رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 3: حكاية "آل سِين" المنسية
الفصل 3: حكاية "آل سِين" المنسية
استيقظ مالك على صوت ارتطام المعدن بالمعدن. لم يكن ضجيجاً عشوائياً، بل كان إيقاعاً منتظماً يشبه نبضات قلب جبل غاضب.
فتح عينيه ليجد نفسه مغطى بجلد ذئب ثقيل ودافئ. النار التي نام أمامها بالأمس خمدت وتحولت إلى رماد بارد، لكن الشمس التي بدأت تتسلل خجولة عبر فجوات الصخور لم تكن تحمل أي دفء يذكر. جسده كله كان يصرخ من الألم؛ فصقيع الجبل ومجهود الأمس تركا أثراً في عظامه وكأنها هُشمت ثم أُعيد تركيبها.
نهض بصعوبة ونظر حوله، ليرى مشهداً لم يألفه في قريته. الرجال الذين رآهم بالأمس لم يكونوا يفطرون أو يتسامرون بلذّة؛ كانوا يتدربون بانضباط حديدي، وكأنهم في قلب معركة لا تنتهي.
"استيقظت أخيراً؟"
التفت مالك ليرى رجلاً في الثلاثينيات، يجلس على جذع شجرة مقطوع ويقوم بشحذ خنجر طويل بتركيز شديد. كان يملك ندبة عميقة تمتد من حاجبه حتى منتصف خده، لكن عينيه –على عكس سِنان– لم تكن تحملان ذلك البرد القاتل.
"أين سِنان؟" سأل مالك وهو يحاول فرد ظهره المتصلب.
"الزعيم لا يحب الانتظار. هو الآن يشرف على تدريبات الطليعة عند المصب المائي،" رد الرجل مشيراً برأسه نحو الأسفل. "اجلس يا صبي، تناول هذا أولاً قبل أن ينهار جسدك."
مدّ الرجل لمالك قطعة من اللحم المجفف القاسي. جلس مالك بجانبه وأخذ يأكل بنهم، بينما يراقب حركات الرجال من حوله. "أخبرني،" قال مالك بصوت خافت، "لماذا يناديكم الناس بقطاع الطرق؟ أنتم تبدون كـ... كجيش نظامي."
توقف الرجل عن شحذ خنجره، ونظر إلى الأفق البعيد حيث تلمع القمم المكسوة بالثلج تحت ضوء الشمس. "بما أنك قررت البقاء، فلا ضير في أن تعرف الحقيقة؛ اسمي عامر، وكنتُ يوماً ضابطاً في حرس الحدود. وهؤلاء الرجال؟ أغلبهم كانوا جنوداً أو مزارعين في أراضي آل سِين."
اتسعت عينا مالك بدهشة. "آل سِين؟ سمعتُ هذا الاسم في قريتي.. يقولون إنهم خونة حاولوا حرق العاصمة قبل سنوات!"
ضحك عامر ضحكة مريرة تخلو من أي مرح. "هذا ما يروج له الإمبراطور عدنان ليريح ضميره الملوث. آل سِين كانوا نبلاء حقيقيين، يحمون الثغور منذ تأسيس الإمبراطورية. لكن في ليلة واحدة، صدر أمر الإبادة. اتهموهم بالتمرد دون دليل، وأحرقوا قلاعهم بمن فيها وهم نيام."
ساد صمت ثقيل، قبل أن يكمل عامر بنبرة يملؤها القهر: "الزعيم سِنان هو الناجي الوحيد من فرسان العائلة، أما النساء.. فقد سُقن إلى أسواق العبيد. هو لم يختَر الجبل، بل الإمبراطورية هي التي لم تترك له خياراً سوى المشنقة أو التمرد. نحن لسنا لصوصاً يا مالك.. نحن بقايا كرامة أُهينت."
فهم مالك الآن سر تلك النظرة الخاوية في عيني سِنان. لم يكن مجرد محارب قوي، بل كان رجلاً يحمل على عاتقه أرواح عائلة كاملة ذُبحت غدراً.
"إذاً.. أنتم تخططون للعودة؟" سأل مالك بهمس يكاد لا يُسمع.
"هذا شأن الزعيم وحده،" رد عامر وهو يقف ويغمد خنجره بقوة. "لكن الآن، عليك أن تهتم بجلدك.. انظر خلفك."
التفت مالك ليرى سِنان واقفاً على مرتفع صخري يطل على المعسكر كالصقر. لم يكن يحمل سيفه هذه المرة، بل كان يمسك بحبلين غليظين من الكتان الخشن.
"مالك!" نادى سِنان، وصوته تردد في أرجاء المكان كقصف الرعد. "الخيار الذي اتخذته بالأمس يبدأ الآن. خذ هذين الحبلين، واربطهما بتلك الصخرتين، ثم اسحبهما إلى قمة المنحدر."
نظر مالك إلى الصخرتين؛ كانتا ضخمتين، تزيدان عن وزنه بمرتين على الأقل. "لكن.. أنا لم أتعلم كيف أمسك السيف بعد!"
نزل سِنان من المرتفع ومشى نحوه ببطء، خطواته كانت ترن على الأرض الصلبة. "السيف لا يحمله الضعفاء. إذا لم يستطع جسدك تحمل وزن صخرة، فكيف لروحك أن تتحمل 'نية القتل'؟ ابدأ.. ولا تتوقف حتى ترحل الشمس."
