رماد النبل وجمر التمرد - الفصل 10: ليلةُ الجليد.. صلاةُ المستضعف
الفصل 10: ليلةُ الجليد.. صلاةُ المستضعف
لم يكد مالك يضع وعاء المرق الفارغ جانباً حتى شعر بظلٍ ثقيل يغطي ضوء النار المتراقص أمامه. رفع رأسه ببطء، ليجد سِنان واقفاً فوق رأسه، عيناه باردتان كقمم الجبال التي يطوقها الضباب. لم يقل سِنان "أحسنت" ولم يسأله عن حال جسده المنهك، بل اكتفى بكلمتين خرجتا كأنهما أمرٌ عسكري لا يقبل النقاش: "انهض.. اتبعني".
تحامل مالك على آلامه، وضغط على ركبتيه اللتين كادتا تخذلانه. ألقى نظرة سريعة على بشير وعامر؛ كان الأول يراقب بصمت مريب، بينما كان عامر يرمقه بنظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والترقب. بدأ سِنان بالسير مبتعداً عن دفء المعسكر، متجهاً نحو الممرات الضيقة التي تؤدي إلى أعلى القمم المحرمة، ومالك يتبعه بخطوات ثقيلة، يشعر بلسعات البرد تزداد حدة مع كل متر يقطعانه نحو الأعلى.
بعد مسيرة شاقة استمرت قرابة الساعة، توقفا عند حافة نتوء صخري شاهق، يُعرف بين الرجال بـ "قمة العويل" بسبب صوت الرياح التي لا تهدأ فوقه. التفت سِنان نحو مالك، وأشار بيده إلى مساحة صغيرة جرداء من الصخر المتجمد. "هنا ستقضي ليلتك،" قال سِنان وصوته يقطع صفير الريح. "الاختبار بسيط ستبقى هنا حتى أول خيط من خيوط الفجر. دون نار، ودون غطاء إضافي، ودون حراك غير ضروري".
اتسعت عينا مالك، ونظر إلى ملابسه الخفيفة التي لا تقي من زمهرير هذه القمة. "لكن يا زعيم.. الجسد لن يصمد، سأتجمد قبل انتصاف الليل!"
رد سِنان ببرود وهو يستدير للمغادرة: "إذا كان 'التشي' الذي لمسته بالأمس مجرد وهم، فستصبح خشبة على هذا الجبل قبل الفجر. أما إذا كان 'ضراماً' حقيقياً، فاجعله يحرق البرد في عروقك. هذه بوابتك الوحيدة لتكون الرقم ستة وعشرين في مجموعتنا.. أو جثة أخرى يلفها النسيان".
بقي مالك وحيداً. غاب خيال سِنان وسط الضباب، وترك خلفه صمتاً مرعباً لا يكسره إلا عواء الريح. في البداية، حاول مالك المقاومة بالحركة؛ بدأ يفرك يديه ويقفز في مكانه ليولد بعض الدفء، لكنه سرعان ما أدرك أن المجهود البدني يستنزف طاقته المتبقية بسرعة خطيرة. جلس القرفصاء محاولاً تصغير مساحة جسده المعرضة للريح، وبدأ البرد يزحف أولاً على أطرافه، محولاً أصابع قدميه إلى قطع من الخشب الميت.
مع مرور الساعات الأولى، دخل مالك في مرحلة "الرعشة الكبرى". كان جسده ينتفض بعنف غير مسيطر عليه، وأسنانه تصطدم ببعضها بقرقعة مسموعة. كان يعلم أن هذه هي استجابة الجسد الأخيرة قبل الاستسلام للموت. تذكر كلمات سِنان عن "الجمر"، وأغمض عينيه بقوة، محاولاً استدعاء تلك الخيوط الدافئة التي شعر بها عند سحب الصخور.
في البداية، لم يجد في داخله سوى الظلام والبرد. كانت أفكاره تتشتت؛ رأى وجه الجندي الذي ركله في قريته، واستحضر أشباح أهل قريته الذين يبسوا من فرط الجوع حتى استحالوا خُشباً مسندة. كل تلك الصور كانت تحاول جره نحو "النوم"، ذلك النوم المغري الذي يسبق التجمد النهائي.
"لا.." همس وشفتيه قد بدأتا تكتسيان باللون الأزرق. "لستُ نكرة.. لن أموت هنا ككلبٍ ضال".
