عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 21: لماذا لا تهرب؟
الفصل 21: لماذا لا تهرب؟
في الصباح الباكر من اليوم التالي، صارع "غو شينغ" لينهض من فوق الفراش، وكان يشعر بخصره وكأن خنجراً صدئاً قد غُرس فيه ولم يُنزع؛ فالألم لم يخفّ وطأته قيد أنملة، بل ازداد ثقلاً مع برودة الفجر التي تسللت عبر شقوق النافذة لتلسع جلده المتعب.
زحف نحو الحمام بخطوات ثقيلة ومترنحة، وسند جسده المنهك على الحوض الرخامي قبل أن يفتح الصنبور ليرشق وجهه بالماء البارد بعنف، محاولاً طرد الضباب الكثيف الذي يلف عقله المشتت كخيوط العنكبوت المهجورة.
عندما رفع رأسه لينظر في المرآة، تراجع خطوة للخلف من هول ما رأى؛ لم يعد لون بشرته ذلك الرمادي الشاحب الذي اعتاده، بل استحالت ملامحه إلى لون أسود منطفئ وباهت، يذكره بغبار التوابيت التي لم تُفتح منذ قرون في أعماق الأرض.
كانت الهالات السوداء تحت عينيه غائرة لدرجة مخيفة، وعيناه تبدوان كبئرين فارغين من الروح، تماماً كحال الموظفين الذين يموتون من فرط العمل المفاجئ في مكاتبهم ولا تدرك أجسادهم الحقيقة إلا بعد أن يبرد الدم في عروقهم وتتيبس أطرافهم.
لم يذق "غو شينغ" طعم النوم للحظة واحدة طوال تلك الليلة الموحشة؛ كانت أفكاره تتلاطم داخل جمجمته كأمواج سوداء في محيط من الحبر، يتردد فيها صدى الكلمات التي قرأها في المذكرات: الجزار، المبتز، المهندس. كان عقله يرفض تصديق أنه هو من صمم هذا الجحيم، لكن الخط يده، والعادات عاداته.
"غو شينغ، هل استيقظت أم لا؟" انطلق صوت "تشن تاو" المكتوم والعميق من خلف الباب، وكان صوته يحمل بحّة غريبة ومضطربة هذه المرة، كأن أحباله الصوتية قد تيبست، "علينا الذهاب لاستقبال ليو هانغ، لقد أخبرني أنه على وشك الوصول، والوقت يداهمنا يا صديقي."
شعر "غو شينغ" بمرارة لا تُطاق في حلقه؛ فـ "ليو هانغ" هو العريس الذي يملك "الشرعية" والقوة في هذا المكان الآن، وإذا اكتشف وجود "غو شينغ" في غرفة "جو يينغ يينغ" أو لاحظ غياب "وردة الوصيفة" من مكانها، فإن ستائر المسرح ستسقط لتكشف عن مجزرة لا مفر منها قبل أن تبدأ المراسم.
"أنا قادم،" أجاب "غو شينغ" بصوت واهن ومبحوح، ثم فتح الباب وخرج ليجد "تشن تاو" بانتظاره في الممر المظلم، حيث كانت الأضواء تومض بشكل مريب يبعث القلق في النفس.
تملك "غو شينغ" ذعرٌ صامت وهو يراقب صديقه؛ كان "تشن تاو" يبدو غارقاً في نوبة من التوتر المكتوم، وعضلاته بدت وكأنها قد حُقنت بمواد مجهولة تجعلها تتمدد بشكل غير طبيعي تحت جلده، لدرجة أن قميصه كاد يتمزق عند الكتفين.
لقد تضخم جسد تشن تاو بشكل مرعب، وأصبحت ملامحه أكثر قسوة من ذي قبل، واللون الأسود تحت عينيه كان يوحي بأنه لم ينم هو الآخر، أو ربما بدأ "التحول" ينهش في بشريته ويحيله إلى شيء آخر غير بشري، شيء يشبه الوحوش التي تسكن الطابق الثاني.
