رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 11: ضياءُ الفجر.. ومساراتُ النصل
الفصل 11: ضياءُ الفجر.. ومساراتُ النصل
مع أول خيطٍ رمادي شقَّ أفق "جبال الرياح العاوية"، بدأ الضباب يتراجع كجيشٍ مهزوم. كانت الشمس تشرق ببطء، لكن أشعتها لم تكن تحمل الدفء بقدر ما كانت تكشف عن قسوة المشهد فوق "قمة العويل". هناك، وسط بياض الجليد، كان مالك يجلس كتمثالٍ قديم نُحت من صوان. غطى الصقيع رموشه وشعره، وبدت بشرته شاحبة لدرجة المخافة، لكنَّ هالةً رقيقة من البخار كانت لا تزال تنبعث من جسده، كأنها روحٌ تأبى المفارقة.
ظهر خيال سِنان من بين الصخور، يسير بخطواتٍ هادئة لا تترك أثراً عميقاً في الثلج. توقف على بُعد أمتار من مالك، وراقبه بصمت لعدة دقائق. لم ينادِهِ، ولم يلمسه. انتظر حتى فتح مالك عينيه ببطء شديد؛ لم تكن تلك العيون المنكسرة التي كان يحملها في اول مرة رءاه فيها، بل كانت عيوناً حادة، غائرة، يشتعل في عمقها وميضٌ من "الضرام" الذي لم يستطع الصقيع إطفاءه.
تحركت شفتا مالك المتشققتان، وخرج صوته كحشرجة الريح بين الشقوق: "لقد.. صمدت."
أومأ سِنان برأسه إيماءةً واحدة، كانت في عُرفه تعادل أرفع أوسمة الإمبراطورية. "انهض،" قال سِنان ونبرته قد فقدت القليل من برودها المعتاد. "الجبل قد لفظك حياً، وهذا يعني أنَّ الأرض تحت قدميك قد تغيرت."
حاول مالك الوقوف، فشعر وكأنَّ عظام ركبتيه ستتحطم، لكنَّ قوةً غريبة كانت تنبعث من أسفل بطنه، قوةً لم تكن موجودة بالأمس. استند إلى الصخرة، ووقف بشموخٍ لم يعهده في نفسه من قبل. لم يعد "جرو الشوارع" الذي يرتعد من البرد؛ لقد أصبح الصبي الذي تروَّض الصقيع تحت إرادته.
بينما كانا يهبطان نحو منطقةٍ أكثر دفئاً قليلاً تحت القمة، بدأ مالك يشعر بتغيراتٍ غريبة تطرأ على جسده. لم يكن الأمر مجرد دفء، بل كان شعوراً بأنَّ كل ليفةٍ في عضلاته قد أُعيد صهرها وتشكيلها. ليلةُ الاختبار لم تكن مجرد تعذيب، بل كانت "عملية صقل" قسرية. الضغط الهائل الذي وضعه عليه الصقيع أجبر "التشي" في داخله على التدفق بمساراتٍ لم تكن مفتوحة من قبل، ليدافع عن الأعضاء الحيوية.
"أشعر بوزني.. مختلفاً،" همس مالك وهو ينظر إلى كفيه اللتين تخلصتا من لونهما الأزرق وعاد إليهما الدفق الدموي بقوة.
التفت إليه سِنان وهو يمشي: "التشي الذي استدعيته بالأمس ليدافع عن حياتك قام بتطهير مسامك وتقوية عظامك. الجسد الذي ينجو من قمة العويل دون نار، لا يعود جسداً عادياً. لقد أصبح وعاءً قادراً على تحمل 'النية' دون أن ينكسر. أنت الآن تملك الأساس؛ معدنك صار صلباً، لكنه لا يزال نصلًا خاماً يحتاج للصقل."
أحسَّ مالك بأنَّ حواسه أصبحت أكثر حدة؛ كان يسمع تساقط الثلج من فوق الأغصان البعيدة، ويشعر بحركة الهواء خلف ظهره. تلك المعاناة المريرة في الليل قد جردته من طبقات الضعف، وتركت خلفه محارباً بدأ يفهم لأول مرة معنى أن يكون "واحداً مع الطاقة" التي تنبعث منه.