صبَّ مالك كل حِقده ومراره في نقطة واحدة بأسفل بطنه. دفع بكل قوته الذهنية نحو ذلك المركز، متخيلاً جمرة صغيرة وسط الرماد. وفجأة، أحسَّ بوخزة. كانت حرارة ضئيلة جداً، كأنها رأس إبرة محمية بالنار. لم يتركها؛ بدأ يغذيها بأنفاسه العميقة والبطيئة. بدأ يوجه تلك "الحرارة" نحو صدره، ثم نحو يديه وقدميه. كان الأمر أشبه بمحاولة ضخ زيت دافئ في مواسير متجمدة؛ المقاومة كانت عنيفة، والألم الناتج عن عودة الدورة الدموية لأطرافه كان يمزق أعصابه.
عند انتصاف الليل، بلغت الرياح ذروتها. بدت رقاقات الثلج وكأنها نصال صغيرة تجرح وجهه. بدأ مالك يفقد الإحساس بالواقع؛ بدت له الصخور المحيطة وكأنها وحوش تراقب احتضاره. رأى خيال أمه الشاحب تناديه، ورأى رغيف خبز دافئ يلوح أمامه.
لكنه كان يدرك أنها الهلاوس. قبض بيده المتصلبة على ثوبه، ودفع "التشي" بقوة أكبر. لم يعد يرى البرد كعدو خارجي، بل كـ "مبرد" يصقل روحه. كان يراقب رقاقات الثلج وهي تسقط على جلده وتذوب فوراً بفعل الحرارة المنبعثة من مسامه. لقد نجح في خلق "درع حراري" رقيق، لكن الحفاظ عليه كان يتطلب تركيزاً خرافياً يستنزف روحه.
كان مالك في تلك اللحظة يقاتل رفضا أن يُدهس , لن يكون نكرة في هذا العالم . كانت صلاته الوحيدة هي نبضات قلبه التي تدق بعنف في أذنيه، مخبرةً إياه أنه لا يزال حياً.
استمر في هذه الحالة من التركيز القاتل لساعات، مغيباً عن كل شيء سوى تلك الشعلة الصغيرة في أعماقه. جسده صار متصلباً كالحجر، وشعره تغطى بالصقيع، لكن في أعماقه، كان هناك "ضرام" يرفض الانطفاء. كان ينتظر تلك اللحظة، ذلك الخيط الأول من النور الذي سيعلن انتصاره على الجبل وعلى نفسه.
بقِي مالك متشبثاً بالحياة وسط عواء "قمة العويل"، في أطول وأقسى ليلة مرت عليه، مدركاً أنَّ الفجر القادم –إن رآه– لن يكون مجرد يوم جديد، بل سيكون ميلاداً لم يحلم به حتى في أشد أحلامه جموحاً.
تحامل مالك على آلامه، وضغط على ركبتيه اللتين كادتا تخذلانه. ألقى نظرة سريعة على بشير وعامر؛ كان الأول يراقب بصمت مريب، بينما كان عامر يرمقه بنظرة تحمل مزيجاً من الشفقة والترقب. بدأ سِنان بالسير مبتعداً عن دفء المعسكر، متجهاً نحو الممرات الضيقة التي تؤدي إلى أعلى القمم المحرمة، ومالك يتبعه بخطوات ثقيلة، يشعر بلسعات البرد تزداد حدة مع كل متر يقطعانه نحو الأعلى.
بعد مسيرة شاقة استمرت قرابة الساعة، توقفا عند حافة نتوء صخري شاهق، يُعرف بين الرجال بـ "قمة العويل" بسبب صوت الرياح التي لا تهدأ فوقه. التفت سِنان نحو مالك، وأشار بيده إلى مساحة صغيرة جرداء من الصخر المتجمد. "هنا ستقضي ليلتك،" قال سِنان وصوته يقطع صفير الريح. "الاختبار بسيط ستبقى هنا حتى أول خيط من خيوط الفجر. دون نار، ودون غطاء إضافي، ودون حراك غير ضروري".
اتسعت عينا مالك، ونظر إلى ملابسه الخفيفة التي لا تقي من زمهرير هذه القمة. "لكن يا زعيم.. الجسد لن يصمد، سأتجمد قبل انتصاف الليل!"
رد سِنان ببرود وهو يستدير للمغادرة: "إذا كان 'التشي' الذي لمسته بالأمس مجرد وهم، فستصبح خشبة على هذا الجبل قبل الفجر. أما إذا كان 'ضراماً' حقيقياً، فاجعله يحرق البرد في عروقك. هذه بوابتك الوحيدة لتكون الرقم ستة وعشرين في مجموعتنا.. أو جثة أخرى يلفها النسيان".