لم تكن هناك ذرة شفقة في عيني سِنان. أدرك مالك في تلك اللحظة أن "الجحيم" الذي حذره منه سِنان ليس مجرد تشبيه.. لقد بدأ بالفعل.
فتح عينيه ليجد نفسه مغطى بجلد ذئب ثقيل ودافئ. النار التي نام أمامها بالأمس خمدت وتحولت إلى رماد بارد، لكن الشمس التي بدأت تتسلل خجولة عبر فجوات الصخور لم تكن تحمل أي دفء يذكر. جسده كله كان يصرخ من الألم؛ فصقيع الجبل ومجهود الأمس تركا أثراً في عظامه وكأنها هُشمت ثم أُعيد تركيبها.
نهض بصعوبة ونظر حوله، ليرى مشهداً لم يألفه في قريته. الرجال الذين رآهم بالأمس لم يكونوا يفطرون أو يتسامرون بلذّة؛ كانوا يتدربون بانضباط حديدي، وكأنهم في قلب معركة لا تنتهي.
"استيقظت أخيراً؟"
التفت مالك ليرى رجلاً في الثلاثينيات، يجلس على جذع شجرة مقطوع ويقوم بشحذ خنجر طويل بتركيز شديد. كان يملك ندبة عميقة تمتد من حاجبه حتى منتصف خده، لكن عينيه –على عكس سِنان– لم تكن تحملان ذلك البرد القاتل.
"أين سِنان؟" سأل مالك وهو يحاول فرد ظهره المتصلب.
"الزعيم لا يحب الانتظار. هو الآن يشرف على تدريبات الطليعة عند المصب المائي،" رد الرجل مشيراً برأسه نحو الأسفل. "اجلس يا صبي، تناول هذا أولاً قبل أن ينهار جسدك."
مدّ الرجل لمالك قطعة من اللحم المجفف القاسي. جلس مالك بجانبه وأخذ يأكل بنهم، بينما يراقب حركات الرجال من حوله. "أخبرني،" قال مالك بصوت خافت، "لماذا يناديكم الناس بقطاع الطرق؟ أنتم تبدون كـ... كجيش نظامي."
توقف الرجل عن شحذ خنجره، ونظر إلى الأفق البعيد حيث تلمع القمم المكسوة بالثلج تحت ضوء الشمس. "بما أنك قررت البقاء، فلا ضير في أن تعرف الحقيقة؛ اسمي عامر، وكنتُ يوماً ضابطاً في حرس الحدود. وهؤلاء الرجال؟ أغلبهم كانوا جنوداً أو مزارعين في أراضي آل سِين."
اتسعت عينا مالك بدهشة. "آل سِين؟ سمعتُ هذا الاسم في قريتي.. يقولون إنهم خونة حاولوا حرق العاصمة قبل سنوات!"
ضحك عامر ضحكة مريرة تخلو من أي مرح. "هذا ما يروج له الإمبراطور عدنان ليريح ضميره الملوث. آل سِين كانوا نبلاء حقيقيين، يحمون الثغور منذ تأسيس الإمبراطورية. لكن في ليلة واحدة، صدر أمر الإبادة. اتهموهم بالتمرد دون دليل، وأحرقوا قلاعهم بمن فيها وهم نيام."
ساد صمت ثقيل، قبل أن يكمل عامر بنبرة يملؤها القهر: "الزعيم سِنان هو الناجي الوحيد من فرسان العائلة، أما النساء.. فقد سُقن إلى أسواق العبيد. هو لم يختَر الجبل، بل الإمبراطورية هي التي لم تترك له خياراً سوى المشنقة أو التمرد. نحن لسنا لصوصاً يا مالك.. نحن بقايا كرامة أُهينت."
فهم مالك الآن سر تلك النظرة الخاوية في عيني سِنان. لم يكن مجرد محارب قوي، بل كان رجلاً يحمل على عاتقه أرواح عائلة كاملة ذُبحت غدراً.
"إذاً.. أنتم تخططون للعودة؟" سأل مالك بهمس يكاد لا يُسمع.
"هذا شأن الزعيم وحده،" رد عامر وهو يقف ويغمد خنجره بقوة. "لكن الآن، عليك أن تهتم بجلدك.. انظر خلفك."
التفت مالك ليرى سِنان واقفاً على مرتفع صخري يطل على المعسكر كالصقر. لم يكن يحمل سيفه هذه المرة، بل كان يمسك بحبلين غليظين من الكتان الخشن.
"مالك!" نادى سِنان، وصوته تردد في أرجاء المكان كقصف الرعد. "الخيار الذي اتخذته بالأمس يبدأ الآن. خذ هذين الحبلين، واربطهما بتلك الصخرتين، ثم اسحبهما إلى قمة المنحدر."
نظر مالك إلى الصخرتين؛ كانتا ضخمتين، تزيدان عن وزنه بمرتين على الأقل. "لكن.. أنا لم أتعلم كيف أمسك السيف بعد!"
نزل سِنان من المرتفع ومشى نحوه ببطء، خطواته كانت ترن على الأرض الصلبة. "السيف لا يحمله الضعفاء. إذا لم يستطع جسدك تحمل وزن صخرة، فكيف لروحك أن تتحمل 'نية القتل'؟ ابدأ.. ولا تتوقف حتى ترحل الشمس."
لم تكن هناك ذرة شفقة في عيني سِنان. أدرك مالك في تلك اللحظة أن "الجحيم" الذي حذره منه سِنان ليس مجرد تشبيه.. لقد بدأ بالفعل.
تعليقات
إرسال تعليق