توقفا عند مغارةٍ صغيرة تطل على الوادي المحجوب. جلس سِنان على صخرة، وأشار لمالك بالجلوس أمامه , كان هذا أول درسٍ نظري ، اللحظة التي سيتعرف فيها مالك على مستويات القوة في هذا العالم.
"اسمع جيداً،" بدأ سِنان وهو يرسم خطوطاً في التراب بنهاية غمد سيفه. "فنون القتال في عالمنا ليست مجرد حركاتٍ بارعة، بل هي رحلةٌ في أعماق الروح. المرحلة الأولى التي لمستَها هي مرحلة التشي (الطاقة الجسدية). فيها تتعلم كيف تشعر بالطاقة في عروقك، كيف تسخرها لتقوية ضرباتك، أو كما فعلتَ بالأمس، لتدفئة جسدك. أغلب الجنود في الإمبراطورية يقضون حياتهم هنا، ولا يتجاوزونها."
صمت سِنان لبرهة، ثم اشتدت نظراته حدة. "لكنَّ ما يجعل الشخص من النخبة هو الانتقال إلى مرحلة النية . في هذه المرحلة، لا يعود السيف قطعة حديد، ولا تعود الطاقة مجرد حرارة. 'النية' هي أن تفرض إرادتك على الواقع. إذا أردتَ أن يقطع سيفك الصخر، فيجب أن 'تنوي' ذلك بروحك قبل أن يتحرك ذراعك. النية هي القوة غير المرئية التي تجعل بشيراً يقبض على نصلك بيده العارية دون أن يُجرح؛ لأنه فرض نية 'الصلابة' على جلده , جميع رجالنا وصلوا الى هذه المرحلة"
سأل مالك بفضولٍ غلبه التعب: "هل سأصل إلى هذه المرحلة قريباً؟"
ردَّ سِنان بصرامة: "فهمك للمسار لا يعني أنك سلكته. أنت الآن تملك طاقةً خاماً، لكنَّ التحكم بها في حالة القتال، وفرض 'نيتك' على الخصم، يحتاج لسنواتٍ من الانضباط. لا تظن أنَّ خدشك لوجه بشير كان نية؛ لقد كان مجرد غريزة بقاءٍ عمياء."
هنا، لمعت عينا مالك، وسأل السؤال الذي يراود كل طموح: "وماذا بعد النية؟ ما هي المرحلة التي تليها؟"
تقلصت ملامح سِنان قليلاً، وبدا وكأنَّ ذكرى أليمة مرت بخاطره. "لا تشغل بالك بما وراء ذلك حالياً،" ردَّ بجفاءٍ قاطع. "من يحاول القفز فوق السلالم يكسر عنقه ركز الآن على تثبيت المستوى الأول في جسدك الجديد. الطريق أمامنا طويل، والأعداء الذين ينتظروننا في الأسفل يملكون 'نياتٍ' قتالية قادرة على تمزيقك قبل أن تستل سيفك."
قام سِنان منهياً حواراً ألقى بمالك في دوامةٍ من الترقب المشوب بالقلق. وجّه بصره نحو الأسفل وقال بلهجةٍ لا تقبل الجدل: 'تأهب، فقد انتهى أسبوع الحراسة هنا. غداً سننزل للقرية؛ لتدرك عمق المكان الذي سيحتويك، وليعلم الجميع أنَّ مجموعتنا لم تعد تضم خمسة وعشرين رجلاً فحسب"
بقي مالك مكانه، يتفكر في كلمات سِنان. كان يدرك أنه قد عبر البوابة، لكنَّ المسار الذي وُصف له كان يشبه الجبل الذي صعده؛ كلما ظن أنه وصل للقمة، اكتشف قمةً أعلى تختفي خلف السحب. ومع ذلك، لم يشعر باليأس؛ فالضرام في صدره كان يخبره أنَّ هذه هي الرحلة التي خُلق لأجلها.
تعليقات
إرسال تعليق