رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 5: أولى عتبات الإدراك
الفصل 5: أولى عتبات الإدراك
كان الجبل يئن تحت وطأة عاصفة صامتة، أو ربما كان ذلك أنيني أنا الذي لم يعد يجد مخرجاً من صدري المثقل بالهواء البارد.
كل خطوة كنت أخطوها كانت بمثابة معركة قائمة بذاتها؛ فالحبل الذي يربطني بتلك الصخور اللعينة صار يشبه قيود الأبدية، يغرس أنيابه في لحمي المدمى مع كل شهيق.
نظرتُ إلى الأعلى، كانت القمة تبدو قريبة، لكنها في نظري كانت أبعد من النجوم التي بدأت تتلألأ في سماء "الرياح العاوية".
تذكرتُ وجه أمي الشاحب وهي تخبرني أن الجوع هو قدر الفقراء، وتذكرتُ سياط الجنود التي علمتني أن الصمت هو وسيلة البقاء الوحيدة.
لكن هنا، فوق هذا الجليد، لم يكن هناك مكان للصمت أو الهرب؛ فإما أن أصعد، أو أن أصبح جزءاً من هذا البياض القاتل.
عندما بلغتُ الأمتار الأخيرة، شعرتُ بركبتيّ تتكسران، وكأن عظامي لم تعد قادرة على حمل وزن إرادتي.
سقطتُ على وجهي، وامتزج طعم الثلج بطعم الدم في فمي، وشعرتُ بأن قلبي سيتوقف عن النبض من فرط التعب.
"لقد.. فعلتها،" همستُ لنفسي، والكلمات خرجت كأنها حشرجة الموت الأخير.
انفك الحبل من كتفي، وشعرتُ بخفة مرعبة، خفة جعلتني أشعر وكأن جسدي لم يعد يزن شيئاً، وكأنني سأطير بعيداً عن حافة هذا المنحدر.
كان سِنان يقف هناك، مستنداً إلى صخرة صماء، يراقب الأفق البعيد حيث تتوارى الشمس تاركة وراءها ذيولاً أرجوانية تشبه دماء الجرحى.
لم يحاول مساعدتي، ولم ينظر إليّ بنظرة عطف واحدة، بل ظل يراقب الفراغ كأنه جزء من صخر الجبل.
"أتظن أنك وصلت؟" سأل سِنان بصوتٍ هادئ شق سكون المكان كالنصل الحاد.
حاولتُ النهوض، لكن ذراعيّ خانتاني، وشعرتُ بأن جسدي قد أصبح قطعة من الخشب اليابس لا أثر للحياة فيها.
"سيدي.. لم أعد أشعر بأطرافي،" قلتُ، والارتجاف بدأ يتسلل إلى كل خلية في جسدي.
اقترب سِنان مني بخطوات وئيدة، ثم انحنى ووضع يده فوق موضع قلبي، كانت يده دافئة بشكل غير طبيعي وسط هذا الزمهرير.
"أغلق عينيك يا مالك، لا تنظر إلى جروحك الخارجية، بل انظر إلى الفراغ الذي خلفته تلك الصخور في أعماق روحك،" قال سِنان بنبرة آمرة.
أغمضتُ عينيّ، وفي تلك الظلمة، لم أرَ سوى سوادٍ دامس، لكن فجأة، بدأتُ أشعر بشيء غريب يسري تحت جلدي.
لم تكن تلك حرارة الغضب التي اعتدتُ عليها، ولم تكن برودة الموت التي كدتُ ألمسها منذ قليل.
كانت خيوطاً دقيقة جداً من الطاقة، كأنها أنهار من ضوء باهت تشق طريقها عبر عروقي المسدودة.
"هذا هو التشي الخام،" همس سِنان، وشعرتُ بصوته يتردد داخل جمجمتي لا في أذني. "إنه جوهر الحياة الذي يهدره البشر في التنفس والكلام العقيم، أما المحارب، فهو من يعرف كيف يجمعه في بوتقة واحدة."
بدأت تلك الخيوط تتجمع في أسفل بطني، وشعرتُ بمركز ثقل جديد يتكون في داخلي، حرارة مفاجئة بدأت تتوسع وتمسح الألم عن عضلاتي المنهكة.
كانت تلك الحرارة تتغلغل في نخاع عظامي، وتعيد بناء ما حطمه الجبل، وشعرتُ بأن الخدر يتلاشى ليحل محله وعيٌ حاد بكل ذرة رمال حول القمة.
فتحتُ عينيّ، وشعرتُ بأن العالم من حولي قد اكتسب أبعاداً جديدة؛ الضباب لم يعد حجاباً، بل صرتُ أرى تيارات الهواء وهي تلتف حول الصخور.
الريح لم تعد مجرد صوتٍ عاوٍ، بل صرتُ أشعر بمساراتها كأنها خطوط مرسومة في الفضاء.
"هل هذا هو السحر؟" سألتُ بذهول وأنا أتفحص كفيّ اللتين توقفتا عن الارتجاف وصار لونهما يميل إلى الحمرة الصحية.
"لا،" رد سِنان وهو يستقيم في وقفته ويستل سيفه الحديدي ببطء، "هذا هو الإدراك، أنت الآن بدأتَ تخلع جلد الطريدة الخائفة لتدخل في جلد الصياد الذي يرى الوجود بوضوح."
نهضتُ على قدميّ، وبالرغم من التعب الذي كان لا يزال يكمن في زوايا جسدي، إلا أنني شعرتُ بثباتٍ لم أعرفه طوال سنواتي في زقاق القرية.
نظرتُ إلى سِنان، ورأيتُ هالة من السكون تحيط به، سكونٌ ينبئ عن عاصفة مكبوتة، وعلمتُ أن ما مررتُ به كان مجرد البداية.
أدركتُ في تلك اللحظة أن كل ما عشته من جوع وذل وضياع كان مجرد رماد كثيف، رماد كان يغطي هذا المنبع العظيم الذي بدأ يتدفق في عروقي الآن.
"التشي هو الوقود، والنية هي الشرارة،" قال سِنان وهو يشير بسيفه نحو العاصمة البعيدة التي كانت تلوح كوحشٍ رابض في الأفق. "بدونهما، أنت مجرد جسد ينتظر الفناء."
قبضتُ على يديّ، وشعرتُ بتلك الطاقة وهي تستجيب لإرادتي، تشتعل وتخبو مع كل زفير وشهيق.
لم أعد ذلك الطفل الذي يسرق الجذور ليملأ بطنه، صرتُ الآن بذرة لشيءٍ أكبر، شيءٍ سيجعل الإمبراطورية ترتجف يوماً ما.
الجمر لا يخمد بسهولة، والآن، بدأت نيران "التشي" تشق طريقها عبر رماد جسدي المحطم، لتعلن ولادة محاربٍ لن يقبل بالهزيمة مرة أخرى.
نظرتُ إلى سِنان، وقلتُ بصوتٍ ثابت هذه المرة: "متى نبدأ الدرس القادم؟"
ابتسم سِنان تلك الابتسامة الشاحبة، وغرس سيفه في الجليد قائلاً: "الآن."
تعليقات
إرسال تعليق