عين المعرفة الكلية: النجاة بكسر القواعد - الفصل 11: رعب المصعد
الفصل 11: رعب المصعد
على شاشات البث المباشر، بدا "غو شينغ" وكأنه تمثال جامد، يداه تقبضان على المقبض الحديدي للمصعد بقوة جعلت مفاصل أصابعه تبيضّ. ظن الجميع أنه قد شلّه الرعب، لكن "غو شينغ" وحده كان يعلم أن سكونه لم يكن استسلاماً، بل كان محاولة يائسة لتحليل الأصوات التي تناهت إلى مسامعه من الخارج.
تلك الصرخات الحادة والمبحوحة.. لقد سمعها من قبل. تماماً كالأصوات التي انبعثت من الغرفة المجاورة في الليلة الماضية؛ صرخات تشبه نعيق آلاف الغربان المجتمعة في مكان واحد، تصم الآذان وتثير الغثيان في النفوس.
تحرك "غو شينغ" ببطء شديد، وعندما وصل نعيق الغربان بالخارج إلى ذروته، استغل الضجيج ليرتمي ببطء على أرضية المصعد الباردة. ألصق عينه بالفجوة الضيقة بين بابي المصعد الموصدين. وفجأة، برزت قطعة من قماش أسود ممزق عبر الشق الصغير، وتسللت معها رائحة دم ثقيلة ومركزة، رائحة ذكّرته فوراً بلحم البقر النيئ الذي قدمه له "تشن تاو" في الصباح.
كان "غو شينغ" يركز بكل جوارحه في المراقبة، وفجأة، اختفت قطعة القماش وحلت محلها عينٌ تمتلئ بالعروق الحمراء المتفجرة. حدقة تلك العين كانت تحمل قدراً من الوحشية والجنون لا يمكن لوصفٍ بشري أن يحتويه، وقد انطبعت تلك النظرة في ذاكرة "غو شينغ" ككيٍّ بالنار.
"دب!"
ارتد "غو شينغ" للخلف بذعر، فاصطدم ذراعه بجدار المصعد المعدني بقوة جعلته يصر بأسنان من الألم، لكنه كتم صرخته بكل ما أوتي من قوة، واضعاً يده الأخرى على فمه لدرجة كادت تخنقه.
"أيها الضيف.. التلصص ليس عادة حميدة!" انطلق صوت حارس الأمن المسطح والخالي من أي نبرة إنسانية من خلف الباب مباشرة.
لم يجرؤ "غو شينغ" على الرد. زحف بجسده على الأرضية مبتعداً عن الفتحة، محاولاً الاختباء في الزاوية العمياء التي لا تصلها نظرات تلك العين الدموية.
"أيها الضيف..."
قبل أن يتمكن الحارس من إتمام جملته، اشتعلت أنوار المصعد فجأة، وانفرج البابان بقوة تحت ضغط يدين ضخمتين ملطختين بآثار الدماء.
"غو شينغ! هل أنت بخير؟"
"مياو! مياو! مياو..."
انفجر صوت "تشن تاو" الجهوري ومواء القط "فاشنغ" القلق فوق رأسه. في تلك اللحظة، عندما رأى ملامح صديقه المألوفة، لم يعد جسد "غو شينغ" قادراً على تحمل الضغط العصبي الهائل؛ انقلبت عيناه وغاب عن الوعي تماماً. وقبل أن يسقط في ظلام الإغماء التام، خُيّل له أنه رأى انعكاس نظارات سميكة وحذاءً جلدياً أسود مدبباً يلمع ببريق غريب.
عندما فتح "غو شينغ" عينيه مجدداً، وجد نفسه مستلقياً على سرير في غرفة "تشن تاو" (775). كان القط "فاشنغ" ملتصقاً بوجهه، يمسح بفرائه الناعم على وجنته بقلق.
"غو شينغ، لقد استيقظت أخيراً!" قال "تشن تاو" وهو يلتفت نحوه، "الفضل يعود لهذا القط الصغير. لو لم يستمر في خدش بابي والمواء بجنون، لما عرفت أنك عالق في ذلك المصعد الملعون."
تربت "غو شينغ" بلطف على رأس القط، وجلس بتعب قائلاً بصوت واهن: "شكراً لك يا تاو-تزي.. لولاك لربما دُفنت حياً في ذلك الصندوق الحديدي."
لوح "تشن تاو" بيده بلامبالاة: "لا تشكرني، لولا اتصال موظفة الاستقبال التي أخبرتني بوجود عطل في المصعد، لكنت لا أزال أتصارع مع قطك المزعج هذا لطرده من الغرفة."
توقف قلب "غو شينغ" للحظة. الآنسة شياو تشين اتصلت؟ تذكر ابتسامتها الجشعة ونظراتها الشيطانية، وأدرك يقيناً أن مساعدتها لم تكن بدافع الرحمة، بل لغاية أخرى مريبة.
