نظام الانعكاس لا يظهر إلا بعد بلوغ مرحلة الماهايانا - الفصل 3: الأطفال المفقودون
الفصل 3: الأطفال المفقودون
بدت قاعات دار الجيانغ وأروقتها خالية تسكنها الوحشة، لا يقطع صمتها إلا خادمة تكنس الأرض بين الحين والآخر. أما ساحات التدريب التي كانت تضج يوماً بصخب النزال والقتال، فقد غدت قاعاً صفصفاً، لولا ما ظهر على أديمها من آثار تدل على أنها لا تزال تُستعمل بكثرة.
طاف جيانغ لي كالشبح في أرجاء الدار، تتقاذفه أمواج الذكريات. ورغم أن الدروب مألوفة، إلا أن تبدلات خمسة قرون جعلت العائلة غريبة عنه تماماً، فلم يترك العهد مكاناً لـ البعد. استوقفه بيت صغير، هو ذاته الذي سكنه حين وطئت قدماه هذا العالم أول مرة؛ بدا وكأن العائلة أعادت ترميمه بدقة ليحاكي صورته القديمة، طمعاً في حفظ تاريخ عاهل البشر.
هز رأسه في أسى ومضى نحو قاعة الأسلاف. هناك، كان أحد المسنين ساجداً يدعو، غطت التجاعيد عينيه من فرط الكبر. استخدم جيانغ لي سحراً ليرى ملامح الشاب الكامنة وراء شيخوخته؛ كان يشبه جيانغ يي شينغ في ملامحه، لعله ابنه أو حفيده. وعلى الرفوف، استقر لوح تذكاري يحمل اسم جيانغ يي شينغ في أدنى المراتب.
تنهد جيانغ لي وغادر الدار. مات الرجل حقاً، وبالرغم من توقعه لذلك، إلا أن خيبة الأمل كانت حاضرة. وما إن خرج حتى صفع أذنيه صراخ حاد: "يا سيادة المسؤول، مضت عشرة أيام! لماذا لا تبحثون عن أطفالنا؟".
"نريد مقابلة حاكم المدينة فوراً!".
أمام قصر الحاكم، وقف آباء يرجون الحراس بمرارة، غارقين بين النداء والرجاء، لكن الحراس وقفوا كالأصنام. تنهد حارس بشفقة وقال: "يا جماعة، العدد عندنا قليل. تقولون إن أطفالكم خُطفوا وتتبعتم الأثر لمدينة تشينغ ثم ضاع. آلاف الناس يدخلون ويخرجون كل يوم، ربما الخاطفون مروا من هنا فقط! من أين نبدأ البحث؟".
صاح أب غاضب بصوت يرتجف: "الأطفال يختفون في كل المدن المجاورة، وكل الآثار تنتهي هنا! أطفالنا في هذه المدينة!". كان قد ربط تميمة تتبع في معصم ابنه، وكل الدلائل قادته إلى تشينغ قبل أن ينقطع الإرسال فجأة.
اشتد النقاش حتى خرج أحد كبار عائلة جيانغ صائحاً: "كيف تتجرؤون على هذه الجلبة وقت مراسم الأسلاف؟ يا لها من قلة حياء!". ثم التفت للحراس موبخاً: "يا أغبياء! تتركون هؤلاء الرعاع يصرخون أمام قصر الحاكم؟ ألا تخافون العقاب؟".
انذعر الحراس وبدأوا بدفع الأهالي بعيداً. لم يحتمل جيانغ لي المنظر، أزال تعويذة الإخفاء وضحك بسخرية: "عائلة جيانغ تحب استعراض قوتها فعلاً. إذا كنتم تهتمون بقصر الحاكم هكذا، لماذا لا تكنسون أرضه بالمرة؟".
استشاط الشيخ غضباً: "كيف تتجرؤ على إهانة عائلة جيانغ؟ يبدو أنك سئمت الحياة!".
ذهل الحراس والأهالي؛ فمن هذا الذي يجرؤ على السخرية من عائلة عاهل البشر في سلالة تشو؟ فجأة، سحبه رجل في منتصف العمر من ذراعه وهو يبتسم للشيخ باعتذار، وهمس لجيانغ لي بصوت خافت: "يا ولد، هل جننت؟ تتحدى عائلة جيانغ وأنت في مقتبل العمر؟ اخرج من هنا فوراً، الموضوع فيه اسم عاهل البشر، لا تبلش نفسك!".
سحبه للزقاق بعيداً قبل أن يفتح فمه. "ابن من أنت؟ ألم يحذرك أهلك من العائلات الكبيرة قبل أن تخرج للسفر؟". نظر لثيابه وظن أنه ابن طائفة غنية خرج للترحال.
قال جيانغ لي: "في أي مكان آخر كنت سأفهم، لكن هذه سلالة تشو، دولة القانون. حتى العائلات الكبيرة يجب أن تخضع له".
سخر الرجل: "عائلة جيانغ وراءها عاهل البشر. من يجرؤ على معاقبتهم؟ الناس تقول إنه عادل، لكن من يضمن أنه لا يحابي أهله بين السر والجهر؟".
رفع جيانغ لي حاجبه: "حسب علمي، هو ترك العائلة قبل خمسمائة عام ولم يعد. أليس هذا دليلاً كافياً؟".
رد الرجل بضحكة واثقة: "هذا مجرد تمثيل أمام الناس. الدم يحن يا بني! من يدري، ربما يزورهم سراً في الليل".
فكر جيانغ لي في نفسه: "لحظة.. متى عدتُ أنا؟ لماذا لا أعرف شيئاً عن هذه الزيارات؟". ثم سأل بجدية: "وهل لديك دليل؟".
غمز الرجل بثقة: "طبعاً. سمعت كبير العائلة بنفسه يقول للحاكم إن عاهل البشر يزورهم سراً باستمرار، والكل يصدق هذا الخبر!".
تعليقات
إرسال تعليق