الفصل 29: تقديرٌ يفوق الوصف
الفصل 29: تقديرٌ يفوق الوصف
في تلك الليلة، ثمل تشن تشانغ آن حقاً.
نظر إلى إخوته الذين تعلو وجوههم الابتسامة، وفجأة، غلبه فيض من المشاعر، فترنم بقصيدة:
"مضى رنينُ العُمرِ واضمحلَّ في الأفقِ البعيد،
وآوتْ أسرابُ الغربانِ إلى عُشِّها في ليلِ الغابةِ الكئيب.
قدتُ عُمري بعنادٍ.. فأوردني مَواردَ الشتات،
فها أنا اليومَ وحيدٌ، لا خليلَ لي، والغروبُ يكسو الجهاتِ بالوحشة.
أعودُ إلى 'تشانغ آن' والبلادُ أشلاءٌ مُمزقة،
وكأنَّ ما تبقى من سِنيني ليس إلا وداعاً لشقاءٍ مرير.
أين تاهتْ أحلامُ الشبابِ وظلالُ الصنوبرِ القديم؟
سأرضى بهذا المنفى سَكناً.. ولتكنْ هذه الأرضُ الغريبةُ هي الوطن."
وعلى الرغم من أن سون جينغ يي والآخرين لم يفقهوا في الشعر شيئاً، إلا أنهم صفقوا بحرارة، فقد استشعروا عظمة الكلمات.
(هذا حقاً ابداع من يستحق لقب "البارون الأول" في الاختبارات الإمبراطورية!)
عبرت هذه القصيدة في جوهرها عن مآسي حياته السابقة؛ حيث ضاع الوطن وهلكت العائلة، ولم يبقَ سوى تشن تشانغ آن وحيداً.
أما الشطران الأخيران، فقد حسم فيهما أمره: سيعتبر "مملكة تشي" -موطن لو موشي- وطناً له.
وبالطبع، لا بد من كسب الفضة أولاً!
في صباح اليوم التالي، توجه تشن تشانغ آن باكراً إلى أكاديمية تشينغ فنغ.
في الواقع، وبفضل خبرته الدراسية السابقة في معهد القديسين، وجديته في العمل، وبلاغته الفذة في كتابة المقالات السياسية، كان التلميذ الأحب إلى قلب المعلم وانغ.
كان المعلم وانغ يؤمن تماماً أن تشن تشانغ آن سيحتل حتماً المراكز الثلاثة الأولى في الاختبارات الإمبراطورية القادمة.
قال المعلم وانغ: "تشانغ آن، خلال يومي الأمطار الموسمية الماضيين، جاء أناسٌ يبحثون عنك، زاعمين أنهم والداك..."
بما أن الأمر جلل، كان لزاماً على المعلم وانغ أن يستفسر من تشن تشانغ آن.
هز تشن تشانغ آن رأسه وقال: "يا معلم، والداي قد فارقا الحياة، وأنا لا أمزح في شؤون كهذه."
"أعلم لماذا يبحثون عني؛ هم يظنون أنني سرقت شيئاً من منزلهم، ويريدون القبض عليّ لإذاقتي أشد أنواع العذاب والتنكيل."
صُعق المعلم وانغ وسأل بذعر: "هل يريدون منعك من دخول الاختبارات الإمبراطورية؟"
"من يدري؟ الأشرار في هذا العالم كثر."
نظر تشن تشانغ آن إلى المعلم وانغ بنظرة توسل: "أيها المعلم، أنا يتيم منذ صغري، ولا ملاذ لي إلا في كنف دارك، أرجوك ساعدني."
ثم أخرج صرة وقال: "هذه مئة ليرة من الفضة..."
غضب المعلم وانغ وقال: "تشانغ آن! ارفع فضتك عني، أي نوعٍ من الرجال تحسب معلمك؟"
هز تشن تشانغ آن رأسه موضحاً: "لم أقصد الإساءة يا معلم."
"لقد أكلتُ من زاد بيتك سنوات طويلة، والاختبارات على الأبواب، وأريد فقط أن أقوي جسدي بالتغذية الجيدة."
وأمام إصرار تشن تشانغ آن، لم يسع المعلم وانغ إلا أن يطلق زفرة عميقة.
