رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 2: رائحة الحطب.. ونظرات الصقور
الفصل 2: رائحة الحطب.. ونظرات الصقور
كانت المسافة بين المنحدر الذي تركه فيه سِنان وبين المعسكر لا تتجاوز بضعة أميال، لكنها بالنسبة لمالك كانت تبدو كطريق نحو نهاية العالم.
البرد لم يعد يلسع جلده فحسب، بل بدأ يتغلغل إلى عظامه ويخدر حواسه. سقط مالك مرتين، وفي كل مرة كان يغرس أظافره المرتجفة في الثلج ليدفع جسده المنهك للأعلى. لم يعد يفكر في فنون القتال أو في سر قوة سِنان، كان عقله يتمسك بصورة واحدة فقط: "الوعد بليلة دافئة".
عندما بدأ الضوء يتلاشى تماماً، لمح خيطاً رفيعاً من الدخان يتصاعد خلف صخرة ضخمة تشبه في انحنائها رأس غراب عملاق. "هناك.." همس مالك بصوت متقطع، وقد تشققت شفتاه حتى نضح منها الدم وتجمد فوراً.
قبل أن يصل إلى مدخل المعسكر بأمتار، شعر بشيء صلب وبارد يرتطم بصدره بقوة أعادته للوراء. لم تكن صخرة، بل كانت نهاية رمح خشبي طويل مدبب.
"توقف مكانك يا جرو. إلى أين تظن نفسك ذاهباً؟"
كان الصوت خشناً وعميقاً، يخرج من بين فراء ذئب يغطى أكتاف رجل ضخم الجثة. رفع مالك رأسه بصعوبة ليرى حارسين؛ لم تكن وجوههما قبيحة أو مخمورة كما في قصص العجائز عن قطاع الطرق، بل كانت ملامحهما حادة كالنصال، وعيونهما تراقب المحيط بتركيز مريب لا يغفل عن حركة.
"الرجل.. ذو العباءة الرمادية.." تعثرت الكلمات على لسان مالك، "قال إنني.. يمكنني المبيت هنا."
تبادل الحارسان نظرة سريعة، وانخفض الرمح قليلاً. "تقصد الزعيم سِنان؟" سأل أحدهما، وظهر في صوته مزيج غريب من الاستغراب والاحترام العميق.
هز مالك رأسه قبل أن تخونه ركبتاه ويسقط ساجداً على الثلج من فرط الإعياء. لم يضحك الحارسان عليه، بل اقترب أحدهما وأمسكه من ياقة قميصه الممزق ليوقفه بصرامة ولكن دون قسوة زائفة. "إن كان الزعيم هو من أرسلك، فلا بد أن له سبباً.. ادخل."
دخل مالك المعسكر وهو يجر قدميه جراً، وما رآه بالداخل جعله ينسى برده للحظات. لم يكن هناك صراخ، ولا مشاجرات على غنائم، ولا رائحة خمر رخيصة. كان المعسكر منظماً بدقة تثير الريبة؛ خيام منصوبة بانتظام، رجال يجلسون حول نيران هادئة يشحذون نصالهم بصمت، وآخرون يراجعون خرائط قديمة تحت ضوء المشاعل الخافت.
كان هناك صمتٌ مهيب يلف المكان، صمت لا تجده إلا في ثكنات الجيوش النخبوية.. أو في المقابر التي تسبق العاصفة.
"اجلس هنا،" أشار له الحارس نحو نار صغيرة في طرف المعسكر. ارتمى مالك بجانب اللهب، وأخذ يتنفس الحرارة وكأنها ترياق للحياة. وفي تلك اللحظة، غطى ظل طويل ضوء النار؛ رفع مالك عينيه ليرى سِنان واقفاً فوقه، وقد نزع عباءته الرمادية لتظهر تحتها ثياب سوداء بسيطة، وسيفه ما زال معلقاً في خصره كأنه جزء لا يتجزأ من هيبته.
"وصلت،" قال سِنان بنبرة لا يمكن قراءة ما خلفها.
"نعم،" رد مالك وهو يحاول منع أسنانة من الاصطكاك، "هل.. هل يمكنني الحصول على رغيف خبز؟"
ألقى سِنان بقطعة خبز يابسة نحو مالك، ثم جلس أمامه مباشرة على الأرض الباردة. "ربما سمعت أن قطاع الطرق يحرقون القرى ويفتكون بالضعفاء.. هل ترى فينا ذلك الوصف؟"
نظر مالك حوله؛ رأى رجلاً يضمد جرح زميله بعناية، ورأى آخر يقرأ كتاباً قديماً بتركيز. لم يرَ مجرمين، بل رأى رجالاً مطرودين من عالمٍ لم يعد يتسع لهم، أو ربما عالمٍ لم يعودوا يعترفون بقوانينه.
"أرى أشخاصاً ينتظرون شيئاً ما،" قال مالك بعد صمت، وهو يمضغ الخبز الجاف بصعوبة.
لمعت عينا سِنان للحظة تحت ضوء النار. "نحن لا ننتظر يا صبي. نحن نستعد. غداً، عندما تشرق الشمس، سيكون لديك خياران: إما أن تأخذ ما يكفيك من الزاد وتعود من حيث أتيت، أو أن تبدأ في تعلم كيف تمسك السيف.. لا لتسرق الخبز، بل لتقطع اليد التي تجرؤ على منعه عنك."
توقف مالك عن الأكل تماماً، ونظر إلى السيف القابع بجانب سِنان. "أريد أن أتعلم.. أريد إمساك السيف."