سار "تشن تاو" نحو المصعد بخطوات ثقيلة جداً، كانت كل خبطة لقدمه على الأرض تترك رنيناً معدنياً يوحي بأن عظام هذا الرجل قد استحالت إلى حديد خالص بفعل تلك اللحوم التي يلتهمها في مطعم الفندق كل ليلة.
سار "غو شينغ" خلفه لخطوات، ثم توقف فجأة وتظاهر بتذكر شيء هام جداً: "اذهب أنت أولاً يا تاو-تزي، لقد نسيت غرضاً لا يمكنني المضي بدونه في هذا اليوم، سألحق بك في الردهة خلال دقائق معدودة."
لوح "تشن تاو" بيده بلامبالاة ودخل المصعد، وبمجرد انغلاق الأبواب، ركض "غو شينغ" بأقصى سرعة تسمح بها آلامه نحو الجناح الرئاسي 444، حيث المفاتيح والأسرار.
استخدم بطاقة المدير الذهبية ودخل الجناح؛ توجه فوراً نحو الخزانة، وانتزع "وردة صدر الوصيفة" الرقيقة من الحقيبة السوداء، وأخفاها في جيبه بعناية، ثم أعاد كل شيء كما كان ليسد أي ثغرة قد تكتشفها يينغ يينغ أو غيرها من سكان الفندق المتربصين.
نظر للحظة نحو قناع الجلد البشري في الخزانة، وشعر برغبة عارمة في تمزيقه والتخلص من عبئه، لكنه كبح نفسه؛ فهذه الأشياء تعتبر عناصر فريدة لا يمكن التلاعب بها إلا في اللحظة المناسبة، وإلا انقلبت القواعد عليه ومزقته إرباً.
بينما كان يهم بمغادرة الجناح، سمع صوت صرير خفيف من الممر، صوت وقع أقدام ليست لـ "تشن تاو" بكل تأكيد. حبس "غو شينغ" أنفاسه لدرجة أنه سمع قرقرة معدته الخاوية التي تصرخ من الجوع والإنهاك.
كانت الخطوات خفيفة ومنتظمة، لشخص يقارب وزنه وحجمه تماماً، وكأن هناك ظلاً له يتحرك في الممرات المظلمة. انتظر حتى تلاشت الأصوات تماماً، ثم تسلل للخارج وزحف نحو المصعد، محاولاً تجاهل الوخز البارد الذي بدأ يسري في قلبه.
"سحقاً!" صرخ "غو شينغ" في أعماقه وهو يقفز للخلف من شدة الفزع عند الزاوية المؤدية للمصاعد؛ فقد كان حارس الأمن يقف هناك كتمثال من الرصاص، يحدق في العدم بملامح تخلو من أي انفعال بشرى.
"أيها الضيف، يرجى عدم التسكع في الممرات دون سبب وجيه،" قال الحارس بنبرة مسطحة وجافة كتحطم الخشب، ثم تنحى جانباً ببرود ليسمح له بالمرور، لكن عينه ظلت معلقة على جيب "غو شينغ" وكأنه يشم رائحة الوردة المسروقة.
ضغط "غو شينغ" على زر المصعد، وفجأة، شعر بوزن بارد ومؤلم يوضع على كتفه؛ كانت يد الحارس الشاحبة، التي تبرز منها عروق سوداء ميتة، تقبض عليه بقوة جعلت كتفه يتخدر تماماً.
"أيها الضيف.. هل رأيت مديرتنا؟" سأل الحارس بصوت خالٍ من الروح، "اليوم هو يوم زفافها، ولدي بعض التقارير العاجلة التي تقتضي توقيعها قبل وصول العريس، ولا أجدها في مكتبها."
"لم أرها،" أجاب "غو شينغ" باختصار وهو ينفض يد الحارس عن كتفه بصعوبة بالغة، ثم قفز داخل المصعد بمجرد أن انفتحت أبوابه؛ شعر ببرودة غريبة تنخر في عظام كتفه وتنتقل نحو صدره، وكأن تلك اللمسة كانت علامة وُضعت عليه ليتعقبه الموت أينما ذهب.