"اغرب عن وجهي واذهب للدراسة بجد!"
"اطمئن، إن تجرأ أحدٌ على إزعاجك ثانية، فسأخاطر بحياتي العجوز لحمايتك!"
أغدق عليه تشن تشانغ آن بعبارات الشكر والامتنان، وأخيراً استطاع أن يتفرغ للدراسة بذهن صافٍ.
وفى المعلم وانغ بوعده؛ فكان يغلق الأبواب أثناء التدريس، ويحرص على تقديم وجبات دسمة من الدجاج والبط والسمك، مما جعل تشن تشانغ آن يكتسب بعض الوزن، وإن ظل يبدو نحيلاً مقارنة بغيره.
لقد مضى نصف شهر كامل منذ اللقاء الأخير في قاعة تيان خه الطبية.
كانت تشن هونغ لو تجوب منطقة العوام يومياً، لكنها عجزت تماماً عن العثور على أثر لـ تشن تشانغ آن.
حتى أن تشن تشان أرسل كتيبة الاستطلاع، ولكن دون جدوى!
سألت تشن هونغ لو والدتها بقلبٍ ينهشه القلق: "أمي، لقد مر شهر منذ غادر أخي التاسع المنزل، وكأنه تبخر من على وجه الأرض... ماذا نفعل؟"
كان تشن تشان قد عاد إلى المعسكر لمهام عسكرية طارئة، فاسترخت الأميرة تشو.
كانت تدعي كل يوم خروجها للبحث عن تشن تشانغ آن، لكنها كانت تعود تفوح منها رائحة العطور، وتتحدث بحماس مع بناتها عما رأته وسمعته في الخارج.
سخرت الأميرة تشو قائلة: "يتبخر؟ لن يفعل. أيعقل أن يفوّت الاختبارات الإمبراطورية؟"
"هُمف، حين تبدأ الاختبارات، سيعود حتماً زاحفاً إلينا ويتوسل من أجل مستقبله!"
"صحيح، أخبري أختك الثانية ألا تفتح له أي باب خلفي!"
ثم نهضت قائلة ببرود: "سأذهب إلى المطبخ، فـ تشن فوشنغ يحب مرق الدجاج بالجينسنغ الذي أطهوه، سأرسل له بعضاً منه بعد قليل."
اتجهت الأميرة تشو نحو المطبخ، وأرادت تشن هونغ لو قول شيء لكنها ابتلعته.
هي أيضاً تحب الأخ الحادي عشر، لكن تشن فوشنغ في النهاية ليس من دمهم، بل هو ابن أحد قادة والدها.
بينما تشن تشانغ آن هو ابنكِ الحقيقي! ابنكِ من أحشائكِ!
كيف يمكن للأم أن تفعل هذا؟
عادت تشن بي جيون من معهد القديسين والتعب ينهك جسدها.
حين رأت تشن هونغ لو، تنهدت قائلة: "أختي، ألم تجدي التاسع بعد؟"
هز تشن هونغ لو رأسها بخيبة أمل.
جزت تشن بي جيون على أسنانها وقالت: "اليوم اطلعت على قوائم المتقدمين للاختبارات الإمبراطورية، ووجدت اسم أخي التاسع."
"أتقولين.. هل من الممكن أن يكون مختبئاً في أكاديمية تشينغ فنغ؟"
انفرجت أسارير تشن هونغ لو فجأة، وهمت بالنهوض، لكن وقع أقدامٍ بالخارج أوقفها.
دخل رجل يرتدي معطفاً أحمر قانياً؛ إنه وانغ مينغ، قائد كتيبة الاستطلاع، نفس الرجل الذي اقتاد بائع السمك ليو سان-إر إلى القصر سابقاً.
انحنى وانغ مينغ أمام تشن هونغ لو وقال: "أحيي الأميرة الكبرى. لقد عثرنا على أثر لسمو الوريث التاسع."
ارتبكت تشن هونغ لو وقالت بصوت مهتز: "أين هو؟"
أخذ وانغ مينغ نفساً عميقاً وقال: "إنه يستأجر منزلاً ريفياً بالقرب من أكاديمية تشينغ فنغ!"
"هناك ثلاثة من العوام، رجلان وامرأة، يذهبون باستمرار للقرى المجاورة لجمع القطع القديمة، ويبدو أنهم يجنون ثروة طائلة."