حمل "غو شينغ" القط وخرج من غرفة "تشن تاو" متوجهاً لغرفته. انحنى نحو أذن القط وهمس: "هل كنت تعلم أن المصعد سيتعطل؟"
أومأ القط برأسه، وامتلأت عيناه الزمرديتان بالقلق، ثم أشار بمخالبه نحو غرفة "تشن تاو" وهو يرتجف بعنف.
فهم "غو شينغ" الإشارة، وتابع همسه: "إذاً، هل تعرف من هو المدير؟ أقصد.. الشخص الذي يقود كل هؤلاء؟"
فجأة، انتصب فرو القط بالكامل، وتقلص جسده في حضن "غو شينغ" بذعر، ودفن رأسه في صدره رافضاً النظر لأي اتجاه. وقبل أن يتمكن "غو شينغ" من الاستفسار أكثر، سمع صوت صرير فتح باب غرفته 777. انبعثت رائحة الورد القوية، رائحة تذكر القلوب بالزهور الجنائزية الداكنة.
دخل الغرفة متظاهراً بالهدوء، لكن كلمات "جو يينغ يينغ" الأولى جعلته يتجمد في مكانه:
"تبدو في حالة جيدة.. لم يتسبب لك الحصار في المصعد بأي أذى نفسي كما أرى."
رفع "غو شينغ" رأسه ببطء، وضيق عينيه متسائلاً بحدة: "كيف عرفتِ بالأمر؟"
كان يظن أن "جو يينغ يينغ" لا يمكنها مغادرة الغرفة، ولكن إذا سقط هذا الافتراض، فهذا يعني أن "تشن تاو" قد يكتشف علاقتهما في أي لحظة، وهو ما سيعني خرقاً قاتلاً للقواعد.
"لا تتوتر، لا اهتمام لي بتلك الفوضى الخارجية،" قالتها وهي تعدل نظاراتها الوهمية، وتتحرك بمشية تحاكي القطط نحوه، "لكن قطك هذا.. إنه مزعج للغاية."
كان ضوء شمس الظهيرة يسقط على "جو يينغ يينغ"، مغلفاً إياها بهالة من الضوء الساطع الذي لا ينتمي لهذا المكان المظلم. وضعت يدها الباردة على كتف "غو شينغ"، واقتربت من أذنه لدرجة أنه شعر بلسانها يلامس شحمة أذنه بخفة: "أنا مهتمة بك أنت فقط."
حبس "غو شينغ" أنفاسه من قوة رائحة الورد، ولم يشعر بأي إثارة؛ فبرودة ذراعها البيضاء كانت تذكره ببرودة الرخام في المقابر. حاول الميل برأسه لتجنب مداعبتها المستفزة. رأت "جو يينغ يينغ" تمنّعه فازدادت جرأة، وانزلقت أصابعها لتستقر فوق صدره وتضغط عليه بخفة.
"عزيزي.. لقد أهملتني ليومين كاملين. إذا استمر هذا الجفاء، سأكون مستاءة جداً."
أشار "غو شينغ" إلى الهالات السوداء تحت عينيه قائلاً بمرارة: "انظري لحالي.. بهذه الحالة، لن أصل ليوم الزفاف، سأتحول إلى جثة محنطة قبل ذلك."
ضحكت "جو يينغ يينغ" برنين عذب، ومدت يدها داخل جيب بنطاله، واستخرجت شيئاً طولياً، ثم قالت بنبرة غامضة: "حذاء زفافي لم يصل بعد.. عزيزي، هل تملك أي فكرة عن مكانه؟"
تجمد جسد "غو شينغ" عند سماع كلمة "حذاء الزفاف". خفض بصره وقال بجمود: "ومن أين لي أن أعرف؟ أليس من المفترض أن يجلبه ليو هانغ معه؟"
"ربما! لكنني لا أريد منه أن يلبسني إياه. أحلم بأن تقوم هاتان اليدان بإلباسي الحذاء، ثم تقوداني نحو هيكل الزواج.. ما رأيك؟"
أمسكت يد "غو شينغ" وأخذت تتأملها بإعجاب مريب. لم يرغب "غو شينغ" في الانجرار خلف هذا الحديث، ولم يرد لها أن تلمس يده، فسحبها بقوة وجلس على السرير محتضناً القط، بينما كانت أصابعه تتحسس في الخفاء "الخاتم" الذي سرقه القط "فاشنغ" بذكاء من غرفة "تشن تاو" ووضعه في يده.
"لا تقل إنني لم أحذرك.. تعطل المصعد اليوم لم يكن مجرد صدفة. عليك أن تكون حذراً في المرة القادمة،" قالت "جو يينغ يينغ" وهي تجلس على الأريكة بوقار، وبدأت في تقطيع فخذ الدجاج في طبقها بأسلوب أرستقراطي، مستخدمة السكين والشوك لانتزاع اللحم عن العظم.
راقبها "غو شينغ" بضيق؛ لم يفهم مغزى تحذيرها، لكن ما لفت انتباهه هو أن فخذ الدجاج "المطبوخ" كان ينضح بدماء طازجة مع كل غرسة شوكة، دماء تناثرت على المفرش الأبيض الناصع كأنها بتلات وردٍ حمراء ذابلة.
تعليقات
إرسال تعليق