بقي مالك وحيداً. غاب خيال سِنان وسط الضباب، وترك خلفه صمتاً مرعباً لا يكسره إلا عواء الريح. في البداية، حاول مالك المقاومة بالحركة؛ بدأ يفرك يديه ويقفز في مكانه ليولد بعض الدفء، لكنه سرعان ما أدرك أن المجهود البدني يستنزف طاقته المتبقية بسرعة خطيرة. جلس القرفصاء محاولاً تصغير مساحة جسده المعرضة للريح، وبدأ البرد يزحف أولاً على أطرافه، محولاً أصابع قدميه إلى قطع من الخشب الميت.
مع مرور الساعات الأولى، دخل مالك في مرحلة "الرعشة الكبرى". كان جسده ينتفض بعنف غير مسيطر عليه، وأسنانه تصطدم ببعضها بقرقعة مسموعة. كان يعلم أن هذه هي استجابة الجسد الأخيرة قبل الاستسلام للموت. تذكر كلمات سِنان عن "الجمر"، وأغمض عينيه بقوة، محاولاً استدعاء تلك الخيوط الدافئة التي شعر بها عند سحب الصخور.
في البداية، لم يجد في داخله سوى الظلام والبرد. كانت أفكاره تتشتت؛ رأى وجه الجندي الذي ركله في قريته، واستحضر أشباح أهل قريته الذين يبسوا من فرط الجوع حتى استحالوا خُشباً مسندة. كل تلك الصور كانت تحاول جره نحو "النوم"، ذلك النوم المغري الذي يسبق التجمد النهائي.
"لا.." همس وشفتيه قد بدأتا تكتسيان باللون الأزرق. "لستُ نكرة.. لن أموت هنا ككلبٍ ضال".
صبَّ مالك كل حِقده ومراره في نقطة واحدة بأسفل بطنه. دفع بكل قوته الذهنية نحو ذلك المركز، متخيلاً جمرة صغيرة وسط الرماد. وفجأة، أحسَّ بوخزة. كانت حرارة ضئيلة جداً، كأنها رأس إبرة محمية بالنار. لم يتركها؛ بدأ يغذيها بأنفاسه العميقة والبطيئة. بدأ يوجه تلك "الحرارة" نحو صدره، ثم نحو يديه وقدميه. كان الأمر أشبه بمحاولة ضخ زيت دافئ في مواسير متجمدة؛ المقاومة كانت عنيفة، والألم الناتج عن عودة الدورة الدموية لأطرافه كان يمزق أعصابه.
عند انتصاف الليل، بلغت الرياح ذروتها. بدت رقاقات الثلج وكأنها نصال صغيرة تجرح وجهه. بدأ مالك يفقد الإحساس بالواقع؛ بدت له الصخور المحيطة وكأنها وحوش تراقب احتضاره. رأى خيال أمه الشاحب تناديه، ورأى رغيف خبز دافئ يلوح أمامه.
لكنه كان يدرك أنها الهلاوس. قبض بيده المتصلبة على ثوبه، ودفع "التشي" بقوة أكبر. لم يعد يرى البرد كعدو خارجي، بل كـ "مبرد" يصقل روحه. كان يراقب رقاقات الثلج وهي تسقط على جلده وتذوب فوراً بفعل الحرارة المنبعثة من مسامه. لقد نجح في خلق "درع حراري" رقيق، لكن الحفاظ عليه كان يتطلب تركيزاً خرافياً يستنزف روحه.
كان مالك في تلك اللحظة يقاتل رفضا أن يُدهس , لن يكون نكرة في هذا العالم . كانت صلاته الوحيدة هي نبضات قلبه التي تدق بعنف في أذنيه، مخبرةً إياه أنه لا يزال حياً.
استمر في هذه الحالة من التركيز القاتل لساعات، مغيباً عن كل شيء سوى تلك الشعلة الصغيرة في أعماقه. جسده صار متصلباً كالحجر، وشعره تغطى بالصقيع، لكن في أعماقه، كان هناك "ضرام" يرفض الانطفاء. كان ينتظر تلك اللحظة، ذلك الخيط الأول من النور الذي سيعلن انتصاره على الجبل وعلى نفسه.
بقِي مالك متشبثاً بالحياة وسط عواء "قمة العويل"، في أطول وأقسى ليلة مرت عليه، مدركاً أنَّ الفجر القادم –إن رآه– لن يكون مجرد يوم جديد، بل سيكون ميلاداً لم يحلم به حتى في أشد أحلامه جموحاً.
تعليقات
إرسال تعليق