"بتقدير تقريبي، لقد ربحوا ما لا يقل عن عشرين ألف ليرة من الفضة مؤراً!"
شعرت تشن هونغ لو وكأن صاعقة ضربت رأسها.
"عشرون.. عشرون ألف ليرة؟ هذا.. كيف يكون هذا ممكناً؟"
هز وانغ مينغ رأسه وقال: "سألتُ المدير تان في ديوان الفصول الأربعة، وأكد لي أن رجال الوريث التاسع قد تسلموا منه بالفعل أكثر من ثلاثة وعشرين ألف ليرة فضية."
"وقال إن الوريث التاسع منعه من إفشاء هويته."
"صدقاً، في مثل عمر الوريث التاسع.. إنه حقاً.. مذهل."
لم يستطع وانغ مينغ إلا أن يبدي إعجابه.
كم يبلغ راتبه العسكري كقائد لكتيبة الاستطلاع؟ ثلاثمائة ليرة في السنة.
ليجمع عشرين ألفاً، يحتاج إلى أكثر من سبعين عاماً دون أكل أو شرب!
نظرت تشن بي جيون بذعر إلى تشن هونغ لو: "أختي، إن كان ما يقوله القائد وانغ صحيحاً.. فهل سيقبل التاسع بالاعتراف بنا مجدداً؟"
"لا أدري."
أحكمت تشن هونغ لو إغلاق فكها وقالت: "قائد وانغ، خذني حالاً لمقابلة التاسع!"
"أريد رؤيته، أريد إعادته للمنزل!"
سارع وانغ مينغ لتجهيز العربة.
شعرت تشن بي جيون بوخز الضمير: "أختي، اذهبي أنتِ.. أنا لا أجرؤ على مواجهته."
حين التفتت تشن بي جيون لتغادر، استشاطت تشن هونغ لو غضباً.
"أيتها الثانية، قفي مكانكِ!"
"لقد كان التاسع يحترمكِ بشدة، ويعتبركِ قدوته في العلم والمعرفة، أليس كذلك؟"
ابتسمت تشن بي جيون بمرارة.
نعم، كان تشن تشانغ آن يحترمها، كان يسعى وراء رضاها بجنون، وكأنها النور الذي يهتدي به.
ولكن كيف عاملته هي؟
بعيداً عن كل شيء.. لقد سمحت لطلاب معهد القديسين بضربه، بضرب أخيها الحقيقي!
قالت تشن هونغ لو: "أنا ناجحة في التجارة فقط، لكن الرجل يجب أن يدخل السلك الإداري ليبرز شأنه!"
"لا يهمني أمر الأخوات الأخريات، لقد خاب أملي فيهن!"
"لكن أنتِ، أنتِ أخته الثانية، ومنصبكِ كمعلمة في معهد القديسين هو الوحيد الذي قد يؤثر في قلبه، هيا معي!"
لطمت تشن بي جيون وجهها بقوة لتستفيق: "أختي، لا تقولي المزيد.. سأذهب."
سحبت تشن هونغ لو أختها، وتوجهتا نحو مسكن تشن تشانغ آن.
في فناء ريفي صغير، كان تشن تشانغ آن يتناول الطعام مع إخوته.
خلال هذه الأيام العشرة، ربحوا الكثير من المال، فأصبح طعامهم وفيراً ومتنوعاً.
كانت مديرة المنزل سون جينغ يي محمرة الوجنتين وهي تضحك بخفة.
"أخي، لقد انتهينا تقريباً من جمع القطع القديمة من القرى المجاورة."
"ما هي خطوتك التالية؟"
رفع جو تشيان كون و لي جاو ياو رأسهما بحماس.
إذا كان لديهم ذرة شك في السابق تجاه تشن تشانغ آن، فقد تبخرت الآن تماماً، وأصبحوا يبجلونه كصاحب فضل عظيم وعقل لا يضاهى!
هز تشن تشانغ آن رأسه مبتسماً، وقبل أن ينطق بكلمة، تعالت طرقات على الباب.
"طرق.. طرق.. طرق!"
ثم جاء صوت ينادي: "أخي التاسع، هل أنت في البيت؟"
تعليقات
إرسال تعليق