عند وصوله للطابق الأول، وجد "تشن تاو" يحدق في البوابة الرئيسية بجمود تام، وكأنه آلة في وضع الاستعداد بانتظار إشارة الانطلاق. توجه "غو شينغ" نحو مكتب الاستقبال، حيث كانت "شياو تشين" بانتظاره بابتسامة مرعبة تتجاوز حدود الطبيعة.
وضع "وردة الوصيفة" على الطاولة الرخامية بصمت، فشعرت "شياو تشين" بنشوة واضحة وتوسعت حدقتاها بجشع لا يوصف: "لقد اتخذت القرار الصحيح.. اطلب ما تشاء من المتجر، المكافأة بانتظارك لتعوض سنوات عمرك التي أُهدرت في هذا الفندق."
"أريد فخذي دجاج فقط،" قال "غو شينغ" بحذر، رافضاً كل الإغراءات الأخرى التي عرضتها؛ فهو يعلم أن كل زيادة أو هدية في هذا الفندق هي فخ لربطه بالمكان وتحويله إلى مسخ كالبقية.
(طوط.. طوط!)
انطلق صوت بوق سيارة حاد من الخارج، محطماً السكون الثقيل للردهة. انتفض "تشن تاو" وكأن صاعقة قد أصابته، وعادت ملامحه لتستحيل إلى تلك الابتسامة البسيطة والساذجة التي ظهر بها في يومهم الأول: "صديقي وصل! غو شينغ، لنتحرك لاستقبال العريس!"
سلمت "شياو تشين" الدجاج لـ "غو شينغ"، وأضافت رغيف خبز بابتسامة ماكرة: "بما أنك تبدو متهالكاً ولن تصمد طويلاً، فهذا الخبز هدية مني لتعزيز قوتك في هذه الليلة الطويلة." وضع "غو شينغ" الطعام في جيبه دون أن ينطق بكلمة؛ لن يأكل أي شيء في هذا المكان إلا للضرورة القصوى.
دخل "ليو هانغ" الردهة ببدلة سوداء فاخرة، وربطة عنق حمراء قانية زادت من شحوب بشرته المريب، وكان يفيض بثقة غريبة لا تتناسب مع أجواء هذا القبر الجماعي المسمى فندقاً. عانق "تشن تاو" و "غو شينغ" بحرارة مصطنعة، ثم طلب من "تشن تاو" البدء بإنزال الحقائب الكثيرة والمريبة من السيارة.
استغل "غو شينغ" الفرصة لينظر نحو سيارة الزفاف المتوقفة بالخارج؛ كانت تلمع ببريق فاره يتناقض تماماً مع قذارة الجدران المحيطة بها.
بينما كان "غو شينغ" يحلل احتمالات الهرب باستخدام هذه السيارة، شعر بيد "ليو هانغ" تقبض على كتفه بقوة غير متوقعة، وهمس في أذنه بنبرة جادة جعلت الدماء تتجمد في عروقه وتوقف قلبه عن النبض للحظة:
"غو شينغ.. لماذا لا تزال هنا؟ لماذا لم تهرب بعد كل الرسائل التي أرسلتها لك؟ هل تريد حقاً أن ينتهي بك المطاف جثة هامدة مثلهم؟"
تراجع "غو شينغ" خطوتين، محاولاً رسم ملامح الاستغراب والارتباك على وجهه الشاحب: "ماذا تقول يا ليو هانغ؟ اليوم زفافك، وأنا هنا لأكون بجانبك كما اتفقنا، عن أي هروب تتحدث؟"
ابتسم "ليو هانغ" بمرارة، وقال بصوت خافت جداً وكأنه يخشى أن تسمعه الجدران ذاتها: "أتمنى لو كان هذا زفافاً حقيقياً.. لكن الحقيقة المروعة هي أن تشن تاو، ويينغ يينغ، وكل من تراه في هذا الفندق.. هم جثث ماتت بالفعل منذ زمن طويل. أنت الوحيد الحي وسط هذه المقبرة الكبيرة، فكيف تجرؤ على البقاء هنا لثانية واحدة إضافية؟"
تعليقات
إرسال تعليق