نظام الانعكاس لا يظهر إلا بعد بلوغ مرحلة الماهايانا - الفصل 2: غادر صبياً.. وعاد أسطورة

نظام الانعكاس لا يظهر إلا بعد بلوغ مرحلة الماهايانا
☀️🌙

الفصل 2: غادر صبياً.. وعاد أسطورة

تتربع قاعة عاهل البشر على عرش الهيبة في الأقاليم التسعة؛ فهي الملاذ لفض النزاعات وصون البلاد من ويلات الحروب. ففي ذروة القوة، تكفي خاطرة واحدة لقلب الجبال، ولو اشتبك عظيمان في قتال، لحيق بالقارة دمار لا يدركه خيال.

للتاريخ في ذلك عِبَر؛ فحين غاب العاهل السابق، اندلع نزاع مرير بين طائفة وسلالة، ولما عجزوا عن الصلح، خاضوا حرباً أهلكت البلاد والعباد، ولم ينجُ منها حتى من حاول التوسط. لم تهدأ العاصفة إلا حين اعتلى جيانغ لي العرش؛ وبفضل ما امتلكه من عزم وحزم، أطاح برؤوس الفتنة بضربة واحدة، منهياً تلك المذبحة.

قارة الأقاليم التسعة تعج بالقوى المتنافسة، وهي سياسة تمنع الركود؛ فالمزارعون يطلبون الخلود لكنهم يعشقون النزال، وقمعهم ليس حلاً، بل وجب توفير متنفس لصراعاتهم. لم تكسر القاعة شوكة الفصائل، بل شجعت التنافس، فما نضب معين المواهب قط، بل برز العباقرة جيلاً بعد جيل.

انقسمت الأرض إلى أكثر من ألف دولة وتسع سلالات عظمى، وهي الركائز التي قام عليها البنيان. ولا تُنعت السلالة بالعظمى إلا إذا صمدت لعشرة آلاف عام، راسخة كالجبال أمام عوادي الزمن.

يقع مسقط رأس جيانغ لي في سلالة تشو العظمى، مدينة صغيرة خاملة، لولا نشأته فيها لما سمع بها أحد. في ذاكرته القديمة، كان أقوى مزارع هناك مجرد مبتدئ، وبموجب تلك المعايير، كان جيانغ يي شينغ — الذي امتلك فرصة بلوغ مرحلة النواة الذهبية — يُعد عبقرياً فذاً بفضل ما بذله من جد وكد.

وقف جيانغ لي عند بوابة المدينة، يرمق بذهول مدينة تشينغ التي بدلت حالها. الجدران القديمة اختفت، وحلت مكانها حصون شاهقة، تتوسطها بوابة عظيمة تسع أضخم الوحوش. محاربون شباب يجوبون الطرقات، وعائلات تتبرك بالمكان، ومزارعون يلتمسون نفحة تساعدهم على تخطي عقباتهم.

منذ صار جيانغ لي عاهلاً للبشر، تحولت المدينة إلى بقعة مهيبة، حتى حراس بوابتها غدوا من الأقوياء. بمجرد دخوله، وقع بصره على تمثال برونزي ضخم؛ رجل نبيل الملامح يحمل رمحاً عزيماً، يراقب الأفق ككيان خالد لا يغفل. كان التمثال له شخصياً.

تمنى جيانغ لي عودة هادئة كمسافر مجهول، لكن الواقع صفعه؛ فقد حسب نفسه غريباً لا يعرفه أحد، فإذا بالحقيقة تقول: "من في هذا العالم يجهل اسمي؟". تجمهر الناس حول التمثال، وبدأ يلمح بين الأثر والخبر طاقة إيمان تنبعث من المكان. قلقاً، غير ملامحه بتعويذة سريعة.

"يا والد، أين أجد بيت عائلة جيانغ؟" استوقف عابراً وسأله ببساطة. كان العجوز يمشي ببطء، رغم أن جيانغ لي في الحقيقة أسنّ منه بكثير. ضحك العجوز: "أنت غريب عن البلد يا بني؟ الكل يعرف أن بيت الجيانغ في قلب المدينة، جنب قصر الحاكم بالضبط.. هناك".

لكنته الثقيلة كانت لتصعب على الغرباء، لكن جيانغ لي استوعبها فوراً. تابع العجوز: "كانوا عائلة بسيطة، لكن منذ صار جيانغ لي عاهلاً للبشر، الكل جاء يبحث عن سر قوته. العائلة ذكية، استغلت الاسم وصارت الأقوى هنا. لم يغيروا مكانهم، لكن المدينة كبرت حولهم".

تلفت العجوز حوله وهمس: "يقولون إنهم مسيطرون على كل شيء، حتى الحاكم هم من يختارونه". هز جيانغ لي رأسه: "سلالة تشو تحكم بالقانون، كيف يصير هذا؟". فالسلالة الملكية تكشف خبايا الماضي بسهولة، وقدر دولتهم مرتبط بالعدل، وأي إمبراطور يخرق القانون قد يسحقه القدر الوطني.

أن تؤثر العائلة في اختيار الحاكم؟ ممكن. أما أن تنفرد بالقرار؟ فهذا مستبعد. سأل جيانغ لي: "وسلفهم، جيانغ يي شينغ؟ ما زال حياً؟ وكيف هي زراعته؟". هز العجوز رأسه: "لا علم لي، لكن انتظر يومين إذا أردت زيارتهم. هم الآن في مراسم تبجيل الأسلاف، والبيت مغلق لتسعة أيام، وهذا يومهم السابع".

ضحك جيانغ لي في سره؛ لم يتوقع وصوله وقت مراسم لا تُقام إلا كل عقد. رمقه العجوز بنظرة مريبة وتمتم: "المراسم كانت كل عشر سنين، لكن منذ اعتلى جيانغ لي العرش، صارت كل خمس، والآن.. كل سنة".

ثم سأل العجوز: "يا محترم، ما هو مستوى زراعتك؟". فأي شخص عاش ثلاثمائة عام لا بد أن يكون قوياً. ابتسم جيانغ لي متجاوزاً السؤال، وشكر العجوز ومضى نحو القصر. كان المكان موصداً، تحوطه تشكيلات منيعة ويحرسه مقاتلون أشداء.

بصفته عاهل البشر، كان ليُستقبل بحفاوة لو أراد، لكنه فضل البقاء من اجل الخفاء والصفاء. نفث تعويذة إخفاء، ودخل إلى القصر دون أن تشعر به عين.

تعليقات