عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 32: دواؤك المر
الفصل 32: دواؤك المر
توقف "غو شينغ" عن المضغ فور سماع كلمات الطبيب، وتجمدت عضلات فكه. ضيق عينيه ببطء، واستغل لحظة انحنائه ليرتشف بعض الحساء ليعدل ملامحه، ثم رفع رأسه بنظرة حائرة ومشتتة نحو الرجل ذي النظارات: "عن ماذا تتحدث؟ هل أعرفك؟"
تجمد "تشو زيبينغ" (الطبيب) لثانية، ثم انفجر بضحك هستيري هز أركان الكافتيريا، حتى بدأت الدموع تسيل من عينيه. ضرب كتف غو شينغ بقوة وهو يحاول كبح ضحكاته: "دكتور غو، هل تمزح معي؟ يمكنك أن تدعي نسيان أي شخص هنا، لكن كيف لا تعرفني أنا؟"
مع كلمات تشو زيبينغ، بدأت حدقتا غو شينغ بالارتجاف بعنف، واجتاح دماغه ألم حاد كأن إبراً ساخنة تغرس فيه. وفي ثوانٍ، تدفقت ذكريات غريبة ومفصلة إلى عقله عن الرجل الذي أمامه.
تشو زيبينغ.. طبيب نفسي شاب كان غو شينغ معلمه ومرشده عند دخوله المستشفى. لكن زيبينغ استغل مهاراته النفسية لإغواء المريضات والنساء المتزوجات في المستشفى. وعندما انفضح أمره، توسل لغو شينغ ليتوسط له، لكن غو شينغ رفض ببرود وأخرجه من المهنة.
تلاشت الحيرة من عيني غو شينغ، وتراجع بجسده قليلاً ليتجنب يد زيبينغ، وقال بصوت مكتوم: "لا أعرف عما تتحدث."
لم يكمل جملته حتى صرخ زيبينغ بنشوة مرعبة: "لقد تذكرت! لا بد أنك تذكرت! ملامحك لا تكذب أبداً!"
وبحركة خاطفة، انتزع زيبينغ زجاجة الدواء من يد مساعده، وسكب حفنة ضخمة من الأقراص البيضاء في كفه ومدها أمام وجه غو شينغ: "كُل.. تجرع دواءك الآن!"
لم يُمنح غو شينغ فرصة للكلام؛ انقض عليه ثلاثة رجال بمعاطف بيضاء وبشرة رمادية، وثبتوه فوق الطاولة بقوة غاشمة، بينما قام زيبينغ بحشو الأقراص في فمه وإجباره على ابتلاعها.
"لقد حلمت بهذا المشهد طويلاً، والآن أصبح حقيقة،" صرخ زيبينغ بجنون وهو يلتفت للمرضى المحيطين، "انظروا! الطبيب العظيم غو شينغ يتجرع السم الذي اخترعه بنفسه لعلاجكم! يجب أن 'تشكروه' على هذه الهدية الرائعة!"
رغم الغضب الذي كان يشتعل في صدر غو شينغ، إلا أنه كان عاجزاً عن الحراك تحت ثقل الرجال. كانت نظرات المرضى من حوله بدأت تتحول من الذهول إلى حقد دفين بعد كلمات زيبينغ.
"هذا هو طعم التخلي عن الآخرين،" قال زيبينغ وهو يصفع وجه غو شينغ بخفة ويعدل نظاراته ببرود، "لدينا متسع من الوقت.. سنلعب ببطء."
رحل زيبينغ ورجاله، وبقي غو شينغ وحيداً وسط نظرات المرضى الذين بدأوا يقتربون منه بخطوات بطيئة ومريبة. نهض غو شينغ بسرعة، واصطدم بـ "لي دونغ لين" (رئيس القسم المجنون) وهو يركض متعثراً خارج الكافتيريا قبل أن يطبقوا عليه.
وصل إلى المصعد وهو يلهث، وسمع صوتاً يشبه "الجرجرة" يأتي من الداخل، ترافقه رائحة نتنة لا تُطاق. غطى أنفه بقميصه، وعندما انفتح الباب، رأى طبيباً طويل القامة بجانبه "نقالة" مغطاة بالكامل بشرشف أبيض ملطخ بالدماء واللون الأصفر.
دخل غو شينغ المصعد بجمود، واستنشق الهواء بحذر؛ خلف الرائحة الكريهة، كانت هناك رائحة دم طازجة تفوح من تحت الشرشف.
توقف المصعد في الطابق الثاني، وخرج الطبيب دافعاً النقالة. لمح غو شينغ بقعة دم بحجم القبضة على معطف الطبيب الأبيض، كانت لا تزال رطبة. وبدا شعار المستشفى على الجدار وكأنه صليب ينزف في عتمة الممر.
عاد غو شينغ لغرفته، وأفرغ ما تبقى من الحبوب في زجاجته، ثم ركض نحو المرحاض المشترك في نهاية الممر. كان المرحاض قديماً وبائساً، تفصله ألواح خشبية قصيرة تترك فراغاً كبيراً في الأسفل لا يحمي الخصوصية.
بدأ غو شينغ بالتقيؤ بعنف محاولاً إخراج الأقراص التي أُجبر على ابتلاعها. وبعد عناء طويل، غسل وجهه وخرج وهو يشعر بالدوار. استكشف الطابق الرابع؛ وجد سبع غرف على اليسار، وثلاث غرف "عزل انفرادي" على اليمين. وعند محطة التمريض، كانت هناك ممرضة تحني رأسها وترسم شيئاً على طاولة المكتب.
لمح غو شينغ كلمة "ملف المريض" قبل أن تخفيها الممرضة بسرعة.
"ماذا تشاهد؟" رفعت الممرضة رأسها فجأة. كان وجهها شاحباً بشكل مرعب، وتنتشر على خدها الأيسر وتحت عينها بقع أرجوانية بارزة (فرفرية) تبدو وكأنها تتحرك مع نبضات قلبها.
لم ينطق غو شينغ بكلمة، وعاد مسرعاً لغرفته. استلقى على السرير وبدأ يراجع معلومات الموظفين التي رآها بالأمس. بالإضافة إليه وإلى لي دونغ لين، كان هناك طبيب آخر وأربع ممرضات، لكنه لم يرَ أياً منهم.. وتلك المرأة التي رآها للتو، يستحيل أن تكون ممرضة حقيقية في أي مستشفى طبيعي.
بينما كان يفرك ذقنه ويفكر في كلام زيبينغ حول "اختراعه للدواء"، قفز "فاشنغ" فجأة من حضنه ووقف متأهباً، مصدراً فحيحاً حاداً نحو الباب.
انفتح الباب ببطء، ودخلت الممرضة ذات البقع الأرجوانية، وقالت بجمود: "أحد أفراد عائلتك أرسل لك هذا."
وضعت الممرضة رسالة على السرير ورحلت، تاركة خلفها ريحاً باردة ورائحة عفونة خفيفة. نظر غو شينغ إلى المغلف؛ كانت الكلمات "إلى الغالي غو شينغ" مكتوبة بخط رقيق وجميل، لكن ما جعل قلبه يسقط في قدميه هو رائحة ورد الجوري القوية التي تنبعث من الورق.
ارتجفت يدا غو شينغ، ولم يجرؤ على لمس الرسالة التي أرسلتها "تشو يينغ يينغ" من خلف أسوار الفندق.
شكراً على الفصل، يبدو ان يينغ يينغ لا تنوي الاستسلام بعد
ردحذف