رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 4: ثقل الحجر.. وحرارة الروح
الفصل 4: ثقل الحجر.. وحرارة الروح
كان الحبل الخشن ينهش كتفي كأنه أفعى جائعة تحاول تمزيق جلدي لتصل إلى العظم. مع كل خطوة أخطوها صعوداً، كنت أشعر بأن الصخرتين خلفي لم تعودا مجرد جماد، بل تحولتا إلى وحشين يمتصان ما تبقى من حياتي ويغرسانها في أعماق الجليد.
"لماذا أفعل هذا بنفسي؟" سألتُ روحي المنهكة للمرة الألف. قبل أيام قليلة، كان أكبر طموحاتي هو العثور على زاوية مظلمة في زقاق القرية أختبئ فيها من سياط الجنود ونظرات الاحتقار. كنت أركض هرباً من الموت جوعاً، والآن؟ أنا هنا، في أقسى بقاع الأرض، أزحف نحو الألم بمحض إرادتي، وأجر خلفي ثقلاً يوازي ثقل قدري اللعين.
نظرتُ إلى يديّ المحطمتين؛ الدماء تجمدت تحت أظافري، وامتزجت بالتراب لتصنع طبقة من القذارة والألم. فجأة، قفزت إلى مخيلتي صورة ذلك الجندي الضخم في العاصمة، وجهه المحتقن بالخمر وضحكته الساخرة وهو يركلني في بطني أمام الملأ صائحاً: "القمامة لا تسرق الخبز، القمامة تموت بصمت لتفسح المجال للأسياد".
كانت تلك الكلمات تقيدني أكثر من هذه الحبال الغليظة. لكنني اليوم، ولأول مرة، لم أعد أركض هرباً من ركلة، بل كنت أزحف صعوداً لأهشم تلك الصورة التي رسموها لي.
توقفتُ لالتقاط أنفاسي التي كانت تخرج من صدري كأنها حريق يشتعل في رئتيّ. كان الهواء يلسع حنجرتي كأنني أبتلع شفرات حلاقة. رفعتُ رأسي ببطء، ورأيته.. كان سِنان يقف هناك، يراقب التدريبات بصمت مهيب. رأيته يسحب سيفه ليصحح وضعية أحد المحاربين، لم يبذل مجهوداً، بل تحرك النصل بسلاسة مرعبة كأن الجاذبية لا وجود لها في محيطه.
"كيف يفعل ذلك؟" سألت نفسي بذهول. سِنان لا يملك جسداً ضخماً، لكنه يملك ثباتاً كشجرة أسطورية ضربت جذورها في قلب الجبل منذ آلاف السنين.
"توقفتَ عن الحركة يا صبي."
جاء صوته من الأعلى، بارداً ومستفزاً. "أنا.. لستُ آلة!" صرختُ بكل ما تبقى لي من صوت، والدموع تشق طريقها وسط الغبار والدم على وجهي. "قدماي لم تعد تحملاني.. لقد انتهيت!"
التفت سِنان ببطء، ولم أرَ في وجهه ذرة شفقة. "أنت لا تسحب الصخرتين بقدميك، أنت تسحبهما بقلبك. إذا كان قلبك لا يزال يرى نفسه تلك الطريدة الخائفة، فستبقى هاتان الصخرتان مكانهما حتى يتجمد جسدك وتصبح جزءاً من هذا الجبل."
ثم اقترب صوته وصار حاداً كالنصل: "تذكر الجوع الذي مزق أمعاءك بينما يتخم الأغنياء موائدهم. حوّل ذلك الحقد والظلم إلى قوة تدفعك للأمام.. أو استسلم الآن، وعد إلى زقاقك لتثبت لهم أنك كنت حقاً مجرد 'قمامة' تنتظر الفناء."
وقعت كلمة "قمامة" على أذني كأنها سوط مشتعل. فجأة، لم يعد البرد هو ما أشعر به. شعرتُ بحرارة غريبة تنبعث من أسفل ظهري، من أعماق عظامي، وتنتشر في عروقي كأنها حمم بركانية. لم تكن ناراً خارجية، بل كانت جمر "الكرامة" الذي دُفن تحت رماد الخوف لسنوات.
قبضتُ على الحبل حتى شعرتُ بأن أصابعي ستنفجر. "أنا.. لستُ.. قمامة!" زأرتُ بكل قوتي، زأرة هزت الضباب من حولي، وشعرتُ بالصخرتين تتحركان. لم يصبح الثقل أخف، لكن شيئاً ما في "ماهيتي" قد تغير.
