رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 12: وادي الشمس المحجوبة.. ووجوه الخمسة وعشرين

رماد النبل وجمر التمرد
☀️🌙

الفصل 12: وادي الشمس المحجوبة.. ووجوه الخمسة وعشرين

أشرق ضياء الفجر الشاحب على قمم "جبال الرياح القاطعة"، معلناً ليس فقط نهاية ليلة الاختبار المريرة لمالك، بل نهاية أسبوعٍ كامل من الحراسة القاسية لمجموعة الرجال القابعين في الأعالي. بدأ الضباب ينقشع عن الممرات الصخرية، كاشفاً عن خيالات الرجال وهم يجمعون أمتعتهم استعداداً للنزول. كان مالك يقف بجانب سِنان، يشعر بخفةٍ غريبة في جسده رغم التعب؛ فالحرارة التي استعرت في عروقه بالأمس لم تكن مجرد وسيلة للنجاة، بل بدت وكأنها صهرت شيئاً من وهنه القديم وتركته أكثر صلابة.

تحركت المجموعة المكونة من سبعة رجال، يتقدمهم عامر، بينما ظل سِنان في المقدمة يراقب الأفق بنظراته الثاقبة. كان هذا هو يوم "التبديل"، حيث تنزل المجموعة التي أتمت نوبتها في الحراسة إلى الوادي المخفي للاستراحة، بينما تصعد المجموعة الأخرى لتأخذ مكانها. سار مالك وسطهم، ولم يعد يشعر بتلك النظرات التي كانت تزدريه في البداية؛ لقد صار الصمت المحيط به الآن صمت قبول، صمت مَن اعترفوا بوجوده بينهم كفردٍ يحمل هوية "آل سِين" على جسده وروحه.

بينما كانت المجموعة تشق طريقها عبر المنحدرات الوعرة، اقترب عامر من مالك، وسارا جنباً إلى جنب. كان عامر يتنفس بهدوء منتظم، وكأنَّ وعورة الطريق لا تؤثر في رئتيه اللتين اعتادتا هواء المرتفعات. نظر عامر إلى مالك، وابتسم ابتسامة خفيفة ظهرت بين ثنايا لحيته الكثيفة، وقال بصوتٍ هادئ: "لقد نجوتَ من 'قمة العويل' يا صبي، وهذا يعني أنَّ ساقيك الآن تحملان رجلاً، لا مجرد مشردٍ هارب. لكن لا تظن أنَّ الجبل هو أصعب ما ستواجهه؛ فالحياة في الأسفل، وسط الناس والارتباطات، هي الاختبار الحقيقي للنية".

سأل مالك، وهو يحاول موازنة خطواته فوق الحجارة المنزلقة: "سِنان قال إنني سأكون الرقم ستة وعشرين.. كيف تنقسمون؟ لقد رأيتُ وجوهاً كثيرة بالأمس، لكنني لا أعرف اسم احد هنا سوى بشير وأنت وسِنان ".



عدّل عامر من وضع سيفه المعلق على ظهره، وبدأ يشرح بلهجةٍ خلت من التكلف: "نحن خمسة وعشرون رجلاً يا مالك. سِنان هو قائدنا ورمزنا، وإسحاق هو عقل المجموعة ونائبه. أما البقية، فنحن ننقسم في مهامنا وقدراتنا؛ هناك أربعة عشر رجلاً مكلفون بحراسة هذا الجبل وتأمين الممرات، ننقسم إلى مجموعتين، سبعة رجال في كل مجموعة. نحن السبعة الذين تراهم الآن ننهي نوبتنا اليوم لننزل إلى القرية، بينما السبعة الآخرون قد استلموا مواقعهم بالفعل في نقاط المراقبة العلوية. وهناك أيضاً تسعة رجال مكلفون بمهام متنوعة خارج هذه السلسلة الجبلية".

صمت عامر قليلاً وهو يشير نحو الرجال الذين يسيرون معهم في المنحدر، ثم أكمل: "انظر إلى هؤلاء، هؤلاء رفاقك في السلاح الآن. ذلك الضخم الذي يغطي وجهه بوشاح هو 'جعفر'، وبجانبه 'خالد' أهدأنا وأكثرنا دقة، وهناك الشاب السريع 'طارق'.. ثم 'سعيد' الحكيم، و**'حسن'** الذي يداوي الجراح. ومع 'بشير' وأنا.. تكتمل مجموعتنا الحالية".

