتد هذا النوع من العبء. سقط السيف من يده وارتطم بالجليد، وسقط هو خلفه على ركبتيه، يلهث بعنف.

"لقد.. فعلتها،" قال مالك واللعاب الممزوج بالدم يسيل من فمه. نظر إلى سِنان الذي كان يراقبه بصمت. "هل أنت راضٍ الآن؟"

انحنى سِنان والتقط السيف ببرود. "الرضا لا مكان له هنا. لقد عبرتَ العتبة الأولى فقط. أنت الآن تملك المفتاح، لكن الباب لا يزال مغلقاً."

مشى سِنان مبتعداً نحو خيمة عامر، تاركاً مالك وحيداً في الظلام الذي لف القمة تماماً. لم يحاول سِنان مساعدته على النهوض، ولم يمدح شجاعته. كان التعامل بينهما جافاً كالصخر.

جلس عامر بجانب مالك الذي كان يحاول لملمة شتات نفسه. "لا تحقد عليه كثيراً يا صبي،" قال عامر وهو يناوله قطعة من اللحم المجفف. "الزعيم سِنان لا يعرف كيف يدلل الرجال، هو يعرف فقط كيف يصنعهم من الحطام. لقد رأى فيك شيئاً لم يره في الكثيرين الذين صعدوا هذا الجبل."

نظر مالك إلى قطعة اللحم، ثم إلى ظهر سِنان المبتعد. "أنا لا أفعل هذا لأجله، ولا لأجل آل سِين،" رد مالك بنبرة حادة رغم تعبه. "أنا أفعل هذا لكي لا أحتاج لأي شخص مرة أخرى. القوة التي يعلمني إياها ستكون السلاح الذي سأتحرر به منه ومن الجميع."

ضحك عامر ضحكة خفيفة ومريرة. "بداية جيدة. الكرامة تبدأ دائماً برفض التبعية. لكن تذكر، السيف الذي تفتخر به اليوم، قد يكون هو نفسه الذي سيثقل عاتقك غداً."

بقي مالك وحيداً تحت النجوم التي بدأت تتلألأ فوق "جبال الرياح العاوية". لم يكن يشعر بالانتماء لهذا المكان، ولا الولاء لهؤلاء الرجال الغامضين. كان يشعر فقط بأن هناك ناراً بدأت تشتعل في داخله، ناراً تتغذى على الرماد والظلم، وتعد بيومٍ تشرق فيه الشمس على عالمٍ يرتجف أمام "نية" صبيٍ كان يوماً يسرق الجذور ليبقى حياً.

لقد أدرك مالك في تلك الليلة أن المستوى الأول من التشي ليس غاية، بل هو مجرد وقود لرحلة طويلة من الدم والتمرد. ومع كل شهيق بارد، كان يشعر بأن السيف الذي سقط منه منذ قليل، قد طُبعت صورته في أعماق روحه، ولن يغادرها أبداً

تعليقات