رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 1 : عواء في الصقيع

رماد النبل وجمر التمرد
☀️🌙

الفصل 1 : عواء في الصقيع


الهواء في هذه المرتفعات لم يكن مجرد برد، بل كان يلسع الرئتين مثل مسامير محماة من ثلج. كان مالك يركض، أو بالأحرى، كان يترنح بين الصخور. حذاؤه الممزق لم يعد يحمي قدميه الحافيتين من حواف صخور "جبال الرياح العاوية" الحادة، لكن الألم في قدميه كان ترفاً لا يملكه الآن؛ فخلفه، كانت أنفاس الذئاب تقترب، وصوت مخالبها وهي تخدش الجليد يملأ أذنيه بصوت الموت الوشيك.


تعثر مالك وسقط على وجهه. غاص وجهه في الثلج البارد، ولم يعد يملك طاقة حتى للصراخ. استدار بيأس على ظهره ليواجه مصيره، ليشاهد الذئب الأكبر وهو يقفز نحوه، فكّاه مفتوحان على آخرهما، ولعابه يتطاير في الهواء كخيوط من سم.


"تباً.. هربت من الجوع، لأموت أكلاً،" همس مالك وأغلق عينيه، منتظراً شعور التمزيق.


تشاخ!


صوت معدن يقطع اللحم بدقة متناهية. لم يتبعه عواء ألم، بل صمت مفاجئ قطعه صوت ارتطام جثة ثقيلة بالأرض.


فتح مالك عينيه ببطء، ليجد رأس الذئب ملقىً على بعد خطوات، وقد انفصل عن جسده بضربة واحدة نظيفة لدرجة أن الدم لم يبدأ بالتدفق إلا بعد ثوانٍ. وأمام هذا المشهد، وقف رجل. لم يكن يرتدي دروعاً لامعة كفرسان الحكايات، بل عباءة رمادية خشنة، يمسك بسيف حديدي بسيط؛ سيفٌ لا يشع منه ضوء ولا تنبعث منه طاقة، لكنه كان ثابتاً في يد الرجل كأنه امتداد طبيعي لجسده.


"من أنت؟" تراجع مالك للخلف زاحفاً على يديه المحطمتين، وصوته يرتجف. "لا تقتلني! ليس معي شيء.. أقسم أنني لم أسرق الخبز، لقد اتهموني ظلماً!"


نظر الرجل إليه بعينين باردتين، خاويتين من أي تعاطف أو غضب. "لو أردت قتلك، لتركت الذئاب تنهي المهمة. ولست جندياً لأحاسبك على رغيف خبز."


كان اسم هذا الرجل سِنان ، وصوته كان يحمل ثقلاً يجعلك تشعر بصغرك أمامه. بدأ سِنان بمسح الدم عن سيفه بقطعة قماش مهترئة ببرود شديد، ثم سأل دون أن ينظر لمالك: "لماذا صعدت إلى هنا؟ هذا الجبل لا يرحب بالهاربين."


نهض مالك وهو ينفض الثلج عن ملابسه الممزقة، وجسده يرتجف من البرد والخوف معاً. "الجنود.. كانوا يلاحقونني. قالوا إنني سرقت المخازن لأنني كنت الوحيد الذي لم يمت جوعاً في زقاقنا. الحقيقة أنني وجدت بعض الجذور وأكلتها، لكنهم أرادوا كبش فداء."


سِنان لم يعلق، وكأن قصص الظلم البشري لا تعنيه في شيء. أدار ظهره وبدأ بالسير مبتعداً، ليختفي وسط الضباب الكثيف الذي يلف القمة.


"انتظر!" صرخ مالك وهو يلحق به بصعوبة. "سأقتل بالأسفل إذا عدت، وسأقتل هنا إذا بقيت وحدي. أخبرني.. كيف فعلت ذلك؟ الذئب كان سريعاً جداً، لكنك ضربته قبل أن يلمس الأرض حتى!"


توقف سِنان دون أن يلتفت، وقال بنبرة جافة كالصخر: "لقد قررتُ أن يموت، فمات. هذا كل ما في الأمر."


"علمني!" قالها مالك باندفاع يائس، وهو ينظر إلى قبضة سِنان القوية. "علمني كيف أدافع عن نفسي. لا أريد أن أكون طريدة مرة أخرى. أريد أن أقرر مَن يعيش ومَن يموت!"


التفت سِنان هذه المرة بالكامل، وساد صمت طويل وهو يتفرس في وجه مالك الصغير، ثم في عينيه التي كانت تلمع بإصرار غريب وسط كل هذا الضعف والإنهاك.


"أنا لست معلماً، والذين يتبعونني لا يعيشون طويلاً،" قال سِنان وهو يشير بيده نحو منحدر صخري خطر. "خلف ذلك المنحدر، يوجد معسكر لرجالي. إن استطعت الوصول إليه قبل أن تتجمد أطرافك، سأسمح لك بأن تبيت الليل هناك."


قبل أن ينطق مالك بكلمة، تحرك سِنان بسرعة تفوق الإدراك، واختفى تماماً بين الصخور كأنه طيف من أطياف الجبل. بقي مالك وحيداً في البرد القارس، لكنه هذه المرة لم يكن هائماً بلا هدف؛ فقد كانت عيناه مثبتتين على ذاك المنحدر. لقد امتلك أخيراً وجهة، وربما.. قدراً جديداً.

تعليقات