توقف مالك لحظة ليلتقط أنفاسه، ثم سأل عامر بفضول مَن يحاول ترتيب قطع الأحجية في رأسه: "إذن، بقي ستة عشر رجلاً لا أعرفهم.. السبعة الذين صعدوا للتو، والتسعة الذين ذكرتَ أنهم في الخارج.. مَن هؤلاء؟ وكيف يمكن لمجموعة بهذا العدد الصغير أن تصمد أمام إمبراطورية؟"

جاب عامر بنبرة رصينة: "السبعة الذين صعدوا لن تقابلهم قبل أسبوع من الآن، فهم عيون الجبل التي لا تنام، وأسماؤهم ستعرفها في وقتها. أما التسعة الآخرين.. فهم 'الأشباح' يا مالك. مهامهم هي الأصعب؛ يذهبون للقرى والمدن، يجمعون المؤن من تحت أنوف الإمبراطورية دون أن يشعر بهم أحد، ويتقصون أخبار عائلات آل سِين المشتتة. نحن هنا نحمي العرين، وهم هناك يتحركون في الظل ليؤمنوا لنا سبل البقاء؛ فإذا لم يشعر العدو بوجودهم، نكون قد نجحنا، وإذا تركوا أثراً خلفهم.. انتهت قصتنا جميعاً."


بينما كان عامر يتحدث، بدأ الطريق يميل نحو الانخفاض الواضح، وتغيرت رائحة الهواء من برودة الثلج الجافة إلى رطوبة الوديان المليئة بالأشجار الكثيفة. شعر مالك بنوعٍ من الراحة النفسية؛ ففكرة النزول لقرية، حتى لو كانت مخفية، كانت تعني له الكثير بعد أيام القمة الموحشة.

أكمل عامر حديثه وهو يرى ملامح الارتياح على وجه مالك: "نحن ننزل الآن لأن الأسبوع قد حل، وهي نوبتنا في الاستراحة. في القرية السفلية، ستجد حياةً مختلفة. هناك الخمس عشرة امرأة اللواتي يدبرن شؤوننا، وهنَّ الروح الحقيقية لهذا المكان. ليلى، وسلمى، وفاطمة، ومريم، وسارة.. كل واحدة منهنَّ قصة صمود بحد ذاتها. ليلى هي كبيرة القوم، وطبيبة متمكنة بالأعشاب، وسلمى هي التي تشد أزر سيوفنا في مرجلها وصوت مطرقتها لا يهدأ. فاطمة هي من تحفظ بطوننا من الجوع بتدبيرها للمؤن، ومريم وسارة، بنتا عمومة سِنان، هما من يحفظان دفاتر العائلة وتاريخها لكي لا يضيع في غياهب النسيان".

بدأ مالك يشعر بـ "ثقل" هذا المجتمع الصغير؛ لم يعد الأمر مجرد مجموعة متمردين، بل هو وطنٌ مصغر يحاول البقاء على قيد الحياة تحت وطأة إمبراطورية لا ترحم. سأل مالك بصوتٍ خفيض: "وهل سأكون حارساً مع السبعة؟ أم سأخرج للمهمات مع التسعة؟".

نظر إليه عامر بنظرةٍ غامضة، وقال: "سِنان له رؤية خاصة لك يا مالك. وجهك ليس معلماً عند الامبراطورية، وهذه سمة لا يملكها كثير من الـ ٢٥ رجلاً هنا. لكن قبل ذلك، عليك أن تألف حياتنا، وتعرف مَن تقاتل لأجلهم. فالنصل الذي لا يحمى ظهره بقلوبٍ تحبه، ينكسر عند أول صدام".

مع انتصاف النهار، وبعد ساعات من الهبوط المتواصل، انقشع الضباب تماماً ليظهر أمامهم مدخلٌ ضيق جداً بين صخرتين عظيمتين، وكأنه بابٌ سري في جدار العالم. تجاوز سِنان المدخل وتبعه الرجال، لينبثق أمام عيني مالك منظرٌ لم يتوقعه. وادٍ عميق، تصله الشمس في زوايا معينة لتبدو وكأنها خيوطٌ من ذهب فوق بيوتٍ حجرية متواضعة لكنها منظمة بدقة.

كانت رائحة الخبز الطازج ودخان المداخن الصغيرة تملأ الأجواء، وصوت خرير ماءٍ نابع من صخر الجبل ينساب بهدوء نحو أحواضٍ زراعية صغيرة. رأى مالك النساء وهنَّ يخرجن لاستقبال الرجال بابتساماتٍ هادئة، ورأى سلمى وهي تقف بجانب مشغلها الصغير، تمسح العرق عن جبينها بساعدها الملوث بالسخام.

توقف سِنان في وسط القرية، والتفت نحو مالك الذي كان يقف مبهوراً. قال سِنان بصوته الرزين الذي يحمل هيبة لا تُنازع: "مرحباً بك في وادي الشمس المحجوبة، يا مالك. هنا تبدأ رحلتك الحقيقية. استرح اليوم، فغداً سيبدأ صقلك بما لا تطيقه الجبال".

شعر مالك لأول مرة منذ زمنٍ طويل بشيءٍ يشبه "الوطن"، رغم علمه بأنَّ هذا المكان قد يكون قبره في أي لحظة. تنفس بعمق، ونظر إلى عامر الذي أومأ له برأسه وكأنه يبارك وصوله، مدركاً أنَّ الرقم ستة وعشرين قد أصبح حقيقةً لا يمكن إنكارها وسط هذا المجتمع المطارَد.

تعليقات