تبسم سِنان لأول مرة، لكنها كانت ابتسامة شاحبة وباردة كضوء القمر فوق قمة الجبل. "نم الآن.. فلدي شعور بأنك ستندم غداً على هذا الاختيار، وستبكي دماً قبل دموعك."
البرد لم يعد يلسع جلده فحسب، بل بدأ يتغلغل إلى عظامه ويخدر حواسه. سقط مالك مرتين، وفي كل مرة كان يغرس أظافره المرتجفة في الثلج ليدفع جسده المنهك للأعلى. لم يعد يفكر في فنون القتال أو في سر قوة سِنان، كان عقله يتمسك بصورة واحدة فقط: "الوعد بليلة دافئة".
عندما بدأ الضوء يتلاشى تماماً، لمح خيطاً رفيعاً من الدخان يتصاعد خلف صخرة ضخمة تشبه في انحنائها رأس غراب عملاق. "هناك.." همس مالك بصوت متقطع، وقد تشققت شفتاه حتى نضح منها الدم وتجمد فوراً.
قبل أن يصل إلى مدخل المعسكر بأمتار، شعر بشيء صلب وبارد يرتطم بصدره بقوة أعادته للوراء. لم تكن صخرة، بل كانت نهاية رمح خشبي طويل مدبب.
"توقف مكانك يا جرو. إلى أين تظن نفسك ذاهباً؟"
كان الصوت خشناً وعميقاً، يخرج من بين فراء ذئب يغطى أكتاف رجل ضخم الجثة. رفع مالك رأسه بصعوبة ليرى حارسين؛ لم تكن وجوههما قبيحة أو مخمورة كما في قصص العجائز عن قطاع الطرق، بل كانت ملامحهما حادة كالنصال، وعيونهما تراقب المحيط بتركيز مريب لا يغفل عن حركة.
"الرجل.. ذو العباءة الرمادية.." تعثرت الكلمات على لسان مالك، "قال إنني.. يمكنني المبيت هنا."
تبادل الحارسان نظرة سريعة، وانخفض الرمح قليلاً. "تقصد الزعيم سِنان؟" سأل أحدهما، وظهر في صوته مزيج غريب من الاستغراب والاحترام العميق.
هز مالك رأسه قبل أن تخونه ركبتاه ويسقط ساجداً على الثلج من فرط الإعياء. لم يضحك الحارسان عليه، بل اقترب أحدهما وأمسكه من ياقة قميصه الممزق ليوقفه بصرامة ولكن دون قسوة زائفة. "إن كان الزعيم هو من أرسلك، فلا بد أن له سبباً.. ادخل."
دخل مالك المعسكر وهو يجر قدميه جراً، وما رآه بالداخل جعله ينسى برده للحظات. لم يكن هناك صراخ، ولا مشاجرات على غنائم، ولا رائحة خمر رخيصة. كان المعسكر منظماً بدقة تثير الريبة؛ خيام منصوبة بانتظام، رجال يجلسون حول نيران هادئة يشحذون نصالهم بصمت، وآخرون يراجعون خرائط قديمة تحت ضوء المشاعل الخافت.
كان هناك صمتٌ مهيب يلف المكان، صمت لا تجده إلا في ثكنات الجيوش النخبوية.. أو في المقابر التي تسبق العاصفة.
"اجلس هنا،" أشار له الحارس نحو نار صغيرة في طرف المعسكر. ارتمى مالك بجانب اللهب، وأخذ يتنفس الحرارة وكأنها ترياق للحياة. وفي تلك اللحظة، غطى ظل طويل ضوء النار؛ رفع مالك عينيه ليرى سِنان واقفاً فوقه، وقد نزع عباءته الرمادية لتظهر تحتها ثياب سوداء بسيطة، وسيفه ما زال معلقاً في خصره كأنه جزء لا يتجزأ من هيبته.
"وصلت،" قال سِنان بنبرة لا يمكن قراءة ما خلفها.
"نعم،" رد مالك وهو يحاول منع أسنانة من الاصطكاك، "هل.. هل يمكنني الحصول على رغيف خبز؟"
ألقى سِنان بقطعة خبز يابسة نحو مالك، ثم جلس أمامه مباشرة على الأرض الباردة. "ربما سمعت أن قطاع الطرق يحرقون القرى ويفتكون بالضعفاء.. هل ترى فينا ذلك الوصف؟"
نظر مالك حوله؛ رأى رجلاً يضمد جرح زميله بعناية، ورأى آخر يقرأ كتاباً قديماً بتركيز. لم يرَ مجرمين، بل رأى رجالاً مطرودين من عالمٍ لم يعد يتسع لهم، أو ربما عالمٍ لم يعودوا يعترفون بقوانينه.
"أرى أشخاصاً ينتظرون شيئاً ما،" قال مالك بعد صمت، وهو يمضغ الخبز الجاف بصعوبة.
لمعت عينا سِنان للحظة تحت ضوء النار. "نحن لا ننتظر يا صبي. نحن نستعد. غداً، عندما تشرق الشمس، سيكون لديك خياران: إما أن تأخذ ما يكفيك من الزاد وتعود من حيث أتيت، أو أن تبدأ في تعلم كيف تمسك السيف.. لا لتسرق الخبز، بل لتقطع اليد التي تجرؤ على منعه عنك."
توقف مالك عن الأكل تماماً، ونظر إلى السيف القابع بجانب سِنان. "أريد أن أتعلم.. أريد إمساك السيف."
تبسم سِنان لأول مرة، لكنها كانت ابتسامة شاحبة وباردة كضوء القمر فوق قمة الجبل. "نم الآن.. فلدي شعور بأنك ستندم غداً على هذا الاختيار، وستبكي دماً قبل دموعك."
تعليقات
إرسال تعليق