نظام الانعكاس لا يظهر إلا بعد بلوغ مرحلة الماهايانا - الفصل 5: غضب
الفصل 5: غضب
كاد جيانغ لي أن يضحك من فرط السخرية؛ متى مارستُ "الزراعة الشيطانية" أصلاً؟
كانت الزراعة الشيطانية هي الهدف الأول للقمع من قِبل "قاعة عاهل البشر"، وكل من يجرؤ على سلوك هذا الدرب، عليه أن يستعد لمواجهة عالم الزراعة بأكمله. فمسالك السمو والعلو كثيرة، تتجاوز العشرات؛ منها درب صقل الجسد لتقوية البنيان، ودرب صقل التشي بتحويل الطاقة لجوهر، ودرب الرموز باستخدام التشكيلات.. لكن بين كل هؤلاء، كان هناك درب واحد محظور تماماً.
إنه درب الزراعة الشيطانية؛ حيث يرتقي الفرد على أنقاض الكل. هذا المسلك لا يعرف قيوداً ولا محرمات، بل يضحي بأرواح الجماهير ليمد شخصاً واحداً بالقوة. لا يهم كم سيموت، المهم أن يزداد الشيطان قوةً ومنعة. في العصور القديمة، حين كان الارتقاء ممكناً، لم تكن الأقاليم التسعة معادية للمزارعين الشيطانيين؛ فمهما بلغت قوتهم، سيرحلون في النهاية للخارج. لكن بمجرد انقطاع طريق الارتقاء، بدأ هؤلاء يحاولون التضحية بالقارة بأكملها، وقتل الملايين لصناعة "خالد" واحد، حتى أباد بعضهم سلالات حاكمة عن بكرة أبيها. لهذا، وُضع قانون غير مكتوب: "المزارع الشيطاني يُقتل بمجرد رؤيته".
سأل يوان ووشينغ بحذر: "ألا تشعر بالمفاجأة؟"
رد جيانغ لي ببرود: "بدون دليل، لا معنى للدهشة".
صاح يوان ووشينغ بمرارة: "هناك أدلة! ألم تسمع الإشاعات؟ قبل أن يشتهر عاهل البشر الحالي، خاض معركة ضد شيطان من خارج العالم، ولم يبالِ بالضحايا الأبرياء، فماتت مدينة كاملة لم ينجُ منها أحد! وعائلة جيانغ سرقت أكثر من مئة طفل! لماذا؟ الأكيد أنهم يخططون لقربان دموي! يستخدمون الرضع لصقل أجسادهم وكسر حاجز النواة الذهبية. هذه طريقة شيطانية بحتة، فكيف يسكت عاهل البشر؟ هذا يثبت أنه واحد منهم!".
أنهى يوان كلامه بصرخة يائسة: "يا سيد تشانغ، إذا كان شكي في محله، فالأقاليم التسعة قد ضاعت! أرجوك، أخبر سيد طائفتك فوراً!". ثم حاول السقوط على ركبتيه متوسلاً، لكنه شعر بقدْر من العزم والحزم يمنعه من الانحناء، وكأن يداً خفية تسنده.
تراجع يوان حين رأى وجه جيانغ لي قد أظلم تماماً. دون كلمة واحدة، استدار جيانغ لي وخرج من المنزل. كانت هالته مرعبة، كأنها بركان على وشك الانفجار. لم يغضب جيانغ لي حين اتهمه يوان بمساعدة عائلته سراً، بل ضحك حين اتهمه بممارسة الزراعة الشيطانية؛ لأنه يعلم براءة نفسه. لكن حين جاء ذكر قربان الأطفال، اشتعلت نيران غضبه.
لأن هذا الادعاء قد يكون حقيقة؛ فما حاجتهم لمئة طفل؟ "قاعة عاهل البشر" هي العدو الأول للشياطين، فكيف يجرؤ أقاربه على ممارسة هذا الدنس تحت اسمه؟ توسع حسه الإلهي ليغطي مئات الأميال، مسح مدينة تشينغ وما حولها من مدائن، ومع ذلك.. لم يجد شيئاً. وهذا بحد ذاته كان المشكلة؛ لم يجد أثراً للقربان، ولم يجد أثراً للأطفال المفقودين. فحص دار الجيانغ بدقة؛ مراسم تبجيل عادية، لا غرف سرية، ولا أنفاق.
هذا يعني احتمالين: إما أن يوان ووشينغ مخطئ تماماً، أو أن الأطفال في بُعد آخر. وفي الأقاليم التسعة، لا تُحفظ الأحياء في مساحات مكانية إلا عبر "العقد المكانية"، وهي عوالم مخفية يصعب كشفها إلا بين الأثر والخبر، أي حين يدخلها أحد أو يخرج منها.
دخل جيانغ لي المنزل مرة أخرى وسأل بهدوء مخيف: "هل لديك دليل قاطع؟ كرة تسجيل مثلاً لحديث رئيس العشيرة مع الحاكم؟"
تنهد يوان: "لا، فاستخدامها سيخلق تموجات طاقة يكتشفها الحاكم فوراً. ليس لدي غير شكوكي وتوافق توقيت المراسم مع الاختفاء".
قال جيانغ لي: "لقد ذهبتُ لدار الجيانغ، ولم يكن هناك شيء غريب.. هاه؟". التوت شفتاه بابتسامة هي أقرب لزمجرة باردة: "يبدو أنني وجدتُ شيئاً للتو".
خارج مدينة تشينغ، تحت شجرة ضخمة، التوى الفضاء وخرج عجوز يرتدي ثياباً بسيطة. مسح العجوز المكان بحذر، ولما اطمأن طار متجهاً لدار الجيانغ. لم يلحق به جيانغ لي، بل سحب يوان ووشينغ معه إلى تلك العقدة المكانية التي ظهر منها العجوز. بلمسة خفيفة، اهتز الفضاء وظهرت البوابة. كان البُعد صغيراً جداً، وبمجرد دخولهما، صدمت أنوفهما رائحة دم عفنة تزكم الأنوف.
وهناك.. رأيا كل شيء. مئات الهياكل العظمية الصغيرة ملقاة بإهمال على الجانبين في مشهد يجمع بين الدم والهم؛ جماجم مفصولة عن العمود الفقري، وأطراف ممزقة في فوضى عارمة. وفي نهاية الكهف، وقف مذبح ملطخ بالدماء، وفوقه عشر جثث لأطفال رضع لم يتبدد لحمهم بعد.
انهار يوان ووشينغ يبكي بهستيرية. أما جيانغ لي، فلم يقل شيئاً، كان وجهه قطعة من جليد، وعيناه تشعان برعب صامت. ترددت أصداء صوته في المكان الصغير، بدأت خافتة ثم علت وعلت حتى اهتزت جدران البُعد المكاني وتشققت.
سأل يوان برعب: "سيد تشانغ، ماذا سنفعل؟"
التفت جيانغ لي إليه، وبدت أسنانه بيضاء ناصعة وسط الظلام وهو يقول بنبرة حاسمة: "دعنا نذهب في زيارة لعائلة جيانغ".
تعليقات
إرسال تعليق