سحبتُ.. وسحبتُ.. بينما كانت الشمس تغوص خلف القمم تاركة سماءً بلون الدم، وكأن العالم يبارك معركتي الصغيرة. في تلك اللحظة، لم أكن أريد الخبز أو الدفء، كنت أريد شيئاً واحداً فقط: أن أصل إلى القمة لأثبت لنفسي وللإمبراطورية.. أن الجمر لا يخمد بسهولة.
"لماذا أفعل هذا بنفسي؟" سألتُ روحي المنهكة للمرة الألف. قبل أيام قليلة، كان أكبر طموحاتي هو العثور على زاوية مظلمة في زقاق القرية أختبئ فيها من سياط الجنود ونظرات الاحتقار. كنت أركض هرباً من الموت جوعاً، والآن؟ أنا هنا، في أقسى بقاع الأرض، أزحف نحو الألم بمحض إرادتي، وأجر خلفي ثقلاً يوازي ثقل قدري اللعين.
نظرتُ إلى يديّ المحطمتين؛ الدماء تجمدت تحت أظافري، وامتزجت بالتراب لتصنع طبقة من القذارة والألم. فجأة، قفزت إلى مخيلتي صورة ذلك الجندي الضخم في العاصمة، وجهه المحتقن بالخمر وضحكته الساخرة وهو يركلني في بطني أمام الملأ صائحاً: "القمامة لا تسرق الخبز، القمامة تموت بصمت لتفسح المجال للأسياد".
كانت تلك الكلمات تقيدني أكثر من هذه الحبال الغليظة. لكنني اليوم، ولأول مرة، لم أعد أركض هرباً من ركلة، بل كنت أزحف صعوداً لأهشم تلك الصورة التي رسموها لي.
توقفتُ لالتقاط أنفاسي التي كانت تخرج من صدري كأنها حريق يشتعل في رئتيّ. كان الهواء يلسع حنجرتي كأنني أبتلع شفرات حلاقة. رفعتُ رأسي ببطء، ورأيته.. كان سِنان يقف هناك، يراقب التدريبات بصمت مهيب. رأيته يسحب سيفه ليصحح وضعية أحد المحاربين، لم يبذل مجهوداً، بل تحرك النصل بسلاسة مرعبة كأن الجاذبية لا وجود لها في محيطه.
"كيف يفعل ذلك؟" سألت نفسي بذهول. سِنان لا يملك جسداً ضخماً، لكنه يملك ثباتاً كشجرة أسطورية ضربت جذورها في قلب الجبل منذ آلاف السنين.
"توقفتَ عن الحركة يا صبي."
جاء صوته من الأعلى، بارداً ومستفزاً. "أنا.. لستُ آلة!" صرختُ بكل ما تبقى لي من صوت، والدموع تشق طريقها وسط الغبار والدم على وجهي. "قدماي لم تعد تحملاني.. لقد انتهيت!"
التفت سِنان ببطء، ولم أرَ في وجهه ذرة شفقة. "أنت لا تسحب الصخرتين بقدميك، أنت تسحبهما بقلبك. إذا كان قلبك لا يزال يرى نفسه تلك الطريدة الخائفة، فستبقى هاتان الصخرتان مكانهما حتى يتجمد جسدك وتصبح جزءاً من هذا الجبل."
ثم اقترب صوته وصار حاداً كالنصل: "تذكر الجوع الذي مزق أمعاءك بينما يتخم الأغنياء موائدهم. حوّل ذلك الحقد والظلم إلى قوة تدفعك للأمام.. أو استسلم الآن، وعد إلى زقاقك لتثبت لهم أنك كنت حقاً مجرد 'قمامة' تنتظر الفناء."
وقعت كلمة "قمامة" على أذني كأنها سوط مشتعل. فجأة، لم يعد البرد هو ما أشعر به. شعرتُ بحرارة غريبة تنبعث من أسفل ظهري، من أعماق عظامي، وتنتشر في عروقي كأنها حمم بركانية. لم تكن ناراً خارجية، بل كانت جمر "الكرامة" الذي دُفن تحت رماد الخوف لسنوات.
قبضتُ على الحبل حتى شعرتُ بأن أصابعي ستنفجر. "أنا.. لستُ.. قمامة!" زأرتُ بكل قوتي، زأرة هزت الضباب من حولي، وشعرتُ بالصخرتين تتحركان. لم يصبح الثقل أخف، لكن شيئاً ما في "ماهيتي" قد تغير.
سحبتُ.. وسحبتُ.. بينما كانت الشمس تغوص خلف القمم تاركة سماءً بلون الدم، وكأن العالم يبارك معركتي الصغيرة. في تلك اللحظة، لم أكن أريد الخبز أو الدفء، كنت أريد شيئاً واحداً فقط: أن أصل إلى القمة لأثبت لنفسي وللإمبراطورية.. أن الجمر لا يخمد بسهولة.
تعليقات
إرسال تعليق